عربي
بعد نحو أسبوع على الهجوم الإسرائيلي - الأميركي على إيران، في 28 شباط/ فبراير 2026، والذي أسفر في ساعته الأولى عن اغتيال عدد من كبار قادتها السياسيين والعسكريين، اختار مجلس خبراء القيادة فيها، عبر اقتراع سرّي، مجتبى خامنئي مرشداً جديداً للجمهورية خلفاً لوالده. وهذه المرّة الثانية التي تتعرض فيها إيران لهجوم إسرائيلي - أميركي مشترك خلال أقل من عام. وجاءت المواجهة بعد إفشال تسوية كانت ممكنة في المفاوضات التي جرت في شباط/ فبراير بوساطة عُمانية. فقد رفعت واشنطن سقف شروطها للتوصل إلى "صفقة"، متضمّنة تفكيك البرنامج النووي الإيراني وفق مبدأ "صفر تخصيب"، وإخراج اليورانيوم عالي التخصيب من إيران، إضافة إلى فرض قيود على برنامج الصواريخ الباليستية ووقف دعم طهران لحلفائها. وهي شروط رأت فيها إيران محاولة لترجمة نتائج الحرب السابقة، عبر انتزاع تنازلات استراتيجية تمسّ جوهر عقيدتها الأمنية والدفاعية. وتثير المواجهات الجارية تساؤلاتٍ بشأن الكيفية التي تعتزم بها طهران إدارة صراعها مع الولايات المتحدة وإسرائيل في ضوء الضغط العسكري عليها، واحتمال العودة إلى جولة أخرى من القتال مستقبلاً في حال لم تسفر الجولة الحالية عن نتيجة واضحة، وتأثر ذلك بسقف المطالب الأميركية، ورؤية إيران لمعادلة الأمن الإقليمي وبرنامجها النووي والصاروخي.
الطريق إلى الحرب
تمثّل الجولة الحالية من الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، من الناحيتين العملياتية والسياسية، حلقة متقدمة في مسار صراع طويل انتقل خلال العامين الأخيرين من حرب بالوكالة إلى صدام مباشر، انطلقت شرارته الأولى بعد استهداف إسرائيل القنصلية الإيرانية في دمشق في الأول من نيسان/ أبريل 2024، وانفجر في صيف 2025. وكانت إيران تبنّت، بعد حربها مع العراق (1980-1988)، عقيدة دفاعية تقوم على تجنب المواجهة المباشرة مع خصوم متفوقين عليها، وتعويض ذلك بمنظومة "الدفاع المتقدم"، عبر دعم مجموعة من الحلفاء والوكلاء لردع أي استهداف مباشر لها. لكن حرب حزيران/ يونيو 2025 مثلت نقطة انعطاف؛ إذ تعرّضت إيران لأول هجوم عسكري مباشر شنته إسرائيل أصاب أهدافًا متصلة ببرنامج إيران النووي، وبرنامجها الصاروخي ودفاعاتها الجوية، كما أسفر عن اغتيال قيادات عسكرية وأمنية بارزة وعلماء نوويين. ردّت إيران باستهداف إسرائيل بموجاتٍ من الصواريخ الباليستية والمسيّرات. وقد انتهت الحرب بعد 12 يوماً بهدنة فرضتها الولايات المتحدة، بعد أن تدخّلت في يومها الأخير لضرب البرنامج النووي الإيراني، وألحقت به أضرارًا كبيرة.
عقب انتهاء الحرب، سعت الولايات المتحدة إلى زيادة الضغط على إيران لتحويل مكاسبها العسكرية إلى اتفاق سياسي، توافق بموجبه على التخلي الكامل عن حق تخصيب اليورانيوم، وتسليم أكثر من 400 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، إضافة إلى فرض قيود على مديات الصواريخ الإيرانية، ووقف دعم طهران حلفاءها الإقليميين، في مقابل رفع تدريجي للعقوبات الاقتصادية المفروضة عليها من الولايات المتحدة والمتعلقة ببرنامجها النووي4 (لم تتطرّق المفاوضات إلى العقوبات الأخرى). وتولي واشنطن مخزونات إيران من اليورانيوم عالي التخصيب أهميةً كبيرة، استنادًا إلى معطيات الوكالة الدولية للطاقة الذرية في تقرير مجلس المحافظين (GOV/2025/24)، والتي قدرت (حتى أيار/ مايو 2025) إجمالي مخزون إيران من اليورانيوم المخصب بنحو 9247.6 كيلوغراماً. ويشمل هذا المخزون نحو408.6 كيلوغرامات من اليورانيوم المخصب بنسبة تصل إلى 60%، وقد لاحظ التقرير وجود صعوبات في التحقق الدقيق من بعض الأنشطة النووية الإيرانية؛ نتيجة القيود المفروضة على إجراءات الرقابة والتفتيش.
حلقة متقدمة في مسار صراع طويل انتقل خلال العامين الأخيرين من حرب بالوكالة إلى صدام مباشر
في الوقت الذي كانت فيه الولايات المتحدة تحاول زيادة ضغوطها لإعادة طهران إلى طاولة المفاوضات وانتزاع التنازلات التي تبغيها منها، واجهت إيران ضغوطاً داخلية شديدة مع اندلاع موجة واسعة من الاحتجاجات بين كانون الأول/ ديسمبر 2025 ومنتصف كانون الثاني/ يناير 2026، كانت الأكبر منذ عام 2022. انطلقت الاحتجاجات على خلفية تدهور الوضع الاقتصادي بسبب انهيار العملة، ولم تلبث أن رفعت مطالب سياسية، ردّت عليها الحكومة بالقمع وحجب المعلومات بقطع شبكة الإنترنت؛ وهو ما أعطى واشنطن أدواتٍ جديدة للضغط على طهران التي وجدت نفسها محاصرة بين ضغوط الخارج والداخل.
في هذه الظروف، سعت عُمان وقطر وتركيا إلى إعادة فتح مسار دبلوماسي يمنع الحرب. وفي النهاية، قادت عُمان هذا المسار الذي انتهى بالفشل، وصولاً إلى لحظة اندلاع الحرب، حيث مثّل التفاوض غطاء لاستكمال الاستعدادات للحرب وأداة لتضليل طهران عن توقيتها.
حسابات طهران عند اندلاع الحرب
اتخذت الضربة الافتتاحية للحرب طابع "قطع الرأس" عبر قتل المرشد الأعلى، علي خامنئي، وعدد من كبار القادة السياسيين والعسكريين. ويشير هذا النمط من الاستهداف إلى أن الهدف السياسي للعملية لم يكن إلحاق خسائر عسكرية بإيران فحسب، بل توجيه ضربة مباشرة إلى مركز اتخاذ القرار في النظام؛ بما يؤدّي إلى شلّ قدرته على الحركة، ودفعه إلى الاستسلام تحت وقع الصدمة. في هذا السياق، برزت أمام القيادة الإيرانية ثلاث أولويات متداخلة؛ تتمثّل الأولى في ضمان استمرارية مؤسسات الدولة، والحفاظ على صورة القيادة، عقب فقدان رأس الهرم السياسي فيها. وبدا كأن القيادة في إيران تتحرك بموجب سيناريو معدّ سلفًا لمواجهة مثل هذه الحالة؛ فقد سارعت إلى تعيين مجلس قيادة مؤقت وفق المادة 111 من الدستور ضمّ رئيسَي السلطتين التنفيذية والقضائية وأحد أعضاء مجلس صيانة الدستور؛ منعاً لأي فراغ في القيادة وضماناً لسير عمل مؤسّسات الدولة. وتمثّلت الأولوية الثانية في رد فعل عسكري سريع ومتعدّد الجبهات، يهدف إلى منع تحويل التفوق العسكري الأوّلي للخصم إلى نتيجة سياسية حاسمة؛ أي الحيلولة دون فرض حالة "الحسم" من الضربة الأولى. أمّا الأولوية الثالثة، فقد ركّزت على إدارة مسار التصعيد؛ بحيث يؤدّي الرد الإيراني إلى رفع تكلفة المواجهة على الخصوم، من دون الانزلاق إلى حربٍ إقليميةٍ واسعةٍ قد تستدعي اصطفافاً دوليّاً ضد طهران.
وتفسر هذه المعادلة طبيعة الرسائل الإيرانية المزدوجة في الأيام الأولى من الحرب. فمن جهة، ظهر خطاب رسمي يؤكّد الحرص على عدم توسيع نطاق الصراع، ويتضمّن تطمينات لدول الجوار بأن إيران لن تستهدفها ما لم تُستخدم أراضيها أو أجواؤها لشنّ هجمات ضدها. ومن جهة أخرى، ركّزت التصريحات والبيانات العملياتية الإيرانية على أن ردّها يتركز على مصادر الهجمات عليها وعلى مواقع انتشار القوات الأميركية ومصالحها في المنطقة، مع اتهام إسرائيل بمحاولة دفع المنطقة نحو تصعيد إقليمي أوسع.
ستتحدد مآلات الصراع وفقًا لقدرة هذه الأطراف على ضبط التصعيد، وحجم التكلفة الاقتصادية والعسكرية والسياسية للحرب على كل منها، وفاعلية الوساطات الدبلوماسية لوقفها
وتفيد المعطيات بأن طهران سعت إلى توسيع نطاق المواجهة، عبر نقلها تدريجيّاً إلى ثلاث ساحات رئيسة تتفاوت في مستوى التكلفة والتصعيد؛ تبدأ بالساحة المرتبطة بإسرائيل والقواعد الأميركية، ثم تمتد إلى دول الخليج العربية وبناها التحتية الحيوية، وصولاً إلى مجال الممرّات المائية وطرق نقل الطاقة في مضيق هرمز. ويعكس هذا التدرّج محاولة إيرانية لرفع تكلفة الحرب على الخصوم وتوسيع نطاقها الجغرافي والسياسي، من دون الوصول إلى عتبة التصعيد المنفلت.
تتصل الساحة الأولى بمحاولة إثبات القدرة على الرد أمام الداخل والخارج معاً. وفي هذا الإطار، جاء الرد الإيراني عبر إطلاق صواريخ باليستية وطائرات مسيّرة استهدفت مواقع داخل إسرائيل وقواعد عسكرية أميركية. ويُفهم هذا النمط من الاستهداف محاولةً لإظهار أن الضربة الافتتاحية للحرب لم تفشل فقط في شلّ قدرة إيران على الحركة، ودفعها إلى الاستسلام، بل أيضاً بيان أن تكلفة هذه الضربة ستكون مرتفعة على الخصم، وأن إيران لن تقبل بحربٍ حاسمة وسريعة، فضلاً عن إثبات القدرة على فتح عدة جبهات في الآن نفسه، بما يرفع تكلفة المواجهة على الولايات المتحدة وحلفائها الإقليميين.
وتمثّلت الساحة الثانية في استهداف منشآت ذات طابع اقتصادي حيوي في دول الخليج العربية، كما أصابت الاعتداءات أهدافاً مدنية وخدمية، بغرض رفع تكلفة الحرب على هذه الدول، ودفعها إلى الضغط على واشنطن لوقف الحرب، وفق منطق لا أحد في المنطقة يجب أن ينعم بالأمن ما دامت إيران لا تنعم به. في هذا الإطار، تبدو الاعتداءات التي لحقت دول الخليج قابلة للتفسير ضمن منطقَين سياسيَين متداخلَين؛ الأول، توجيه رسالة ردع إلى دول الجوار مفادها بأن استخدام أراضيها أو قواعدها العسكرية منصة لعمليات عسكرية ضد إيران لن يكون بلا تكلفة. والثاني، توسيع دائرة المتضررين اقتصاديّاً من الحرب، بما يخلق ضغوطاً سياسية واقتصادية على واشنطن لتخفيض سقف مطالبها السياسية.
تواجه القيادة الإيرانية الجديدة تحديات كبرى متعلقة بمقومات الصمود ومواصلة القتال
وتتعلق الساحة الثالثة بأمن الملاحة وتصدير الطاقة، ولا سيما في مضيق هرمز الذي يُعدّ أحد أهم الممرات الحيوية لنقل الطاقة عالميًا. فعلى المستوى الرسمي، حرصت طهران على نفي إغلاق المضيق؛ إذ أكد نائب وزير الخارجية، سعيد خطيب زاده، أن بلاده لم تقدم على هذه الخطوة وأنها تتصرف بوصفها "قوة مسؤولة"، مشيراً إلى أنها ستعلن ذلك صراحة إذا قرّرت اتخاذ مثل هذا الإجراء. غير أن الوقائع الميدانية تفيد بأن عدم الإغلاق القانوني للمضيق لا يمنع تعطيله فعليّاً، نتيجة المخاطر الأمنية والهجمات المحتملة، خصوصاً مع امتناع شركات التأمين عن تأمين السفن المارة في المضيق، أو رفع تكلفة التأمين إلى الحد الذي يفوق قدرة شركات النفط على توفيره. فقد جرى استهداف ناقلة نفط في أثناء محاولة عبور المضيق، وبقاء ما لا يقل عن 150 ناقلة نفط وغاز خارجه استنادًا إلى بيانات تتبع السفن. في مثل هذه الظروف، تتحول أدوات الضغط الاقتصادي المرتبطة بالطاقة والنقل البحري إلى عامل إضافي يدعم الأدوات العسكرية التقليدية؛ لأن ارتفاع مبالغ التأمين وتكاليف الشحن واحتمالات نقص الإمدادات كلها عوامل تؤدي إلى تأثير مباشر في الأسواق العالمية للطاقة. وقد انعكس ذلك سريعًا في ارتفاع أسعار النفط التي بلغت 120 دولاراً للبرميل في 9 آذار/ مارس، قبل أن تنخفض إلى نحو 90 دولاراً، وسط مخاوف من تداعيات تضخمية على الاقتصاد العالمي. ومع ذلك، لا يعني هذا أن إيران تملك هامش تصعيد مفتوحًا بلا سقف. فاستهداف منشآت مدنية حساسة، مثل مرافق تحلية المياه في البحرين، يرفع من احتمالات انتقال الصراع إلى مرحلة استهداف "بنى الحياة اليومية"، وهو ما قد يدفع دول المنطقة إلى اتخاذ خيارات أكثر حدة ويزيد خطر انزلاق المواجهة نحو حرب إقليمية أوسع. لذلك يمكن قراءة السلوك الإيراني في هذه المرحلة بوصفه "سلّم ضغط" قابلًا للرفع أو الخفض تبعًا لمسار الحرب والتفاعلات السياسية، أكثر منه استراتيجية قائمة على التصعيد غير المحدود أو التدمير الشامل.
الخيارات المتاحة أمام إيران
لا شك في أن إيران هي الطرف المعني بوقف الحرب، ولكن لا مؤشّرات تدلّ على استعدادها للخضوع والاستسلام أمام الضغوط الأميركية - الإسرائيلية. ولذلك، الطريق الوحيد استعادة مسار سياسي مع النظام القائم في إيران، وإلى أن تستنتج الولايات المتحدة ذلك، تواجه القيادة الإيرانية الجديدة تحديات كبرى متعلقة بمقومات الصمود ومواصلة القتال.
ومع استمرار العمليات العسكرية ضد إيران وردودها عليها، يبقى مسار المواجهة مفتوحاً على عدة احتمالات، في ظل صعوبة التحقق الدقيق من التطورات الميدانية داخلها؛ ما يجعل تقدير الاتجاهات قائماً أساساً على تحليل السلوك العسكري والسياسي للأطراف المعنية. ويمكن إجمال السيناريوهات المحتملة في أربعة مسارات رئيسة: يتمثّل الأول في استمرار حرب الاستنزاف المتبادل ضمن سقف مرتفع، لكنه مضبوط، مع تذبذب مستوى الاعتداءات على دول الخليج وبقاء مضيق هرمز في حالة تعطيل فعلي من دون إعلان إغلاقه رسميّاً؛ وهو خيار يتيح لإيران استخدام المضيق أداة ضغط مع تجنب تكلفة إغلاقه الكامل، خصوصاً مع استمرار الوساطات التي تقودها عُمان والدعوات الدولية للعودة إلى التفاوض التي يمكن أن تثمر بعد أن توصلت الولايات المتحدة إلى استنتاج مفاده تعذّر إسقاط النظام بالقصف من الجو. ويتمثل السيناريو الثاني في اتساع الحرب إقليميّاً إذا تحولت الاعتداءات التي تستهدف البنية التحتية للطاقة والمياه والموانئ في الخليج إلى نمط منهجي، أو إذا انخرطت دول الخليج مباشرة في عمليات مضادة؛ وهو ما يعكسه بيان دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية الذي لوّح بحق الرد على الاعتداءات الإيرانية والقلق المتزايد بشأن أمن الطاقة والملاحة. وهذا مسار مستبعد حالياً. ويتمثّل السيناريو الثالث في تهدئة هشة أو وقف إطلاق نار من دون تسوية سياسية مستقرّة، تفرضها التكلفة الاقتصادية للحرب، مثل ارتفاع أسعار النفط وتعطّل الشحن أكثر مما يفرضها اتفاق سياسي حقيقي؛ وهو ما قد يعيد طرح المسار التفاوضي بدعم من الأمم المتحدة. أمّا السيناريو الرابع، فيرتبط بتزايد الضغوط على مركز القرار في إيران؛ بحيث تتسع التباينات بين النخب السياسية والعسكرية بشأن سبل التعامل مع الأزمة، كما أوضحت تصريحات الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، بشأن الاعتداءات على دول الخليج وردّ المؤسّسة العسكرية عليها. وفي المحصلة، ستتحدد مآلات الصراع وفقاً لقدرة هذه الأطراف على ضبط التصعيد، وحجم التكلفة الاقتصادية والعسكرية والسياسية للحرب على كل منها، وفاعلية الوساطات الدبلوماسية لوقفها.

أخبار ذات صلة.
الحرب على إيران اقتصادية بامتياز
العربي الجديد
منذ 9 دقائق