الحرب تهز سوق العمل في إيران... ما خطة الحكومة للحد من الأزمة؟
عربي
منذ ساعتين
مشاركة
تُظهر تقديرات غير رسمية أنّ الحرب الأخيرة انعكست سريعاً على سوق العمل الإيراني، مع تراجع واضح في وتيرة التوظيف داخل القطاعات الإنتاجية والخدمية، وتوجّه عدد كبير من الشركات إلى خفض العمالة تحت ضغط الركود، ولا سيما الانقطاع الكامل للإنترنت منذ أكثر من 50 يوماً، الذي أصاب الاقتصاد الرقمي بالشلل. وبحسب صحيفة اعتماد الإيرانية، تجاوزت الخسائر الأولية في سوق العمل حاجز المليون وظيفة، فيما يُقدَّر العدد الإجمالي للعاطلين بصورة مباشرة وغير مباشرة بنحو مليوني شخص. ونقلت الصحيفة عن نائب وزير العمل الإيراني، غلام حسين محمدي، قوله إن "تأثير الحرب بفرص العمل بات ملموساً خلال أسابيع قليلة". وفي السياق ذاته، أشار وزير العمل الإيراني أحمد ميدري الأسبوع الماضي إلى تسجيل 147 ألف طلب جديد للتأمين ضد البطالة خلال شهرين، بزيادة تقارب 50 ألف طلب عن المتوسط الشهري للعام الماضي. وأضاف ميدري: "عندما تبدأ همسات نهاية الحرب بالظهور، تزداد الحسابات الاقتصادية وتبدأ عمليات تسريح العاملين. وقد تحدثنا مع المديرين العامين في المحافظات لمحاولة تقليل هذه التسريحات". وتترافق هذه المؤشرات مع سلسلة إجراءات تسريح في الشركات الإيرانية؛ إذ أعلنت شركة ديجي‌ كالا، أكبر متجر إلكتروني في البلاد، تسريح 200 موظف، فيما انتشرت تقارير عن احتمالات خفض للعمالة في صناعة الفولاذ التي تعرضت لهجمات متكررة خلال الحرب، سارعت الشركات المعنية إلى نفيها.  وأكد المدير العام لـ"فولاد مباركه" في أصفهان، سعيد زرندي، أن الشركة تدير المرحلة الحالية "من دون اللجوء إلى تسريح العمال"، بينما نفت "فولاد خوزستان" في اليوم التالي أي خطط لتقليص الموظفين عقب حادث تشغيلي. أما في قطاع البتروكيماويات، فأشارت مصادر عمالية إلى منح بعض العاملين إجازات إلزامية، من غير أن يتضح ما إذا كانت مؤقتة أو مقدمة لخسارة وظائف دائمة. ومع اشتداد التوترات وتكرار تعطّل الإنترنت وإغلاق المدارس والجامعات وتعليق المشاريع، بدا وكأن إيقاع العمل توقّف فجأة، تاركاً آلاف الأسر أمام فراغ مهني غير متوقَّع. وفي جولة ورصد لـ"العربي الجديد" وسط العاصمة، تتبدى صورة أوسع لأزمة تتدحرج تدريجاً، لكنها تضرب قطاعات مختلفة بحدة متقاربة. شهادات إيرانيين فقدوا أعمالهم يقول فريد، المشرف على حافلات النقل المدرسي غرب طهران، إن "اليوم الأول من الحرب كان كافياً لإيقاف كل شيء". فبينما أوصل السائقون التلاميذ إلى المدارس صباحاً، توالت رسائل الأهالي قبل الظهر مطالبة باستعادتهم فوراً. ويصف اللحظة التي أدرك فيها أن عمله سيتوقف، قائلاً لـ"العربي الجديد": "كانت الحافلات تعود فارغة، والسائقون واقفين بلا مهمة. لم نعرف إن كان التعطيل لساعات أو أيام، ثم تحوّلت الأيام إلى أسابيع، وأصبح الجميع اليوم بلا دخل". أحد السائقين السابقين في هذا القطاع يعمل الآن لساعات طويلة في سيارته الخاصة عبر التطبيقات الذكية. يقول لـ"العربي الجديد" إنه يبدأ يومه قبل الفجر ويظل في الشوارع حتى وقت متأخر: "لم أعد أملك رفاهية اختيار ساعات عملي. المشكلة ليست في الإرهاق فقط، بل في الشعور بأن هذا العمل مؤقت أيضاً، وفي ارتفاع الأسعار كل يوم". وتنعكس الأزمة على العاملين عبر الإنترنت بصورة أكثر حدة. في مقهى شبه فارغ وسط طهران، يجلس الشاب مجيد، في أواخر العشرينيات، الذي يعمل في تصميم المؤثرات الصوتية لمنصات خارجية، يتفحّص شاشة حاسوبه التي لم تتلقَّ تحديثاً منذ آخر انقطاع إلكتروني. يقول لـ"العربي الجديد" إن توقف الإنترنت "أوقف كل شيء دفعة واحدة"، موضحاً أنه لم يعد قادراً على إرسال مشاريعه أو تسلّم مستحقاته، بينما تزداد مخاوفه من خسارة زبائنه بالكامل. ولا يختلف الوضع لدى أصحاب المتاجر الافتراضية. الطهرانية كيميا البائعة لأدوات التجميل تقول لـ"العربي الجديد" إن صفحتها على "إنستغرام" كانت تستقبل ما لا يقل عن 20 طلب شراء يومياً، "لكن الحركة تلاشت كلياً خلال أيام قليلة" بعد قطع الإنترنت الدولي عقب الحرب. وتضيف أنها حاولت الوصول إلى زبائنها بطرق بديلة، غير أن ضعف الاتصال جعل ذلك مستحيلاً: "لم أتوقع أن غياب الإنترنت ليومين قادر على تجميد مشروع كامل". وفي متجر آخر لبيع الإلكترونيات، يقول صاحبه عرفان لـ"العربي الجديد" إنه اضطر إلى تعليق عمل موظفيه الخمسة "إلى أجل غير معروف" بعدما تعطلت بوابة البيع الإلكتروني، مشيراً إلى أن تعليق العمل قد يتحول إلى إغلاق دائم. أما في المشاريع الإنتاجية، فيتجلى تأثير الأزمة بشكل جماعي. ففي موقع بناء لم يكتمل شمالي طهران، يقف أحد المشرفين قرب رافعة متوقفة، موضحاً أن الشركة تلقّت تعميماً بوقف التنفيذ ريثما تستقر الأوضاع. ويشير إلى أن المشروع كان يعتمد على نحو أربعين عاملاً وفنياً: "توقف المشروع يعني توقف أرزاق هؤلاء جميعاً، ومعظمهم يعتمد على الأجر اليومي ولا يملك احتياطياً يكفيه شهراً واحداً". ويضيف أن استئناف العمل ليس مضموناً، فالمشاريع باتت رهينة لتقلّبات السوق والميزانيات. وفي قطاع الشركات الخاصة، أخذت الأزمة شكلاً آخر تمثل بإعادة الهيكلة وتقليص القوى العاملة. داخل مكتب شبه فارغ لشركة تسويق في ساحة صادقية غربي طهران، يروي موظف سابق لحظة تلقيه رسالة إنهاء العقد، قائلاً: "كنا نعرف أن الوضع يسير نحو الأسوأ. المشاريع انخفضت فجأة، واجتماعات الطوارئ تكاثرت، ثم أعلنت الإدارة أنها ستخفّض الفريق". ويضيف لـ"العربي الجديد" أن "سوق العمل بات مجمّداً"، وأن فرص التوظيف تراجعت حتى في الشركات غير المتضررة مباشرة. وبين هذه الشهادات تتكرر نماذج لعمال اضطروا إلى خيارات غير متوقعة. الشاب أحمد الذي كان يعمل في شركة بيع المستلزمات الطبية المستوردة، فقد عمله واختار منذ الأسبوع الماضي اضطراراً أن يبيع الملابس المستعملة قرب محطة المترو المكتظة غربي طهران، ويقول لـ"العربي الجديد": "لم أكن أمتلك مالاً لاستأجر محلاً، لكن حتى لو كنت أمتلكه، لم أكن لأفعل ذلك، لأن الزبائن اختفوا والمحال التجارية فقدت بريقها". ويؤكد أن البيع في الشارع بات أكثر حركة من البيع داخل المحلات. ورغم تنوع الحكايات، تتقاطع جميعها عند خيط واحد: فقدان العمل لم يعد حالة فردية، بل سلسلة مترابطة تمتد من النقل والخدمات إلى الشركات الرقمية والمشاريع الإنتاجية. ومع تواصل التوترات وتكرر انقطاع الإنترنت، يتزايد أثر الأزمة على حياة أعداد متصاعدة من الأسر التي تجد نفسها أمام خيارات محدودة وفرص أقل ومستقبل مهني يزداد غموضاً. خطة الحكومة الإيرانية تعمل وزارة الصناعة والتعدين والتجارة الإيرانية على تنفيذ حزمة واسعة من الإجراءات لضمان استمرار الإنتاج ومنع تسريح العمال في القطاعات الصناعية والورش الصغيرة التي تضررت من الهجمات الأخيرة. وأوضح المتحدث باسم الوزارة عزت الله زارعي في تصريحات أوردها الموقع الإعلامي الحكومي أن الحكومة فعّلت آليات خاصة لتأمين المواد الأولية للصناعات الفولاذية والبتروكيماوية عبر تشغيل الطاقة المحلية وزيادة الاستيراد عند الحاجة، إلى جانب استئناف عرض المنتجات البتروكيماوية في بورصة السلع لضمان شفافية الإمداد ومنع نقص المواد الذي قد يؤدي إلى توقف المنشآت أو خفض العمالة. وأكد زارعي أن الوزارة وضعت برنامجاً منسجماً لإدارة واردات المواد الأولية وتخصيص احتياجات النقد الأجنبي للوحدات الإنتاجية خلال فصل الربيع، بهدف ضبط السوق ومنع الفوضى الناتجة من تعدد المستوردين. وفعّلت الوزارة نظاماً رقابياً يتابع حركة المواد الأولية من لحظة شرائها حتى تحويلها إلى منتج نهائي، مع التشديد على مواجهة الاحتكار، خلق النقص المصطنع أو بيع المواد في السوق الحرة. وفي ما يتعلق بالوحدات التي تضررت بنيتها التحتية نتيجة القصف وتعذّر استمرار نشاطها، أعلنت الحكومة تفعيل آلية الاستفادة من التأمين ضد البطالة للعاملين فيها إلى حين عودتها للإنتاج، وهو جزء من خطتها لمنع موجة واسعة من التسريحات. وأشار المتحدث الإيراني إلى أن الحفاظ على العمالة يمثل أولوية مركزية في سياسة الوزارة خلال مرحلة الحرب وبعدها، مؤكداً أن الدولة تعمل على توفير حزم دعم مالية وتأمينية وضريبية لتقليل الضغوط على المؤسسات الخاصة. وشدد على استمرار الرقابة على الأسعار وضبط السوق لمنع الزيادات غير المبررة، مشيراً إلى أن جهود المنتجين وشبكات التوزيع، التي واصلت العمل بثلاث نوبات خلال الفترة الماضية، ساهمت في منع توقف سلاسل الإمداد وضمان توفر السلع للمواطنين. إلى ذلك، كتبت صحيفة اطلاعات الإيرانية، الأربعاء الماضي، أن أخبار تسريح العمال من المؤسسات الإنتاجية والخدمية، الكبيرة منها والصغيرة، باتت واسعة الانتشار وأثارت قلقاً شديداً في المجتمع. وأشارت إلى أن أضرار القصف أدت إلى شبه توقف في عدد من الصناعات الحيوية. كذلك فإن انقطاع الروابط بين الوحدات الإنتاجية وسلاسل الإمداد عطّل دورة إنتاج السلع والخدمات. وأضافت أنه وفق تقدير غير رسمي متداول، لم تُستحدث أي وظائف جديدة خلال الشهر الأول من العام الإيراني الجديد (من 21 مارس/ آذار إلى 21 إبريل/ نيسان)، مقدرة أنه فقد ما لا يقل عن أربعة ملايين فرصة عمل أو أصبحت مهددة بسبب تداعيات الحرب وانقطاع الإنترنت. وحذّرت الصحيفة الإيرانية من أن استمرار هذا المسار قد يقود إلى أزمة بطالة وتضخم حاد يصعب احتواؤها، في ظل تقديرات رسمية تشير إلى خسائر تتجاوز 270 مليار دولار في البنية التحتية والمنشآت الصناعية والمناطق السكنية، ما يتطلب أكثر من عقد لإعادة الإعمار في اقتصاد يعاني أساساً من ضعف بيئة الاستثمار. ولفتت إلى أن النظام المصرفي وسوق رأس المال بلغا حدود قدرتهما التمويلية حتى قبل الحرب، ما يجعل التعويل عليهما وحدهما لإعادة البناء أمراً غير واقعي. وانتقدت الصحيفة الدعوات إلى الاعتماد على القطاع الخاص في إعادة الإعمار، معتبرة أن هذا القطاع يفتقر أصلاً إلى السيولة الكافية. ودعت المسؤولين، بالتوازي مع ملفات الأمن والسيادة في أي مفاوضات سلام، إلى إعطاء أولوية قصوى لإنقاذ الاقتصاد في مرحلة ما بعد الحرب، مؤكدة أن قوة الدولة مستقبلاً ترتبط بامتلاك اقتصاد ديناميكي. كذلك شددت على ضرورة توفير دعم مالي وتأميني وضريبي وجمركي شامل للمؤسسات المتضررة، محذّرة من أن الإجراءات المتخذة حتى الآن لا تكفي لمعالجة آثار موجة التسريحات الواسعة.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية