الصومال: شح المياه يهدد حياة النازحين
عربي
منذ ساعة
مشاركة
تواجه مئات الأسر الرعوية النازحة إلى أطراف مدينة غروي، عاصمة إقليم ولاية بونتلاند، أوضاعاً إنسانية قاسية منذ ديسمبر/كانون الأول الماضي، في ظل شح المياه وانعدام الغذاء وغياب المأوى. وقد أدى فشل مواسم الأمطار لأربع فترات متتالية إلى نفوق أعداد كبيرة من الماشية، المورد الأساسي لتلك الأسر، ما دفعها إلى النزوح بحثاً عن سبل للبقاء. كما أن أكثر من ألف أسرة صومالية لاجئة في المخيمات الكينية الواقعة على الحدود الصومالية تواجه أزمة مماثلة، إذ يضطر العديد من اللاجئين إلى قطع مسافات بعيدة لجلب لترات من المياه، ما يثقل كاهلهم ويفاقم معاناتهم المعيشية. في السياق، تقول أبشيرو محمد علمي، وهي أم لعشرة أفراد، إن أسرتها تعيش أسوأ ظروف مرت بها على الإطلاق، إذ بات الحصول على الطعام والماء والاحتياجات الأساسية معركة يومية. وتوضح أنه في بعض الأيام تتلقى الأسرة وجبات مطهية أو مواد غذائية بسيطة من أقارب أو جيران في مخيم "جللاب"، لكنها مساعدات لا تكفي لإعالة أسرة كبيرة، وأحياناً تنقطع تماماً. وتروي أبشيرو أن إحدى بناتها فقدت الوعي من شدة الجوع بعدما عجزت عن توفير ما يمسك رمقها، مضيفة: "لم نكن نعرف حياة المدن، كنا رعاة نعتمد على ماشيتنا التي قضت عليها موجات الجفاف المتتالية". وتعتمد الأسرة على نحو عشرة لترات من المياه يومياً تستجديها من سكان المخيم الذين يشترون المياه من الصهاريج بسعر يصل إلى 0.3 دولار للعبوة الصغيرة. وتصف أبشيرو المياه بأنها مالحة وصعبة الشرب، لكنها الخيار الوحيد المتاح، مشيرة إلى أن الصهاريج لا تمنح المياه لمن لا يملك المال، فيما قد يصل سعر البرميل إلى دولارين، وهو مبلغ يفوق قدرتهم. كما تعاني الأسرة انعدام المأوى اللائق، إذ تقيم في كوخ بدائي مصنوع من قطع بلاستيكية وأقمشة وعصي، لا يقي من حر الشمس ولا برد الليل. وتشير أبشيرو إلى أن زوجها بقي في منطقة "أور-كولوس" التابعة لغروي مع 11 جملاً فقط تبقت من القطيع، لكنها تبدي تشاؤمها حيال إمكانية الاستمرار هناك في ظل غياب المراعي والمياه. والأوضاع ذاتها تعيشها فاطمة حاجي محمد، التي تعيل أسرة مكونة من 13 فرداً. وتقول إنهم محرومون من أبسط الخدمات الأساسية، ما أفقدهم الأمل في تحسن قريب. وتمضي يومها متنقلة بين أحياء المدينة طلباً للمساعدة، وما تجمعه من طعام تطهوه دفعة واحدة لأسرتها. وتضيف أن شح المياه يزيد معاناتهم، إذ يعتمدون على نحو 20 لتراً يحصلون عليها من أسر أكثر استقراراً في المخيم، في حين يعجزون عن شراء المياه المرتفعة الثمن. أما المأوى، فهو كوخ هش من أخشاب وأقمشة لا يوفر حماية حقيقية، فيما يفتقرون إلى الأغطية ويخشون الحيوانات ليلاً. أما فاطمة، البالغة 56 عاماً، فتقول إنها عاشت حياتها كلها في البادية، وهذه أول مرة تضطر فيها إلى النزوح. فقدت 62 رأساً من الإبل والماعز بسبب الجفاف، ولم يتبق لديها سوى ثماني رؤوس هزيلة لا تدر لبناً ولا تصلح للبيع. وتشير إلى أن منطقتهم "ور-غدود" التابعة لمقاطعة "غودوب-جيرعان" لم تشهد أمطاراً تُذكر خلال العامين الماضيين، ما أدى إلى انهيار كامل لسبل عيشهم. وتتحمل فاطمة أعباء إضافية، إذ تعتني بوالدتها المسنة المصابة بمرض سبَّب إعاقة يدها وساقها، من دون قدرة على توفير علاج لها بسبب ضيق الحال. من جهته، أكد عبد الله محمد عبد الله، المدير التنفيذي لبلدية غروي، أن الأسر الوافدة إلى أطراف المدينة تواجه ظروفاً معيشية صعبة مع استمرار تدفق عائلات جديدة فقدت مصادر رزقها. وأوضح أن البلدية قدمت مساعدات محدودة لبعض الأسر، لكنها غير كافية في ظل تزايد الأعداد. وقال إن السلطات المحلية غير قادرة على تلبية حجم الاحتياجات المتنامية، داعياً الجهات القادرة والمنظمات الإنسانية إلى التدخل العاجل لتقديم الدعم. ويعكس هذا النزوح المتزايد هشاشة المجتمعات الرعوية أمام تقلبات المناخ، إذ تسبب موجات الجفاف المتكررة سنوياً فقدان الماشية، ما يدفع مئات الأسر إلى مغادرة أراضيها والانضمام إلى مخيمات تفتقر بدورها إلى مقومات الاستقرار، لتدخل في حلقة جديدة من انعدام الأمن الغذائي والمعيشي. وفي السياق، سبّبت أزمة حادة في مياه الشرب ناجمة عن أعطال أصابت آبار مخيم "حكرطير" للاجئين في مجمع داداب شمال شرقي كينيا إدخالَ مئات الأسر في دوامة من العطش وسوء التغذية، من بينها أسرة نمعة عيسى روبا التي لم تتمكن من إشعال موقد الطهي منذ 24 ساعة بسبب انعدام المياه. بدورها، تقول نمعة، وهي أم تعيل أبناءها وحدها، لم تعد قادرة على قطع مسافة ثلاثة كيلومترات لجلب المياه من بئر بعيدة بعد أن أنهكها الألم والإجهاد. وعلى مدى شهرين كانت تحمل يومياً نحو 20 لتراً من المياه على ظهرها، ما سبَّب لها آلاماً حادة في الظهر والرأس وأفقدها القدرة على الاستمرار. وبحسب إدارة المخيم، فإن نحو 120 ألف شخص يواجهون الأزمة ذاتها منذ ديسمبر/كانون الأول الماضي بعد تعطل عدد من الآبار الرئيسية. وتقول نِمكو إن أطفالها يعانون العطش والجوع معاً، إذ لم تعد تملك وسيلة للحصول على الماء، حتى تلك البئر المجانية القريبة من منزلها خرجت عن الخدمة. وتضيف بأسى: لديها طعام يمكن طهيه، لكن لا ماء لطهيه. "نستطيع أن نحصل على الغذاء من أقارب أو معارف، لكن من أين نأتي بالماء؟". وتشير إلى أنها جلبت في اليوم السابق عبوة مياه واحدة من أقصى سوق المخيم بعد عناء طويل. وبصفتها أماً معيلة بلا دخل ثابت، لا تستطيع نِمكو شراء المياه التي تنقلها الصهاريج إلى المخيم، إذ يقتصر شراؤها على من يملك المال ونادراً ما تُباع بالدَّين. كما فقدت مصدر رزقها البسيط في غسل الملابس بعدما اعتذر الزبائن عن الاستعانة بخدماتها بسبب شح المياه. وحتى لو بحثت عن عمل جديد، فإن معضلة توفير الماء تبقى العقبة الأكبر. وكانت أسرة نمعة قد فرّت عام 2020 من مدينة كيسمايو جنوبي الصومال بسبب انعدام الأمن، بعد أن كانت تعمل هناك في أعمال يومية بسيطة لإعالة أطفالها. والأزمة لم تستثن الفئات الأشد هشاشة، مثل كبار السن وذوي الإعاقة. ومن بينهم حسن عبد الله خميس، وهو أب لستة أفراد يعاني إعاقة في ساقه اليمنى. يقول إنه يضطر إلى السير نحو أربع ساعات يومياً لجلب أقل من 20 لتراً من المياه كل 48 ساعة من مصدر بعيد، بعد تعطل البئر التي كانت تخدم حيه. ويؤكد حسن أنه لم يشهد طوال عشرين عاماً من إقامته في المخيم وضعاً بهذا السوء، قائلاً: "نحن نعاني عطشاً شديداً. نشعل النار مرة واحدة في اليوم لإعداد وجبة للأطفال، ونمنحهم القليل من الماء لا يكاد يبقيهم على قيد الاحتمال". ويضيف أن الحصول على مياه للنظافة بات شبه مستحيل، ما يثير مخاوف من تفشي الأمراض، خصوصاً الكوليرا. كما خسر حسن عمله في قطاع البناء، إذ لم يعد قادراً على التوفيق بين البحث عن المياه والعمل، ويعتمد حالياً على الديون من متاجر كان يتعامل معها سابقاً. وكان قد لجأ إلى داداب بعد انهيار الدولة في الصومال قادماً من منطقة جمّامي المتأثرة بالنزاع، حيث كان يعمل في تشييد المنازل. وأفادت إدارة المخيم بأن أربع آبار رئيسية تعطلت خلال العام الماضي من دون أن تخضع للصيانة اللازمة، في وقت تتصاعد فيه درجات الحرارة مع دخول موسم الجفاف. وأوضح نائب رئيس مخيم إكسغردير، أبو بكر شيخ عبد الله، أن الإدارة تفتقر إلى الموارد المالية الكافية لإصلاح الأعطال نظراً إلى التكلفة المرتفعة. وقال إن ارتفاع درجات الحرارة فاقم الأزمة، إذ توقفت المضخات التي كانت تعاني أصلاً ضعف منسوب المياه، مضيفاً أن الوضع بات خطيراً، فحتى من يملك طعاماً لم يعد يجد ما يطهوه به. وتتزامن هذه الأزمة مع تراجع المساعدات الإنسانية المقدمة للاجئين في مخيمات داداب خلال الفترة الأخيرة، ما يزيد من هشاشة الأوضاع المعيشية ويعمّق المخاوف من تفاقم الكارثة الإنسانية إذا لم يتم التدخل العاجل لإصلاح مصادر المياه وضمان استدامتها. ويأتي ذلك بعد تحذير برنامج الأغذية العالمي من أن الصومال يواجه إحدى أعقد أزمات الجوع في السنوات الأخيرة نتيجة موسمين متتاليين من انقطاع هطل الأمطار، واستمرار الصراع وانعدام الأمن، والانخفاض الحاد في التمويل الإنساني. وقال روس سميث، مدير قسم التأهب والاستجابة للطوارئ في البرنامج، خلال مؤتمر صحافي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف: "أنا هنا اليوم لأطلق تحذيراً: يجب على العالم أن يلتفت إلى ملايين النساء والرجال والأطفال المستضعفين الذين يعانون في الصومال. وللأسف، فقد مررنا بهذا الوضع من قبل" وحذر من أن معظم مؤشرات الأمن الغذائي تشير إلى "وضع حرج"، مضيفاً: "تؤكد أنظمة الإنذار المبكر لدينا، التي نديرها بالتعاون مع شركائنا ونظرائنا، أننا نسير على خطى الأزمات الغذائية السابقة في الصومال".

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية