مراكز إيواء صيدا... تكدس النازحين رغم غياب الاحتياجات الأساسية
عربي
منذ ساعتين
مشاركة
لم تعد مراكز الإيواء في مدينة صيدا اللبنانية تتسع للمزيد من النازحين الذين يتدفقون عليها بحثاً عن بعض الأمان، خصوصاً من بلدات وقرى جنوب لبنان المهددة إسرائيلياً بالإخلاء. مع تصاعد القصف والخوف من استهداف المناطق المدنية، اضطرت مئات العائلات اللبنانية إلى ترك منازلها والنزوح نحو المدارس ومراكز الإيواء في مدينة صيدا، حاملة القليل من الأغراض، وعلى رأسها العائلات النازحة من قرى جنوب لبنان. ويؤكد مديرو مراكز الإيواء، وغالبيتها مدارس، أن هناك غرفاً صفية تضم أكثر من 40 نازحاً، ما اضطرهم إلى تقسيم الملاعب والساحات بشوادر لتكون أشبه بالغرف، حتى يحتمي بها المزيد من النازحين، وحتى هذه الغرف المبتكرة تجاوز عدد الأفراد في بعضها 25 شخصاً، لكن ليس هناك بدائل أخرى لاستيعاب الأشخاص الذين يفترشون الرصيف المحاذي للمدارس. وتتفاقم الأزمة خلال ساعات الليل، حيث تمتلأ الأرض بالفرشات والبطانيات، فبينما الغرف المكتظة تنام فيها النساء، يفترش الرجال ملعب المدرسة أو ساحتها ليمضوا ساعات الليل رغم الطقس البارد، ومع ضعف الإمكانيات المتوفرة في المراكز، يقضي الجميع الليل في الظلام، إلا في بعض الأحيان حين توفر شركة الكهرباء التيار لساعتين، مع عدم توفر المياه الساخنة للاستحمام، وعدم توفر غاز الطهي، أو حليب وحفاضات الأطفال، والفوط الصحية للنساء. وقالت المنسقة بقطاع الحماية القانونية باتحاد الجمعيات التنموية والإغاثية، ملكة الحلبي لـ"العربي الجديد": "فريق عملنا والمتطوعون في المدرسة الكويتية بصيدا، كما أننا موجودون في مدرسة الزعتري بعين الحلوة. ارتفع عدد النازحين في مركز الإيواء بشكل كبير مقارنة بحرب عام 2024، ففي الحرب الماضية كان عدد النازحين نحو 550 شخصاً، لكن هذا العدد تضاعف هذه المرة، وفي الأيام الأولى كان العدد 1300 نازح وارتفع إلى 1600 قبل أن ينخفض مجدداً إلى 1100 نازح بعد مغادرة العائلات السورية إلى سورية وتوجه بعض العائلات اللبنانية نحو مراكز إيواء أخرى". يصل عدد النازحين في بعض غرف مراكز الإيواء إلى 50 شخصاً، وتنام النساء في الغرف المكتظة ويفترش الرجال الملعب أو الساحة وتابعت الحلبي: "في الأيام الأولى للنزوح، كان هناك نقص كبير في معظم الاحتياجات، لكن شيئاً فشيئاً بدأت تصلنا بعض المساعدات، وأبرز احتياجات مركز الإيواء الحالية هي المخدات والحرامات، وحليب الأطفال، والحفاضات، والمياه الساخنة والغاز، والأدوية الأساسية، كما نحتاج إلى عمال لتنظيف الحمامات وصيانة الصرف الصحي، فرغم جهود المتطوعين لتأمين المساعدات، تبقى الإمكانيات محدودة مقارنة بحجم الأزمة". وحول مركز إيواء المدرسة الكويتية، توضح: "المدرسة تضم 27 غرفة فقط، وفي بعض الغرف تقيم أربع عائلات أو أكثر، ويصل العدد في بعض الغرف إلى 50 شخصاً، وغالباً ما تنام النساء داخل الغرف، فيما يضطر الرجال إلى النوم في الملاعب أو داخل سياراتهم". من داخل أحد مراكز الإيواء، تروي الخمسينية أم هادي بصوت متعب تفاصيل رحلة النزوح المفاجئة من بلدة السكسكية، جنوب لبنان، والتي فرضتها الصواريخ الإسرائيلية. تقول لـ"العربي الجديد": "لم أتوقع أن أضطر إلى ترك بيتي بهذه الطريقة، لكن خوفي على الأطفال دفعني إلى المغادرة. نزحت مع عائلتي التي تضم نحو 25 شخصاً، من بينهم أبنائي وبناتي الأربعة المتزوجات، إضافة إلى عدد من الأحفاد". تضيف: "وصلنا إلى المدرسة التي تحولت إلى مركز إيواء، وكنا نعتقد أننا سنجد غرفة تأوينا، لكننا فوجئنا بأن جميع الغرف ممتلئة بسبب العدد الكبير من العائلات النازحة، لذا لم نجد مكاناً للنوم سوى في الملعب، واضطررنا إلى قضاء الليل على الأرض من دون فرشات كافية أو حرامات. فقط أعطونا أشياء بسيطة. الحياة داخل مركز الإيواء صعبة، خاصة مع الاكتظاظ الكبير لعدة عائلات في المساحة نفسها، كما أن النظافة شبه معدومة، والمياه متوفرة أحياناً، لكنها باردة، ما يجعل الاستحمام شبه مستحيل، خصوصاً للأطفال الصغار الذين يعانون من البرد، ونضطر إلى تسخين القليل من الماء باستخدام موقد غاز صغير جلبناه معنا، ليتمكن الأطفال من غسل وجوههم". وتؤكد النازحة أم هادي: "وجود الأطفال يزيد من صعوبات الوضع، فهم بحاجة إلى عناية ونظافة وراحة، بينما الإمكانات المتوفرة محدودة، والعائلات تضطر إلى تدبير أمورها بالوسائل البسيطة المتاحة، في ظل غياب الكثير من الاحتياجات الأساسية. هناك أيضاً الأزمة الصحية، فزوجي البالغ 64 سنة تعرض سابقاً لجلطة، وحالته الصحية تتأثر بالتوتر والضغط النفسي، والحرب والنزوح أثّرا عليه بشكل واضح. كان قبل الحرب يعمل حداد سيارات، ونعتمد على عمله لتأمين احتياجات العائلة، لكنه الآن لا يعمل". وتتابع: "حياة النزوح صعبة، والإنسان يفضّل البقاء في بيته مهما كانت الظروف، لكن الخوف من القصف أجبرنا على ترك كل شيء خلفنا، والعائلات في مركز الإيواء تحاول التكيّف مع الواقع الجديد قدر الإمكان، لكننا بحاجة إلى الكثير من الدعم كي نتمكن من العيش بكرامة. زوجة ابني أنجبت مولودها بينما نحن نازحون، وهي حالياً في المستشفى تعاني من نزيف، ولا أعلم ماذا يمكن أن أفعل من أجلها، وإن ظل الحال على ما هو عليه، فهي تفضل العودة إلى البلدة". بدورها، تقول قالت مريم سبليني (46 سنة)، وهي نازحة من بلدة الصرفند، جنوب لبنان: "بعد أيام قليلة من اندلاع الحرب، وجدت نفسي مضطرة للنزوح مع عائلتي المؤلفة من 12 شخصاً بسبب الخوف من تصاعد القصف. رحلة النزوح لم تكن سهلة، خاصة مع حالة القلق وعدم معرفة إلى أين يمكن أن نذهب. في البداية، حاولنا الابتعاد عن مناطق الخطر، وتوجهنا إلى بلدة عدلون، حيث بدا الوضع في الأيام الأولى أكثر هدوءاً. لكن مع توسّع دائرة القصف، اضطررنا إلى النزوح مرة أخرى، والبحث مجدداً عن مكان يأوينا، وبعد تنقلات عدة، وصلنا في النهاية إلى مركز إيواء في صيدا، حيث نقيم حالياً". وتصف سبليني الحياة داخل مركز الإيواء بأنها مليئة بالتحديات اليومية. تقول لـ"العربي الجديد": "الغرفة التي نقيم فيها تضم نحو 15 شخصاً، ما يجعل المساحة ضيقة على الجميع. الاكتظاظ يخلق صعوبات في النوم والراحة، خصوصاً مع وجود أطفال يحتاجون إلى عناية ومساحة للحركة. من أكثر الأمور التي يعاني منها النازحون غياب الماء الساخن وندرة الغاز، ومع برودة الطقس ووجود عدد كبير من الأشخاص في المكان يصبح الاستحمام صعباً. بعض النساء يضطررن للذهاب إلى بيوت المعارف أو الأصدقاء في مدينة صيدا للاستحمام، بينما تضطر أخريات إلى استخدام المياه الباردة داخل المركز بسبب عدم توفر البدائل". وإلى جانب صعوبة الظروف المعيشية، تبدي مريم القلق على صحة أفراد عائلتها، فزوجها خضع لعملية قلب مفتوح، ما يجعله بحاجة إلى الراحة وتجنب التوتر، وهو أمر صعب في ظل أجواء النزوح. وتشير إلى أنها وابنها يعانيان من مشاكل عصبية نتيجة الضغوط النفسية المتراكمة منذ الحروب السابقة، والتي تعود آثارها لتظهر مجدداً مع كل تصعيد جديد. تضيف: "الأخبار المتواصلة عن القصف، واحتمال استهداف المناطق المدنية تزيد من حالة التوتر داخل مركز الإيواء، حيث يعيش الجميع حالة ترقب وخوف دائمين، وتحاول العائلات التكاتف في ما بينها لمساعدة بعضها، وتخفيف الضغط قدر الإمكان. ما يطلبه النازحون هو أبسط مقومات الحياة، مثل المياه الساخنة، والغاز، والمستلزمات الأساسية للنوم، وبيئة أكثر ملاءمة للأطفال وكبار السن إلى أن تنتهي الحرب ويتمكنوا من العودة إلى بيوتهم". نزحت مروى بيضون (38 سنة) من عيتا الشعب، جنوب لبنان، إلى أحد مراكز الإيواء في مدينة صيدا، مع عائلة كبيرة تضم 16 شخصاً، وتقول: "نعيش جميعاً في غرفة واحدة بالكاد تتسع لنا، ونحن بحاجة ماسة إلى المياه والكهرباء، والمياه الساخنة للاستحمام، خصوصاً مع وجود أطفال. الطعام متوفر أحياناً من خلال المساعدات، لكن الكميات قليلة، ونضطر لتدبير أمورنا بما يتوفر". بدوره، يقول محمد النازح من بلدة الصرفند، جنوب لبنان لـ"العربي الجديد": "نزحت مع زوجتي وطفلتي وجميع أهلي إلى عدة مناطق هرباً من القصف. أعمل سائق شاحنة، لكن النزوح أوقف عملي، وأصبحت عاجزاً عن تأمين احتياجات طفلتي البالغة عشرة أشهر، والتي تحتاج إلى حليب خاص بسبب مشكلة في المعدة تسبب لها القيء، إضافة إلى الحفاضات والأدوية، لكني لا أملك المال لتأمينها. غياب الدعم الدوائي والغذائي يشكل خطراً على صحة الأطفال، بل وصحتنا نحن الكبار، لكني لا أستطيع فعل شيء إزاء ذلك. بصراحة أشعر بالعجز، ولا يوجد معي مال لتعبئة خزان وقود السيارة، وفكرت بالتوجه نحو طرابلس، شمال لبنان، علني أجد عملاً يساعدني على تأمين احتياجات أسرتي".

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية