عربي
دفعت تداعيات الحرب العدوانية الأميركية الإسرائيلية على إيران وما تبعها من اعتداءات تشنّها الأخيرة على دولة قطر إلى تحويل الدراسة في مؤسسات التعليم العالي وفي المدارس إلى نظام التعليم عن بُعد، في خطوة تهدف إلى ضمان استمرار العملية التعليمية في ظلّ الظروف الاستثنائية التي تشهدها المنطقة.
وشمل قرار وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي في قطر المدارس الحكومية كما الخاصة في مختلف المراحل، مع اعتماد منصات تعليمية رقمية لإدارة الحصص والواجبات والتواصل بين المدرّسين والتلاميذ. ومنذ الأيام الأولى من تطبيق التعليم عن بُعد، راحت تتّضح ملامح هذه التجربة التعليمية التي تجمع بين إيجابيات تتعلّق بمرونة التعليم واستمراريته وبين تحديات يواجهها التلاميذ وأولياء أمورهم والمدرّسون.
وتفيد بيانات رسمية بأنّ إجمالي عدد التلاميذ في مدارس قطر الحكومية والخاصة يتجاوز 365 ألف تلميذ وتلميذة، من بينهم نحو 137 ألفاً في المدارس الحكومية و228 ألفاً في تلك الخاصة. واعتمدت المدارس القطرية عدداً من المنصات الرقمية لتنظيم التعليم عن بُعد، أبرزها عبر منصة "مايكروسوفت تيمز"، ونظام قطر للتعليم (نظام إدارة التعلّم - إل إم إس) لرفع الواجبات والأنشطة التعليمية وتقييم التلاميذ، والبوابة التعليمية الإلكترونية التابعة لوزارة التربية والتعليم والتعليم العالي في قطر التي توفّر مصادر تعليمية رقمية وجداول الحصص. وقد مكّنت هذه الأدوات المدارس من مواصلة شرح المناهج الدراسية ومتابعة أداء التلاميذ، على الرغم من عدم تسجيل حضور فعلي في المؤسسات التربوية.
خطوات بسيطة ومناسبة لتهيئة زاوية تعلم فعّالة في المنزل
شاركونا كيف هيأ أبناؤكم زاوية التعلم في المنزل عبر الوسم #أتعلم_عن_بعد#وزارة_التربية_والتعليم_والتعليم_العالي pic.twitter.com/0qeidTG1iR
— وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي (@Qatar_Edu) March 10, 2026
وكشفت وكيلة الوزارة المساعدة للشؤون التعليمية في وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي مها زايد القعقاع الرويلي، في تصريحات صحافية، أنّ نسبة حضور الكادر الأكاديمي في فصول البثّ المباشر بلغت 98%، فيما سجّل أكثر من 16 ألف مدرّس الدخول على "نظام قطر للتعليم"، بواقع يزيد على 15 ألف مدرّس مشارك في البثّ المباشر.
وفي ما يخصّ التلاميذ في المدارس الحكومية، فقد سُجّل حضور نحو 48 ألف تلميذ وتلميذة في دروس البثّ المباشر في الأيام الأولى من تطبيق التعليم عن بُعد. أمّا في مدارس قطر الخاصة، فقد سُجّلت نسبة حضور بلغت 70% في حصص التعلّم عن بُعد في الأسبوع الأول، بحسب تصريحات أدلى بها وكيل الوزارة المساعد لشؤون التعليم الخاص في وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي عمر النعمة.
وتعتمد وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي في قطر آلية متابعة يومية دقيقة لمعدّلات الحضور والتفاعل، تشمل تحليل البيانات بصورة مستمرّة، وتقييم التجربة ميدانياً أوّلاً بأوّل، وحصر التحديات، مع الإسراع في معالجتها من خلال فرق دعم متخصّصة.
عزيزي الطالب، كن حاضرًا مع زملائك في دروس البث المباشر.
التعلم لا يتوقف، فكل الظروف يمكن أن تتحول إلى فرصة لتواصل التعلّم.#وزارة_التربية_والتعليم_والتعليم_العالي pic.twitter.com/m3u90812Ha
— وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي (@Qatar_Edu) March 9, 2026
وتحدّث تربويون لـ"العربي الجديد" عن إيجابيات للتعليم عن بُعد، تمثّلت في مواصلة العملية التعليمية، الأمر الذي يساعد في الحفاظ على تقدّم التلاميذ الدراسي على الرغم الظروف الطارئة، وتعزيز استخدام التكنولوجيا في التعليم، وأوضحوا أنّ التلاميذ والمدرّسين اكتسبوا مهارات رقمية جديدة، من قبيل استخدام المنصات التعليمية في إرسال الواجبات إلكترونياً والمشاركة في الفصول الافتراضية، كما أشاروا إلى أنّ التعليم عن بُعد أتاح قدراً من المرونة في تنظيم الوقت، فلم يعد التلاميذ في حاجة إلى التنقّل اليومي إلى المدارس، الأمر الذي يوفّر وقتاً إضافياً يمكن استثماره في الدراسة أو الأنشطة الأخرى.
لكنّ التعليم عن بُعد، وسط الظروف القائمة، يأتي ليمثّل تحدياً مهنياً للمدرّسين في قطر، فإعداد الدروس الرقمية والمواد التعليمية الإلكترونية يتطلّب وقتاً وجهداً إضافيَّين مقارنة بما يلزم للشرح التقليدي في غرفة الصف. وقال مدرّس اللغة الإنكليزية في المرحلة الإعدادية حسام عبد الله لـ"العربي الجديد": "نواجه، بوصفنا مدرّسين، صعوبة للتأكد من تفاعل جميع التلاميذ خلال الحصص الافتراضية، إذ قد يسجّل التلميذ حضوره في الحصة من دون مشاركة فعلية في النقاش أو الأنشطة، بالإضافة إلى مشكلة عدم انتظام التلاميذ وحضورهم الدروس".
في الإطار نفسه، لفت عدد من التلاميذ الذين تحدثوا لـ"العربي الجديد" إلى صعوبات واجهتهم خلال العملية التعليمية عن بُعد. محمد علي واحد من هؤلاء، في المرحلة الإعدادية، وقد شكا من مشكلات في التركيز لفترات طويلة أمام الشاشات. وقال علي إنّ "التعلّم الحضوري في الصفوف الدراسية يساعد أكثر في التركيز مقارنة بالتعلّم عن بُعد من المنزل. فالتفاعل مع المدرّسين يكون أقلّ مقارنة بالوضع في الحصص الحضورية، ولا سيّما أنّ التواصل يقتصر أحياناً على الدردشة الإلكترونية أو رفع اليد الافتراضية في الحصّة".
كذلك تحدّث التلميذ سعيد خليل، في الصف الأوّل الثانوي، عن مشكلات واجهته، تمثّلت في "بطء الإنترنت وانقطاع الاتصال خلال الحصص في بعض الأوقات". من جهتها، تشرف أمّ نضال، وهي ربّة منزل فضّلت التعريف عن نفسها بلقبها هذا، على تعلّم ثلاثة من أبنائها عن بُعد، وقد اشتكت من توفير ثلاثة أجهزة لوحية لهم حتى يتابعوا دروسهم كلّ على حدة، ولا سيّما أنّهم في مراحل تعليمية مختلفة.
وفي سعي إلى تعزيز فاعلية التعليم عن بُعد، بما يتناسب مع احتياجات المرحلة، اتّخذت وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي في قطر قراراً يقضي بتعديل دوام التلاميذ في المدارس الحكومية، فيبدأ في المرحلة الابتدائية عند الساعة العاشرة صباحاً وينتهي عند الساعة 12:35 ظهراً، فيما ساعات دوام المرحلة الإعدادية والمرحلة الثانوية من الساعة 10:30 صباحاً حتى الساعة 1:15 من بعد الظهر. أما المدارس الخاصة، فتُرك لها الأمر في تكييف جداولها الدراسية بمرونة، بما يضمن استيفاء عدد ساعات الدراسة المحدّدة لهذه الفترة، على ألا تقلّ مدّة الدوام عن ثلاث ساعات ونصف ساعة ولا تتجاوز خمس ساعات يومياً.
وحرصت وزيرة التربية والتعليم والتعليم العالي القطرية لولوة بنت راشد الخاطر على حضور عدد من دروس البثّ المباشر في عدد من المدارس، بهدف متابعة سير العملية التعليمية عن بُعد، والاطمئنان إلى انتظام التلاميذ في حضور الحصص الدراسية عبر المنصات الرقمية المعتمدة. وتابعت بالتالي تفاعل التلاميذ والمدرّسين في الصفوف الرقمية، واطّلعت على سير الدروس المباشرة وآليات تقديم المحتوى التعليمي عبر المنصات الإلكترونية.
ووجّهت الوزيرة، خلال حضورها الحصص الدراسية، رسائل دعم وتشجيع للتلاميذ، مشدّدةً على أهمية الالتزام بالحضور اليومي والمشاركة الفاعلة في الحصص، لما لذلك من دور أساسي في استمرار التحصيل العلمي وتحقيق الأهداف التعليمية. كذلك شدّدت على أنّ التعليم عن بُعد يمثّل جزءاً من منظومة تعليمية مرنة قادرة على مواصلة تقديم المعرفة للتلاميذ في مختلف الظروف.
تجدر الإشارة إلى أنّ تجربة التعليم عن بُعد في قطر أظهرت قدرة النظام التعليمي على التكيّف مع الظروف الطارئة، مستفيداً من البنية الرقمية المتقدّمة والخبرة التي اكتسبها في السنوات الماضية. وعلى الرغم من التحديات التي ظهرت، خصوصاً في ما يتعلّق بالتفاعل والتركيز لدى التلاميذ، فإنّ التجربة قدّمت مؤشّرات مهمة إلى إمكانية تطوير نماذج تعليمية أكثر مرونة في المستقبل. ويبقى التحدّي الأكبر أمام المؤسسات التعليمية تحقيق التوازن بين جودة التعليم الحضوري والاستفادة من التقنيات الرقمية، بما يضمن أفضل تجربة تعليمية للتلاميذ في مختلف المراحل الدراسية.
