مولانا والهندسة الروحية
عربي
منذ ساعة
مشاركة
شخصيًا لا أتابع المسلسلات الرمضانية ولكن لفتت انتباهي الضجة المثارة حول مسلسل "مولانا"، فتابعت بضع حلقات وأسرني أداء الفنان فارس الحلو. وبعيدًا عن الدراما أعادتني الفكرة إلى نصّ كنت أعمل عليه قبل عدّة أشهر، أثاره في رأسي مولد السيد البدوي آنذاك. ففي تاريخ المجتمعات، تتكرّر ظاهرة تقديس البشر ذاتها بوجوه مختلفة، وتتحوّل الشخصيات، مهما كان أصلها، إلى رموز مُقدّسة تُنسج حولها الأساطير، وتُرفع إلى مصاف الأولياء والقديسين، حتى تغدو أدوات فعّالة في صياغة الوعي الجمعي وتوجيهه. فليس كلّ وليٍّ وُلد من روح التقوى، ولا كلّ قدّيسٍ كان تجسيدًا للزهد والخلاص، بل كثير منهم صُنِع في أروقة السلطة أو حيك مجده في دوائر المشيخة والطرق، ليتحوّل من إنسان إلى أداةٍ رمزية توظَّف لتسكين الأسئلة، وضبط الجموع، وتطويع الضمائر. إنّ ما يمكننا تسميتها ظاهرة الهندسة الروحية للمُجتمعات ليست وليدة خيال المؤرخين المُعاصرين، بل تمتدّ في عمق التاريخ، حيث أدركت السلطات السياسية والدينية على حدٍّ سواء، أنّ الجموع لا تُقاد دائمًا بالسيف، بل في أغلب الأحيان بالعقيدة المؤدلجة التي تُقدِّم الخضوع في ثوب الإيمان، وتمنح الطاعة معنى الخلاص. من هنا جاء توالد الأولياء والقديسين والعارفين الذين جرى إعلاؤهم فوق النقد والعقل، ليصبحوا حواجز رمزية بين الإنسان وربّه، ومعابر آمنة تمرّ عبرها السلطة إلى قلوب الناس. وتحوّلت الكرامات إلى أداة سياسية، والمولد إلى موسم ولاء، والمقام إلى منبرٍ لتجديد البيعة باسم الدين. وفي التجربة المصرية مثلاً، كما في تجاربٍ أخرى، تشكّل حول شخصيات كالسيد البدوي، أو غيره من الرموز الصوفية، نسيجٌ كثيف من الحكايات والمرويات التي طمست ملامح التاريخ الحقيقي. فالبدوي، سواء كان رجلًا صالحًا أو متصوّفًا ناسكًا، أصبح في المخيال الشعبي رمزًا عابرًا للزمن، تُنسب إليه المعجزات وتُقام له الموالد، ويُحجّ إلى مقامه كما لو أنّه يُحجّ إلى البيت. لكن حين نقرأ المسار بعينٍ نقدية، نجد أنّ ما تراكم حوله من سرديات لم يكن بريئًا ولا عفويًا؛ بل نتاج قرون من التدوير والتوظيف، لربما شاركت فيه السلطة السياسية التي وجدت في هذه الرموز صمّام أمانٍ اجتماعيًّا، والمؤسسة الدينية التي باركت "الدروشة المنظّمة" تحت مسمّى الزهد، وهنا لربما أصبح الدين طقوسًا بلا روح، وإيمانًا منزوع الوعي. ليس كلّ وليٍّ وُلد من روح التقوى، ولا كلّ قدّيسٍ كان تجسيدًا للزهد والخلاص ولأنّ الإنسان بطبعه يبحث عن وسائط تملأ فراغ خوفه الوجودي، فإنّ الأنظمة التي أدركت هذه الحاجة سخّرتها بدهاء. فخلقت الوليّ حين احتاجت طاعة، والقديس حين أرادت تبرير الألم، والعفريت الأزرق حين أرادت ترهيب المخالفين. وتحوّلت هذه الرموز عبر الزمن إلى أدوات ترويض نفسي، تربط بين الخرافة والامتثال، وتمنح للجمود قداسة. وحين تلتبس العقيدة بالأسطورة، يُفسد الإيمان نفسه، فيغدو الدين الذي وُجد لتحرير الإنسان من عبودية البشر وسيلة جديدة للعبودية ذاتها. ليس في هذا إنكارٌ للبعد الروحي أو للقداسة في معناها الأصيل، بل محاولة لاستعادة الدين من أيدي من احتكروه وسوّقوه مُنتجاً اجتماعياً ترفيهياً ومُخدّراً للجموع. فالإيمان الحرّ لا يحتاج إلى وسطاء يصيغون له قدّيسيه، ولا إلى طقوس تُعيد إنتاج الخضوع باسم الحب الإلهي. وما أحوجنا، في زمنٍ تتكاثر فيه الأصنام الفكرية والروحية، إلى أن نسأل السؤال الذي أُريد لنا نسيانه: من يصنع أولياءنا وقديسينا؟ ومن المستفيد من استمرار هذا التنويم الجمعي؟ لا يحتاج الإيمان الحرّ إلى وسطاء يصيغون له قدّيسيه، ولا إلى طقوس تُعيد إنتاج الخضوع باسم الحب الإلهي إنّ كثيرًا من الشخصيات التي تُعبد رمزيًا اليوم، سواء باسم الولاية أو القداسة أو الخوارق أو نجوم الدعوة على وسائل التواصل الاجتماعي، ليست سوى مرايا صقيلة تعكس مكر التاريخ، إذ جرى تشكيلها بالتدريج عبر الحكاية والوعظ والرعاية الرسمية حتى أصبحت حقيقة لا يُسمح بتفكيكها. وهكذا، تمكّن التاريخ من خداع الوعي، فاستَبدل بالعقيدة الحيّة منظومة أسطورية تُنتج الولاء وتكبح العقل، لتستمر دائرة التدجين جيلاً بعد جيل. وحتى لو تصارعت السلطة و"مولانا" في المسلسل ولم يتفقوا على قيادة الجماهير، فما زالت أهداف التدجين واحدة. وفي الحياة الواقعية لربما آن الأوان أن نفكّ هذا التزاوج بين السلطة والقداسة، بين المعبد والقصر، وأن نعيد للعقيدة جوهرها الأوّل الساعي لتحرير الإنسان من الخوف، لا تكريسه. فالأمم لا تنهض حين يكثر أولياؤها حتى لو كانوا بجاذبية زابر "سليم العادل"، بل حين تستيقظ ضمائر وهمم أبنائها وبناتها من سبات الدروشة الطويل.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية