لحظة انكشاف للنظامين الإقليمي والدولي
عربي
منذ ساعة
مشاركة
وضعت الحرب الإقليمية الجارية في الشرق الأوسط المنطقة العربية أمام مكاشفة كبرى، فما يجري لا يعدّ انفجاراً مفاجئاً، بل استحقاقاً مؤجّلاً لتاريخٍ لم يُحسم، وإرثاً سياسياً ثقيلاً لنظام إقليمي عربي مضطرب. فتاريخياً، كوّن النظام السياسي الإيراني، ذو الطبيعة الدينية المتطرّفة، نفوذاً إقليمياً بالوكالة، استفاد من هشاشة الأوضاع السياسية داخل دول المنطقة، مثل اليمن ولبنان والعراق، ومن قبل سورية، وساهم، بشكل مباشر، في تخريب السياسة في هذه الدول، وإذكاء الانقسامات والعنف الممتد فيها. وقد استطاعت إيران، عبر عقود، تكوين ترسانة عسكرية ضخمة مغلّفة بعقيدة أيدولوجية جامدة، تتجلّى حالياً في ردودها العدوانية غير المحسوبة على دول الجوار في منطقة الخليج. وفي العقود الأخيرة، استطاعت إسرائيل أن تُحرز هيمنة سياسية وعسكرية كبيرة في المنطقة العربية، عبر انفتاح كثير من دول المنطقة عليها والتطبيع معها، في وقتٍ تستمر فيه آلتها الاستعمارية والعسكرية في إحباط أي أملٍ لتحرير الأراضي العربية المحتلة، وإتمام تسوية عادلة للقضية الفلسطينية. ولم ينجح النظام الإقليمي العربي في إطار جامعة الدولة العربية في بناء تدابير إقليمية للأمن الجماعي والدفاع المشترك، من دون مغالاة في الاعتماد على الخارج، تمكّن الدول العربية من ردع أي اعتداءات محتملة، وقد أفسح هذا الفشل التاريخي المجال أمام نفوذ قوى إقليمية أخرى، مثل إسرائيل وإيران وتركيا. وقد تواكب هذا المشهد الإقليمي المضطرب مع صعود الوجه الحديدي لأميركا في عهد ترامب، حيث القرارات غير المحسوبة، وغرور القوة، وإعادة تعريف محدّدات الأمن القومي الأميركي بطرق تضع الولايات المتحدة في قطيعة مع حلفائها التقليديين داخل المعسكر الغربي نفسه. وتمرّ أوروبا بأضعف حالاتها منذ اندلاع الحرب الروسية على أوكرانيا، وانشغال الاتحاد الأوروبي مالياً وأمنياً بتأمين نفسه ودول جواره من الخطر الروسي، بالتزامن مع سلسلة من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي شكّلت أرضية خصبة لصعود اليمين الانعزالي في أوروبا، والمتماهي مع سياسة ترامب، والملتقّي معه، في إضعاف المشروع السياسي الجماعي الأوروبي. وقد كان أحد ملامح الضعف الأوروبي عدم قدرة القارّة جماعياً على بلورة موقف سياسي واضح لوقف الحرب أو منع حدوثها، بسبب الانقسامات بين الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، وميل بعضها إلى التوافق مع سياسة إدارة ترامب تجاه الحرب على إيران أو الدعم غير المحدود لإسرائيل منذ عدوانها على غزّة. يعقّد هذا السياق من مهمّة وقف فتيل الصراع الدائر في الشرق الأوسط. لقد كان الهدف المعلن للحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران هو الرهان على تغيير النظام السياسي القائم، وهو الهدف الذي، وإنْ لم تؤيده علناً دول أوروبية كثيرة، لكنها لا تعارضه أيضاً، لكن هذا الهدف أثبتت الأحداث عدم واقعيّته وصعوبة تحقّقه على المدى القصير، وأن حجم الخسائر المتوقّعة إلى حين تحقّقه سيكون باهظاً جدّاً على دول المنطقة وعلى العالم. خلال الحرب، تحوّل الهدف إلى إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية، ومنعها من التقدّم في امتلاك أسلحة نووية. ورغم أن الإدارة الأميركية تصرّح بأنها أحرزت تقدّماً في هذا الهدف، فإن أحداث الأسبوع الأخير توحي بأن إيران ما زالت لديها القدرات العسكرية لتهديد جيرانها، وتوجيه ضربات موجعة لإسرائيل، خصوصاً مع سيطرة أكثر الاتجاهات تطرّفاً على مقاليد السلطة في إيران، بعد اغتيال قادة في الصف الأول في أيام الحرب الأولى. من غير المتوقع أن تقبل النخبة السياسية في إيران بشروط ترامب الصعبة لوقف الحرب والحرب تدخل أسبوعها الرابع، يبدو أن كلا السيناريوهين، لإنهاء الحرب أو إكمالها، سيمثل خسارة سياسية للولايات المتحدة. فوقف الحرب حالياً يضمن استمرارية النظام الإيراني، وإنْ تضرّر عسكرياً، ولكن استمراريته في وجه أكثر تطرّفاً تمثل خطراً أكبر مما كان عليه الوضع قبل بداية الحملة العسكرية. وأي مفاوضاتٍ ووقفٍ للحرب سينجم عنها وضع شديد الهشاشة، وستستمر إيران في تموضعها الإقليمي، وما تمثله من خطر مستمر على أمن الخليج، حتى إن رضخت تكتيكياً لتحجيم قدراتها العسكرية أو تجميد مشروعها النووي، ولكن النخبة السياسية الحالية في إيران من غير المتوقّع أن تقبل بشروط ترامب الصعبة لوقف الحرب، وفي الوقت نفسه، دول الجوار الخليجي هي الأخرى تطالب بضمانات أمنية مستدامة صارمة، تضمن عدم تكرار العدوان الإيراني، وهو ما أكّد عليه صراحة مستشار رئيس الإمارات، أنور قرقاش، مضيفاً أن "هذا العدوان يكرّس الخطر الإيراني محوراً رئيسياً في الفكر الاستراتيجي الخليجي، ويعزّز خصوصية أمن الخليج واستقلاليته عن المفاهيم التقليدية للأمن العربي". من ناحية أخرى، استمرار الحرب، مع قدرة إيران على المقاومة والرد، ستكون له خسائره الضخمة إقليمياً، مع تعدّد الأطراف المتأثرة بهذه الحرب، وربما تمدّد المواجهات وأخذها صوراً غير متوقّعة. أفضل تقدير لإنهاء هذه الحرب يتطلب تهيئة الأرض لمفاوضات بغطاء دولي أوروبي وأميركي، ومشاركة عربية نشطة، تضمن ترتيبات الأمن الإقليمي التي تحول دون تجدّد الاعتداءات من أي طرف، وتضغط على إيران لتحجيم نفوذها وتدخلاتها الإقليمية، خصوصاً في لبنان واليمن. وتتطلب هذه المفاوضات أيضاً تعاملاً بالتوازي مع حلول عادلة للقضية الفلسطينية، وتحجيماً للتغوّل العسكري الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة. أي اتفاق هشّ لإنهاء هذه الحرب لا يعني إلا تأجيل تجدّدها، كما جرى بين الصيف الماضي وحالياً.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية