عربي
تضع قضية اعتقال أعضاء أسطول الصمود في تونس الخطاب الرسمي عن فلسطين أمام اختبار فعلي، لأن ما جرى لم يكن مجرّد مبادرة مدنية عادية، بل لحظة خرج فيها الفعل من مستوى الشعار إلى مستوى الممارسة، فوجدت السلطة نفسها أمام فعلٍ يحاول أن يأخذ خطابها على محمل الجد، فتعاملت معه بوصفه ملفاً جنائياً لا امتداداً طبيعيّاً لما تعلنه.
ترفع الدولة في تونس سقف خطابها عن فلسطين إلى مستوى مبدئي حادّ، وتقدّم نفسها في موقع الرفض الصارم للتطبيع والدفاع الكامل عن غزّة، وهو خطاب يكتسب قوته من إطلاقه ومن تحرّره من كلفة الفعل، لكنه يدخل في منطقة توتّر حين يظهر من يحاول أن يمنحه شكلاً عملياً، لأن الفعل لا يضيف فقط بعداً جديداً، بل يفرض مقارنة مباشرة بين ما يُقال وما يمكن تحمله في الواقع.
لم يكن أسطول الصمود في هذا المعنى مجرّد مبادرة تضامنية، بل لحظة نقل الخطاب إلى مستوى الاختبار، وهو ما جعل التعامل معه يتجاوز طبيعته المعلنة. وجاءت الإيقافات بعد حملة تحريض واضحة، قادها إعلاميون ومؤثرون قريبون من السلطة، حيث جرى تقديم المبادرة نشاطاً مشبوهاً، في مسار لم يهدف إلى النقاش، بقدر ما مهّد لتحويل الملف من سياقه السياسي إلى مسار قضائي يسمح بالتحكم فيه. ويتصل هذا المسار بما سبق أن حدث في المحاولة السابقة للأسطول، حين تعرّضت السفن الراسية في ميناء سيدي بوسعيد لاعتداء وسط حديثٍ عن مسيّرات، في واقعة تعاملت معها السلطة عبر روايات متضاربة، إذ نفت في البداية طبيعة الاعتداء، وقدّمت تفسيراً يقلّل من خطورته، قبل أن تعود وتقرّ بوجود شبهة اعتداء، وتعلن فتح تحقيق ما زال من دون نتائج معلنة، وهو ما ترك الحادثة معلقة، وأظهر حدود القدرة على التعامل مع حدثٍ يمسّ الأمن داخل المجال الوطني.
لم يتحوّل هذا الغموض إلى مسار لكشف ما جرى، بل أعاد ترتيب الأولويات، حيث انتقل الاهتمام من تفسير الاعتداء إلى التحكّم في ما قد ينتج عنه، أي في إمكانية تكرار المبادرة، وتحوّلها إلى فعل منظم. في هذه النقطة، لم يعد الأسطول مجرّد مبادرة، بل أصبح ملفاً يحمل إمكانية إحراجٍ عملي للسلطة، لأن الفعل حين يتكرّر لا يبقى حدثاً معزولاً، بل يتحوّل إلى مسار يصعُب التحكّم في نتائجه.
وجدت السلطة في تونس نفسها أمام فعلٍ يحاول أن يأخذ خطابها على محمل الجد، فتعاملت معه بوصفه ملفاً جنائياً لا امتداداً طبيعيّاً لما تعلنه
في هذا السياق، يكتسب الاتهام بتبييض الأموال وظيفة تتجاوز بعده القانوني، لأنه يسمح بنقل المبادرة من مجال الفعل السياسي إلى مجال الشبهة الجنائية، وهو ما يتيح إغلاق المسار قبل أن يتشكّل، وقطع الطريق أمام أي محاولة جديدة لتنظيم مبادرات مشابهة، عبر إعادة تعريفها منذ البداية محلّ اشتباه.
لا يتوقف معنى هذه القضية عند حدود أسطول الصمود في ذاته، بل يتجاوزها ليكشف نمطاً أوسع في تعامل السلطة مع المجتمع المدني في تونس، حيث لم يعد الاستهداف مرتبطاً بملفٍّ بعينه، أو مبادرة محدّدة، بل أصبح يشمل طيفاً واسعاً من الفاعلين الذين يشتغلون على قضايا مختلفة، من الهجرة غير النظامية إلى الملفات الحقوقية والبيئية، إذ نجد نشطاء يتزايد عددهم أنفسهم داخل السجون، أو تحت طائلة الملاحقات القضائية، في سياقٍ يعكس توجّهاً واضحاً نحو تضييق المجال الذي تتحرّك فيه الجمعيات والمبادرات المستقلة.
يُظهر هذا المسار أن ما يجري لا يتعلق فقط بإيقاف مبادرة قد تُحرج السلطة، بل بسياسة أكثر استقراراً تقوم على إعادة ضبط المجال المدني نفسه، بحيث لا يُسمح بوجود فاعلين مستقلين قادرين على إنتاج مبادراتٍ أو التأثير في ملفات حساسة خارج الإطار الذي تحدّده الدولة، وهو ما يجعل قضية أسطول الصمود حلقة ضمن سلسلة أوسع من القضايا التي تستهدف أشكالاً مختلفة من الفعل المدني، وتكشف، في مجموعها، عن انتقالٍ تدريجي من إدارة التعدّد داخل المجتمع إلى الحدّ منه وإعادة تشكيله ضمن حدود أكثر ضيقاً.

أخبار ذات صلة.
الحرب تهدد سوق السيارات في اليمن
العربي الجديد
منذ 31 دقيقة
السعودية تنفي تفضيل إطالة الحرب
الشرق الأوسط
منذ 53 دقيقة