عربي
في الحديث عن المخاطر والضمانات المتعلقة بعبور سفن الشحن وناقلات الطاقة في مضيق هرمز، تبدو إدارة ترامب مرتبكة ومتخبطة في تصريحاتها. في الساعات الأخيرة، سربت مصادر عسكرية أميركية لشبكة "سي أن أن"، معلومات مفادها بأن إيران زرعت ألغاماً في مضيق هرمز، ما يعني عملياً إغلاقه، حتى لو توقفت الحرب. ورغم عدم وجود ما يؤكد ذلك، خرج الرئيس الأميركي بمنشور يحذر فيه إيران من عواقب عسكرية غير مسبوقة إذا زرعت ألغاماً في مضيق هرمز، وقال إنه لم يتلق حتى الآن تقارير تفيد بأن إيران قامت بذلك، لكنه أضاف أنه إذا كانت طهران قد فعلت ذلك بالفعل، فعليها إزالة ما وُضع.
قوام تصريحات الرئيس الأميركي والآلة الدعائية في البيت الأبيض عن حركة السفن في مضيق هرمز، تنطلق منذ بداية الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، من "فرضيات" ووعود لم تتحقق. فقبل أيام تعهد ترامب بأن ترافق البحرية الأميركية السفن عبر المضيق وبصيغة تأمين مشتركة للناقلات والسفن التجارية التي تمر في مياه المنطقة بعدما أوقفت معظم شركات التأمين وثائقها المعنية بمخاطر الحرب. كانت التصريحات تهدف إلى طمأنة أسواق الطاقة التي يخشى ترامب تداعياتها على الداخل الأميركي، وهو ما حدث، لكنها لم تعن أي إجراءات فعلية. إذ طالب ترامب شركات الشحن بأن "تبدي شجاعة" وتسيّر ناقلاتها عبر المضيق. وهو ما اعتبره رئيس شركة ميرسك، أكبر شركة عالمية للشحن البحري، أمراً غير كافٍ.
ثم تجددت التصريحات أمس عندما كتب وزير الطاقة كريس رايت، مؤكداً أن البحرية الأميركية قد رافقت إحدى الناقلات عبر المضيق بالفعل، ليخرج البيت الأبيض لاحقاً ويكذّب تصريحات رايت ويطالبه بحذفها.
حديث ترامب عن الألغام كان في هذا السياق، ليخرج بعده البنتاغون، مؤكداً تدمير 16 قارباً إيرانياً "ربما كانت تستعد لزرع الألغام في الخليج"، وهو "فرضية" أخرى لم تتحقق وربما كان يهدف ترامب والبنتاغون من ورائها إلى تشجيع السفن في حال تراجُع تهديدات المسيّرات والصواريخ الإيرانية باستئناف العبور.
حتى اللحظة، لا يبدو أن تصريحات ترامب والمواقف المتضاربة لإدارته قد تركت تأثيراً دائماً بسوق الطاقة، فواقع الحال أن ما يحدث هدوء مؤقت، تتجدد بعده المخاوف، ولا يزال قائماً في الأفق إمكانية صعود النفط إلى 150 دولاراً للبرميل إذا استمرت الحرب واستمر إغلاق المضيق، وتزايدت المخاطر على نطاق واسع. وبمرور الوقت، تبدو شركات الشحن البحري أكثر إحجاماً عن تجنب المضيق وتتخذ ملاذاً آمناً في بعض موانئ المنطقة انتظاراً لوقت تستطيع فيه العبور.
هل تقدم إيران على "تلغيم" مضيق هرمز؟
بوسع إيران القيام بذلك، لكنه إجراء لن تقدم عليه، حسب التقارير العسكرية، إلا في خيار أخير ليرتبط بصفرية المواجهة العسكرية، وهو ما عبّر عنه علي لاريجاني، مستشار المرشد الأعلى، بالقول: "إما أن يكون المضيق آمناً للجميع، وإما ألا يكون آمناً لأي أحد". فواقع الحال أن إيران تعتمد على المضيق في تجارتها من النفط والغاز، ولن تقطع شريانها بيدها في الوقت الراهن، بينما يبدو أن الحرب قد تنتهي والنظام قائم. لذلك، يرى كثير من الخبراء أن إيران قد تلجأ إلى زرع محدود للألغام أو التهديد بها بدلاً من محاولة إغلاق المضيق بالكامل عبر الألغام البحرية.
رغم ذلك، لا تحتاج عملية زرع ألغام في المضيق، من قبل إيران، إلى سلاح بحرية كبير أو سفن متخصصة، وهي التي يقول ترامب والبنتاغون إنها دُمِّرَت بالفعل، إذ تكفي عدة قوارب صغيرة أو زوارق مدنية للقيام بذلك، كذلك فإن الأمر لا يتطلب زرع كمية كبيرة من الألغام لإعاقة الملاحة، فعدد قليل منها قد يثير المخاوف بالفعل ويطلق عملية كسح كبرى تستمر لأسابيع أو شهور.
ويعتبر مضيق هرمز من أكثر الممرات المائية حساسية تجاه إمكانية "تلغيمه"، فرغم أن عرضه يراوح بين 39 و95 كيلومتراً، فإن المساحة التي تستخدمها السفن التجارية والناقلات لعبوره لا تزيد على 6 كيلومترات، ممر للدخول بعرض 3 كيلومترات، وآخر مماثل للخروج. أما عمق مياه المضيق فيراوح بين ثلاثين إلى 80 متراً.
هذه المواصفات تجعل المضيق ممراً مثالياً لزرع الألغام وفعاليتها، إذ يكفي عدد قليل منها لتعطيل سير الملاحة في الممر الذي يعتبر نقطة اختناق لتجارة النفط والغاز عالمياً، حيث يتعين على ناقلات النفط والغاز المسال الذي تنتجه السعودية والعراق والإمارات العربية المتحدة وقطر أن تعبر هذا الممر المائي الضيق للوصول إلى الأسواق العالمية، ما يجعل مضيق هرمز عنصراً أساسياً في التدفق المستقر للطاقة، إذ يمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط والغاز العالمية.
ونقلت رويترز عن مصار لم تسمها في الاستخبارات الأميركية في يوليو، تموز الماضي أن إيران، عقب قصف الجيش الأميركي مواقعها النووية في نهاية الحرب على إسرائيل، قد جهزت سفناً بالألغام، لإغراقها في أحد ممري المضيق ووقف حركة الملاحة، لكنها لم تنفذ ذلك الإجراء الذي ظل رهناً بموافقة المرشد الأعلى في ذلك الحين.
وقدّرت وكالة استخبارات الدفاع الأميركية أنه بحلول عام 2019 كانت إيران تمتلك أكثر من خمسة آلاف لغم بحري، يمكن نشرها بسرعة بمساعدة زوارق صغيرة عالية السرعة. ويتولى الأسطول الخامس الأميركي، المتمركز في البحرين، مهمة حماية حركة التجارة في المنطقة. وكانت البحرية الأميركية تحتفظ عادة بأربع سفن مخصصة لمكافحة الألغام البحرية (MCM) في البحرين، إلا أن هذه السفن تُستبدَل بنوع آخر من السفن يُعرف باسم سفن القتال الساحلي (LCS)، التي تمتلك أيضاً قدرات على مكافحة الألغام.
"حرب الناقلات"
تُذكّر الاتهامات الأميركية لإيران بالسعي لزرع ألغام في المضيق، بـ"حرب الناقلات" التي كانت مظهراً أساسياً من مظاهر الحرب العراقية الإيرانية التي استمرت لثماني سنوات 1980-1988، حين أصبحت ناقلات الطاقة في مياه المضيق هدفاً للأعمال العدائية بين الجانبين، ما أدى إلى إصابة 200 منها.
خلال تلك السنوات، زرعت قوات البلدين ألغاماً في مضيق هرمز وفي الخليج، وأطلقت صواريخ "إكزوسيت" الفرنسية و"سيلكوورم" الصينية على الناقلات العابرة. واضطرت السفن الكويتية إلى رفع العلم الأميركي، ما استدعى نشر 35 سفينة حربية أميركية لمرافقة الشحنات. ومع ذلك، استمر تدفق النفط، لكن بقدر كبير من الخسائر التي كان ضحاياها مدنيين في أحيان كثيرة.
قد تكون الإحالة إلى "حرب الناقلات" في تغطية الصراع الراهن، كافية للتذكير باستعداد إيران لاستخدام الألغام البحرية كما فعلت من قبل، وربما كان ذلك صحيحاً، لكن في رأي كثيرين، لا يزال من المبكر لطهران اللجوء إلى هذا الخيار، رغم أن التلويح به يثير مزيداً من الهلع في الأسواق، في ظل فشل الولايات المتحدة في التعامل بشكل حاسم مع مخاوف شركات الشحن والطاقة في المنطقة.

أخبار ذات صلة.
الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران
العربي الجديد
منذ 7 دقائق
الصومال: شح المياه يهدد حياة النازحين
العربي الجديد
منذ 7 دقائق