إسرائيل وذروة القوة
عربي
منذ أسبوع
مشاركة
تثير الحرب الإسرائيلية الأميركية على إيران تساؤلاً غير جديد عن القوة التي بلغتها إسرائيل: هل هي حالياً في ذروة قوتها العسكرية، وفي أوج تمدُّدها؟ هل ثمّة نقلة نوعية تعيد تموضعها في منطقة الشرق الأوسط؟ القفزة التي جسَّدتها هذه الحرب الدائرة ربما ترجِّح الإجابة بالإيجاب؛ إذ الفرق واضح في تحقيق الأهداف، بالمقارنة بين طرفي الحرب. فدولة الاحتلال قاربت الدولة الأولى، أميركا، في تقنية الصدمة، حين نجحت في تصفية كبار القادة في الجمهورية الإسلامية، ومنهم المرشد الأعلى علي خامنئي، بالضربة الأولى التي أرادتها أن تُفقد طهران توازنها، وتهيِّئ لسقوط النظام، بالتوازي مع حدث صادم سابق حين نجحت في تصفية الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله، ونالت من قوة الحزب المعنوية وكوادره وعناصره في عملية تفجير أجهزة "البيجر". ولم تتوقف دولة الاحتلال بعد تنحية المرشد الأعلى، بل تابعت قصفها المكثَّف في امتداد الأرض الإيرانية الشاسعة، متخيِّرة أهدافها بما يخدم إضعاف النظام وقبضته، باستهداف مراكز الأمن الداخلي. هذه الحرب حدث عظيم بحدّ ذاته، والأعظم أن تكون مفتتح مشهد مختلف للمنطقة بأسرها. والصورة متذبذبة والمقرَّر غير واضح، وقد يكون غير محسوم: هل تستمرّ المجاراة الأميركية مع إسرائيل بقيادتها اليمينية المتطرِّفة؟ أم تتوقّف عند إيران؟ أم تفترق عنها حتى قبل إكمال ما تريده في إيران؟ أسئلة كبرى. لكن اللافت، أولاً، أن بنيامين نتنياهو أحسن استغلال الظرف في إقناع الإدارة الأميركية الحالية بالسماح لإسرائيل بأن تكون شريكاً فعلياً لأميركا خارج نطاق فلسطين، وفي قلب المنطقة وفي أشدِّها حساسية، وهي منطقة الخليج. وكان الجسر الذي توسّلته إلى ذلك هو الأمن وتدارُك مشروع إيران النووي، وهو هدف سابق على عملية طوفان الأقصى. وطالما حاول نتنياهو إقناع إدارات أميركية بهذه الحرب على إيران، إلا أنّها ظلّت تصرُّ على الرفض. وكانت ترقية الوجود الإسرائيلي في المنطقة بدأت قبل هذه الإدارة، لصالح دمجها في المنطقة، حين أعلنت وزارة الدفاع الأميركية مطلع عام 2025 إجراء تغيير على هيكلة القيادة العسكرية الوسطى ("سنتكوم") ضمت بموجبه إسرائيل إلى مجال عمل هذه القيادة. وجاء في بيان البنتاغون أن الخطوة اتخذت لخفض المخاطر وحماية المصالح الأميركية. وفي سبتمبر/ أيلول من العام نفسه، وفي زيارة لقائد تلك القيادة الأدميرال براد كوبر إسرائيل، أوضح بيان الجيش الإسرائيلي أن "الزيارة ركّزت على التعاون العملياتي بين الجيش الإسرائيلي والجيش الأميركي، والحفاظ على الاستقرار الإقليمي في الساحات القريبة والبعيدة، وتعزيز الجهود المشتركة لمواجهة التحدّيات والتهديدات في المنطقة". فلعلّ هذا هو المنعطف الذي سمح لإسرائيل بتظهير قوّتها، وتمدّد تأثيرها وانخراطها في المنطقة، وليس ذلك عائداً، بالدرجة الأولى، إلى قوتها العسكرية المتّفق على أنها نوعية بالقياس إلى معظم دول المنطقة. وهذه القوة العسكرية النوعية، والظاهرة في سلاح الجو وفي القدرات الاستخبارية، لم تبلغها دولة الاحتلال بذاتها، كما هو معروف، بل بدعم ورعاية وتعاون أميركي مُعلن. تفاقم حالة الخلخلة العربية، وتعاظم التناقضات بين مكوِّنات البلد الواحد، وتراجُع الثوابت التي يمكن التقاطُع عليها وكانت الولايات المتحدة فيما سبق تضع حدوداً أمام طموحات إسرائيل نحو مزيد من المشاركة المباشرة في صراعات شهدتها منطقة الشرق الأوسط، كما نتذكّر الموقف الأميركي إبّان حرب الخليج الثانية 1991، حين طلبت الولايات المتحدة بحزم من إسرائيل أن تبقى في الظلّ، وتلزم الهدوء، وتمتنع عن أيّ خطوات أو تصريحات من شأنها أن تشوّش على الاستراتيجية الأميركية العامة لمعالجة الأزمة، أو تُفسَّر بأنها تدخُّل في المواجهة ضدّ العراق. وأدركت إدارة الرئيس الأميركي جورج بوش الأب حينها أن من شأن أيّ مشاركة أو أيّ تدخُّل إسرائيلي بارز في المواجهة مع العراق أن يحرج حلفاءها العرب أمام شعوبهم، وقد يشوِّش على إدارة الولايات المتحدة للأزمة سياسياً وعسكرياً. وأمّا إدارة الرئيس الحالي دونالد ترامب فهي مختلفة، كما أن الظروف العربية تغيَّرت، وصورة إيران ليست واحدة في نظر شعوب المنطقة والعرب. هذا الرئيس الأميركي، وإن كان أعلن أنه لا يحبِّذ الحروب نهجاً في السياسة الخارجية، إلا أنه متقلِّب وواقع تحت هاجس القوة وإظهار عظمة أميركا وفق تصوُّره. ويهمُّه إحراز نتائج ملموسة وتحقيق مكاسب اقتصادية سريعة، ولو بضربات عسكرية خاطفة، ليرفع شعبيته ويعزِّز فرص حزبه في انتخابات التجديد النصفي المقرَّرة في نوفمبر/ تشرين الثاني من العام الجاري، وفق مؤشِّرات ترجِّح أن الحزب الجمهوري يواجه خطراً حقيقياً بفقدان سيطرته الضئيلة على الكونغرس، وخاصّةً مجلس النواب. وهذا التشكيل الحزبي له تأثير في صلاحيات الرئيس الأميركي. فربما تأمّل ترامب في نتائج تشبه ما حصَّله في فنزويلا. هذا فضلاً عن اتّساق هذه التحرُّكات الأميركية في مناطق عديدة من العالم مع الهدف الاستراتيجي الكبير، وهو حرمان الصين من أكبر قدر ممكن من الحلفاء، وإضعاف نفوذها في بلدان لها معها علاقات اقتصادية حيوية وواسعة. وفي إيران، تقاطعت الأهداف الأميركية مع الأهداف الإسرائيلية، مع أنّ الدوافع الأميركية لم تكن ملحِّة كما تلك الدوافع التي يظهرها نتنياهو وغيره، حتى من قادة المعارضة في دولة الاحتلال، بمنع إيران من الوصول إلى القدرات النووية العسكرية. بالإضافة إلى استهداف "رأس الأفعى"، وفق تصورهم، لدور إيران في دعم حركات فلسطينية مقاومة. فالجديد ليس قوة إسرائيل العسكرية، بقدر ما هو اعتمادها أميركياً لاعباً إقليمياً يُشهِر أداة القوة في فرض رؤيته وفي تحقيق أهدافه. والجديد تفاقم حالة الخلخلة العربية، وتعاظم التناقضات بين مكوِّنات البلد الواحد، وتراجُع الثوابت التي يمكن التقاطُع عليها. حتى بلغ الأمر أن صارت إسرائيل، وهي في أبشع حالاتها، محلَّ نقاش وقبول في أوساط عربية؛ أن تدخل المنطقة العربية من أوسع أبوابها، وأن تشترك في تحقيق الأمن والحرية في المنطقة، فيما رئيس حكومتها يعلن مساعي لتشكيل ما وصفه بـ"تحالف" إقليمي في مواجهة ما اعتبره "محاور سُنِّية وشيعية"، فمَن يستبقي؟ الجديد ليس قوة إسرائيل العسكرية، بقدر ما هو اعتمادها أميركياً لاعباً إقليمياً ... يندرج هذا كلّه ضمن ما سمَّاه تغيير وجه المنطقة، ويتسق مع طموحات إسرائيل الدينية التوسُّعية. ولعلّ هذه الطموحات المبالغ فيها لا تفي بها دولة بحجم إسرائيل، وبما تستثيره من رفض باقٍ لا يمكن تجاهله في شعوب المنطقة؛ ولذلك لا بدّ لها من أن تعمل تحت الغطاء الأميركي وبالشراكة مع واشنطن. وكانت سورية، بعد سقوط الأسد وتسلُّم أحمد الشرع السلطة، وسيلة إيضاح تعكس التباينات بين ما تطمح إليه إسرائيل وما تحرص عليه أميركا: حاولت الأولى اختراق الساحة السورية من خلال دعم قيادات درزية انفصالية مثلاً وتهديد دمشق، لكنّها لم تجد دعماً أميركياً كافياً، مقابل احتفاء ترامب المُعلن بالرئيس أحمد الشرع. ويجب أن نفترض فرقاً بين المنطلقات الأميركية وطموحات إسرائيل. إذ لا تزال إدارة ترامب على صلة (وتنسيق أحياناً) مع قيادات المنطقة، كالقيادة التركية وقيادات عربية مؤثّرة؛ فهي، قبل أن تخلق فراغاً، تحرص على إعداد ما يملؤه. فيما نتنياهو أقلُّ مراعاةً لانعكاسات حروبه ومطامعه على منسوب الاستقرار في المنطقة، مطمئنّاً إلى فارق القوة المادية، ومفضِّلاً تشكيل كيانات موالية. وإلى دوائر صنع القرار في واشنطن تتجه الأنظار، وإلى ما تفرزه المخاطر وما تؤول إليه، نحو إعادة تشكيل حظوظ الفاعلين السياسيين هناك بين فريقَين أصبحا أكثر اتضاحاً: أحدهما يرفض التماهي مع قيادة إسرائيل الحالية، والآخر يتقاطع معها في منطلقاتها التوراتية، كما كان من السفير الأميركي مايك هاكابي.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية