عربي
تستلهم الجزائر فكرة قطارات الصحراء من تجارب الدول المتقدمة التي بنت اقتصاداتها على نقل مستدام للمسافرين والبضائع، كالولايات المتحدة الأميركية التي لعب فيها القطار وخطوط السكة الحديدية دوراً مركزياً في ربط المناطق وتحرير التجارة وتحقيق الاستقرار.
وفي شهر فبراير/ شباط الماضي، حققت الجزائر خطوة كبيرة عندما أطلقت قطار تندوف، أقصى جنوب غربي الجزائر على الحدود مع موريتانيا، لتسمع صفارة وصوله للمرة الأولى إلى هذه المنطقة.
وكان هذا الإنجاز مؤشراً على تحول كبير ونوعي في السياسات الحكومية اتجاه مناطق الجنوب، وإعادة تثمين القدرات الاقتصادية لهذه المناطق، وربط الجغرافيا الجزائرية على نحو يتيح تحويل الحدود المتاخمة لدول الساحل من مناطق قلق اجتماعي وأمني وهشاشة اقتصادية، إلى مناطق للتنمية وتثبيت الحاضنة السكانية وجعلها أكثر أمناً واستقراراً.
مشاريع استراتيجية وتحديات ميدانية
بعد نجاح هذا المشروع، بدأت الجزائر توجه تركيزها على مشروعَين آخرَين على نفس القدر من الأهمية، وهما قطار المنيعة في وسط الصحراء، وقطار عين صالح وتمنراست أقصى جنوبي الجزائر؛ إذ ناقش مجلس الوزراء الأحد قبل الماضي آخر الخطوات الميدانية لتنفيذ خط السكة، على أن يدخل الخدمة نهاية عام 2028. ويواجه هذا المشروع بعض المشكلات المرتبطة بطبيعة المنطقة الصحراوية، الصخرية والرملية، التي تتطلب، على غرار الخط السككي السابق إلى تندوف، تركيز وإنشاء عدد هام من المنشآت الفنية والجسور.
تبلغ تكلفة المشروع أكثر من 3.5 مليارات دولار، وتفكّر الحكومة الجزائرية، وفقاً لتصريحات سابقة للرئيس عبد المجيد تبون، في اقتراض ثلاثة مليارات دولار من البنك الأفريقي للتنمية؛ وهو قرض ميسّر يسدّد بشكل مريح على مدى 13 سنة. ويمتد خط السكة الذي يربط الشمال بأقصى الجنوب إلى تمنراست، عبر وسط البلاد في منطقتي الأغواط وغرداية، ويعبر الصحراء في منطقة المنيعة باتجاه منطقتَي عين صالح وتمنراست.
ووصف الرئيس الجزائري في مجلس الوزراء الأخير المشروع بـ"رهان القرن الجديد"، وقال إنه يتعيّن على الحكومة بذل كل الجهود الممكنة لكي يدخل قطار الجنوب حيّز الخدمة في نهاية 2028، إذ سيكون الركاب على موعد مع استغلال القطار من تمنراست نحو العاصمة الجزائرية ومدن الشمال، ما يسمح بتسهيل التنقل وسرعة وصول السلع والبضائع وتشجيع الحركة التجارية وتثمين الموارد والثروات التي تزخر بها مناطق الجنوب.
أبعاد جيوسياسية
تضع الجزائر مشاريع ربط الشمال بالجنوب بخطوط السكة الحديد امتداداً لرؤية جيوسياسية واقتصادية، بحيث لا يمكن حصرها في كونها وسيلة نقل فحسب، بل تضعها ضمن الأولويات الأساسية وفي خانة المشاريع الاستراتيجية متعدّدة الأبعاد (الاجتماعية والاقتصادية والأمنية). ويهدف ذلك إلى تعزيز العدالة الاجتماعية والتوازن المناطقي وتحسين بيئة العيش في الجنوب؛ فبالإضافة إلى البعد الاقتصادي المرتبط بتحريك ديناميكيات الأنشطة التجارية، فإنّ للمشاريع أثراً إيجابياً آخر يرتبط بتوفير بنية تحتية ذات بعد إقليمي يتصل بتحرير مسالك التجارة وتصدير المنتجات الجزائرية إلى دول الساحل وأفريقيا، خاصة وأن الجزائر وبعض دول الساحل كالنيجر وموريتانيا تعملان على إقامة منطقة تبادل حر على الحدود.
وفي تصريح لـ"العربي الجديد"، يرى الكاتب المتخصّص في الشؤون الاستراتيجية، عمار سيغة، أن هذه القطارات ستعيد صياغة الجغرافيا الاجتماعية والاقتصادية للبلاد؛ فمن المنظور الاجتماعي ستساهم في تعزيز استقرار السكان، خاصة أن المشروع يمكن أن يخلق مدن عبور ونقاطاً للتنمية تحدُّ من النزوح إلى الشمال وتخلق أقطاباً حضرية في العمق الصحراوي، كما تسهل الدراسة والعلاج وتدعم السياحة الصحراوية.
وأضاف سيغة: "علاوة على ذلك، هناك عامل مهم يتعلق بالأمن وعلاقته بالتنمية، إذ نعتقد أن التنمية هي صمام الأمان لمواجهة التهديدات الأمنية كالتهريب، وتساعد في توفير بدائل اقتصادية قانونية لسكان المناطق الحدودية وإدماجهم في الدورة الاقتصادية".
وأكد أن هذا الشريان يعزّز الرقابة بوجود بنية تحتية ومحطات وخطوط إنترنت وألياف بصرية ومراكز لوجستية، ما يعني حضوراً أكبر لعوامل الأمن في أبعد النقاط الجغرافية.
من ثقل أمني إلى جسر اقتصادي
يشير ذلك بوضوح إلى أنّ مشاريع قطارات الصحراء تحمل بعداً أمنياً لا يقل أهمية، إذ تسمح بربط أكبر للجغرافيا الجزائرية الممتدة على 2.382 مليون كيلومتر مربع، خاصة في ظل التوترات المستمرة، في مسعى للانتقال من الضغط على الشمال إلى اقتصاد "عميق وأعمق"، ونقل الصحراء من حاجز جغرافي وثقل أمني على المصالح العسكرية إلى جسر عبور اقتصادي نحو البعد الأفريقي. ويمثل ذلك فرصة حقيقية لخفض تكاليف الشحن لتكون المنتجات الجزائرية أكثر تنافسية في أسواق دول الساحل، ما يجعل من الجزائر رقماً مهماً في معادلة التجارة الأفريقية البينية ويحول المناطق الحدودية من "مناطق ظل" إلى مناطق جذب وازدهار.
من جانبه، يؤكّد عضو لجنة الشؤون الاقتصادية في البرلمان الجزائري، أحمد بليجيلالي، لـ"العربي الجديد"، أن ما يعزّز أهمية هذه المشاريع أنها تأتي متزامنة مع مساعي الجزائر لتنفيذ فكرة منح ممر تجاري بحري لصالح دول الساحل غير الشاطئية، ووضع موانئها تحت تصرف هذه الدول لنقل تجارتها عبر القطارات والطرق الجاري تنفيذها (مثل الطريق العابر للصحراء الجزائر - لاغوس، أو طريق تندوف - الزويرات الموريتانية)؛ وهذا يعني تثميناً مهماً للموانئ الجزائرية وزيادة لفاعليتها الاقتصادية.
وكان الرئيس الجزائري قد أعلن في شهر سبتمبر/ أيلول الماضي استعداد الجزائر لفتح موانئها البحرية لوضعها تحت تصرف الدول الأفريقية غير الشاطئية لإنزال السلع وتحويلها عبر القطار خلال 24 ساعة، وهو العرض الذي جدّده الثلاثاء الماضي وزير الخارجية الجزائري، أحمد عطاف، بمناسبة اجتماع اللجنة المشتركة الجزائرية/ التشادية للتعاون.

أخبار ذات صلة.
أفلام مسابقة "كانّ" الـ79: مصائب فردية
العربي الجديد
منذ 9 دقائق
أين خيال الإبداع؟
العربي الجديد
منذ 10 دقائق