عربي
في عالمٍ تقلّ فيه المواقف الشجاعة، وتضعف فيه القيم الأخلاقية أمام قوة المال والسياسة، أو فقط بسبب الخوف وقلة المروءة، يظلّ هناك رجال ونساء يرفعون صوت الضمير، يقفون في وجه الظلم، يختارون قول الحقيقة على راحة الصمت، يعبّرون عن الألم والغضب اللذيْن يعتصران القلوب، متحملين أكلاف مواقفهم وأثمان كلماتهم. هؤلاء هم الذين يرفعون راية الحق في اللحظات الصعبة، لا يثنيهم الخوف عن الجهر بآرائهم والتعبير عن مواقفهم، ولا تدفعهم الانتهازية إلى الصمت أو التنكّر لمبادئهم، كلماتهم ليست مجرّد خطابات تُلقى أو شعارات تُرفع، بل شهادة على ما تبقى من إنسانية في زمنٍ يكاد ينسى قيمه وأخلاقه ومبادئه.
فيليب لازاريني، الرئيس المنتهية ولايته لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، واحد من هؤلاء. والحديث عنه اليوم، لأنه يغادر منصبه نهاية مارس/ آذار الجاري بعد عقود من العمل الإنساني، لكنه لم يغادره من دون أن يترك لنا رسالته أو بالأحرى وصيته. ففي كلماته أخيراً إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة، لم يكتفِ بالإعلان عن نهاية ولايته، بل كتب وصية وشهادة يبرّئ فيها ضميره من الجريمة التي رأى وقوعها أمام عينيه من دون أن يتحرّك أحد لإيقافها. وعندما سُئل على شاشة تلفزيون بلاده (سويسرا) عن شعوره وهو يغادر المنظمة التي حملها في قلبه ووجدانه، جاءت إجابته غصّة موجزة: مزيج من الحزن والغضب واليأس والحنق. أربع كلمات تكفي لتلخّص شعور كل من ما زال يحمل في قلبه ذرّة من إنسانية.
ليست حرب الإبادة في غزّة مجرّد أرقام أو تقارير، بل حياة ملايين البشر، عائلات بأكملها أُبيدت ومُسحت من السجل المدني الفلسطيني
لم تكن رسالة لازاريني إلى الجمعية العامة وداعاً عاديّاً، بل صرخة ربّانٍ بقي على متن سفينة تغرق حتى اللحظة الأخيرة، وغادرها مضطراً لا هارباً. فجاءت كلماته شهادة على جريمة رآها الجميع، لكن قلة من تحرّكوا للتنديد بها ومحاولة إيقافها من دون جدوى. سرد لازاريني في رسالته التحدّيات التي واجهتها "أونروا" تحت الهجمات والاتهامات الإسرائيلية المتواصلة، باستهداف موظفيها وقتلهم واعتقالهم، وقصف مقراتها وتخريبها، وإتلاف مخازنها وسرقتها، وحرق أرشيفها، وتشويه سمعتها، وسط صمت غربي مخزٍ، وعجز عالمي مؤسف، وخوف عربي مذلّ. لم يكتف لازاريني، الذي قضى 35 عاماً في العمل الإنساني، بالإبلاغ عن جرائم ضد الإنسانية كان شاهداً على وقوعها، وعن أوضاع مأساوية ما زالت مستمرة، بل حذّر العالم من عواقب هذا الانهيار الكبير على ملايين اللاجئين الفلسطينيين، وعلى استقرار المنطقة، وعلى النظام الدولي القائم على القانون وحقوق الإنسان، مشدّداً على أن القضاء على "أونروا"، في بعديْه الواقعي والرمزي، قرار سياسي صهيوني بالدرجة الأولى، يهدف منه الاحتلال إلى القضاء على قضية اللاجئين، وبالتالي، القضاء على القضية الفلسطينية برمتها.
قبل أيام قليلة من رسالة لازاريني، عبّر الممثل الأعلى السابق للاتحاد الأوروبي، جوزيب بوريل، عن درجة الصفر من الأخلاق، وعن حالة الانحدار القيمي الغربي الكامل بعبارة مختزلة لكنها محمّلة بكثير من المعاني عندما قال: "إذا كنا يوماً ما منارة أخلاقية للعالم، فإن هذه المنارة الآن مدفونة تحت أنقاض غزّة"، في إشارة قاسية إلى السقوط الأخلاقي الغربي المدوّي في حرب غزّة. وقبل لازاريني وبوريل، تركت لنا المقرّرة الأممية الشجاعة، فرانشيسكا ألبانيز، شهادة صادمة عن تجربتها الفلسطينية تحت عنوان يوخز: "عندما ينام العالم"، شاهدة على ما تبقى من الإنسانية، حاملة صوت كل مظلوم في غزّة لتوصله إلى العالم، مؤمنة بفكرة "أثر الفراشة"، التي لا تستهين بفعل كل كلمة، وكل تقرير، وكل تغريدة لإيقاظ ضمير العالم، ودفعه إلى التحرّك لإسقاط الظلم التاريخي الذي يحمله الفلسطينيون جيلاً بعد جيل، ونكبة بعد أخرى، وإذا لم يحدُث ذلك اليوم سوف يأتي زمان يتحقق فيه. فما ضاع حقٌّ وراءه طالب، كما يقول المثل العربي المأثور.
لم تكن رسالة لازاريني إلى الجمعية العامة وداعاً عاديّاً، بل صرخة ربّانٍ بقي على متن سفينة تغرق حتى اللحظة الأخيرة
ليست حرب الإبادة في غزّة مجرّد أرقام أو تقارير، بل حياة ملايين البشر، عائلات بأكملها أُبيدت ومُسحت من السجل المدني الفلسطيني، ومئات آلاف من الأطفال يتعرّضون للفقر والجوع والخوف، ونساء يتحملن العبء الأكبر من معاناة لا تتوقّف، وأجيال كاملة تُسلب من أبسط حقوقها في الأكل والصحة والسكن والتعليم. وسط هذه المأساة، لم تكن "أونروا" مجرّد وكالة دولية، بل بيتاً ووطناً لملايين الفلسطينيين في ملاجئهم داخل فلسطين وخارجها؛ أطعمتهم من جوع، وآمنتهم من خوف، وأنقدتهم من جهل، ووقفت درعاً لهم في وجه آلة القمع والاحتلال والمحو من الوجود، والقضاء عليها يعني القضاء عليهم. هذه هي رسالة لازاريني ووصيته.
فيليب لازاريني وفرانشيسكا ألبانيز، وغيرهما من أصحاب الضمائر الحية، لم يتركوا شهاداتهم لتبقى حبيسة صفحات الصحف والكتب، بل رفعوا أصواتهم للعالم، مطالبين بتحرّك فوري لحماية القانون الدولي وحقوق الفلسطينيين، والدفاع عن نظام عالمي عادل ينتصر للمظلومين ويقتصّ من الظالمين. يذكّرنا هؤلاء بأن المبادئ الإنسانية ليست مجرّد شعارات، وبأن المسؤولية الأخلاقية تتجاوز السياسة والمصلحة الخاصة، وأن السكوت عن الجريمة يجعل من كل شاهدٍ عليها متواطئاً، مهما حاول أن يبرئ نفسه.
وصية لازاريني، وشهادة ألبانيز، وخلاصة بوريل، ليست مجرّد خطابات منمقة، أو تقارير رسمية، أو تصريحات للاستهلاك الإعلامي، بل فعل وشجاعة والتزام أخلاقي، وموقف مبدئي حتى في أحلك الظروف، وقبل ذلك هي تذكيرٌ صارخٌ بأن القيم الإنسانية لا يمكن أن تموت، وأن من يرفعون صوت الحق في زمن أصبح فيه الإبلاغ عن الحقيقة، والدفاع عن المظلوم، ومواجهة الظلم، نوعاً من الشجاعة النادرة. كلمات أمثال هؤلاء تذكّر بالإنسانية، وتجعل من الألم قوّة، ومن الغضب دعوة إلى العمل، ومن الخوف حافزاً للعدل. وفي غزّة اليوم، وبين أطلال الخراب الذي خلفته آلة الإبادة، وفي ظل صمت (وتواطؤ) الجميع، تظل مثل هذه الأصوات رموزاً للضمير الإنساني الحي، تذكّر العالم بأن العدالة ممكنة، وأن الظلم مهما طال، فهو إلى زوال.

أخبار ذات صلة.
الحرب تهدد سوق السيارات في اليمن
العربي الجديد
منذ 28 دقيقة
السعودية تنفي تفضيل إطالة الحرب
الشرق الأوسط
منذ 50 دقيقة