أيسلندا الآمنة.. جرائم منخفضة وشرطة بلا أسلحة
عربي
منذ ساعة
مشاركة
تُعد أيسلندا واحدة من أكثر الدول أماناً واستقراراً في العالم، بحسب ما تكشف تقارير عن مؤشرات مستويات الجرائم والعنف. وصنّف مؤشر السلامة العالمي الخاص بعام 2025 أيسلندا في المركز الأول عالمياً بـ95 نقطة في ظل انخفاض معدلات الجريمة فيها وتمتعها باستقرار سياسي وسلامة أمنية مناسبة. ومن أبرز سمات النظام الأمني في أيسلندا عدم حمل رجال الشرطة الذين يُطلق عليهم اسم "حراس القانون" مسدسات وأسلحة في مهماتهم، ما يعكس الثقة العالية بينهم وبين أفراد المجتمع، ومن ثم التماسك المجتمعي الذي يلعب دوراً فعّالاً في الوقاية من العنف قبل بلوغ مرحلة معالجة تأثيراته السلبية الكبيرة. ومن النادر جداً مشاهدة دوريات أو عناصر أمنية في شوارع أيسلندا، حتى في العاصمة ريكيافيك التي تعج بالسياح. وتعتبر معدلات الجرائم منخفضة جداً في أيسلندا مقارنة بدول إسكندنافية أخرى، وبلغت نحو 1.06 حالة قتل لكل 100.000 نسمة عام 2022 اعتبرت من بين الأدنى في المنطقة. وعام 2024 حدد موقع "نومبيو" بـ25.4 مؤشر الجريمة في أيسلندا، والذي يستند إلى معايير تقييم خاصة، مقابل 26.3 في الدنمارك و32.6 في النرويج و48.4 في السويد. وتشير بيانات إلى أن عدد جرائم القتل في أيسلندا صغير جداً، واقتصر على أربع عام 2022، ما يُظهر الوتيرة المنخفضة جداً لعنف القتل في هذا البلد مقارنة بدول مجاورة. ورغم أن الدول الإسكندنافية تُعد آمنة مقارنة بدول العالم، لا تزال السويد على سبيل المثال تواجه تحديات مع العنف المسلح وعنف العصابات. وسجلت السويد 92 جريمة قتل عام 2024، ومئات عمليات إطلاق النار والتفجيرات. وكان هذا العدد الأعلى في السويد منذ سنوات، وارتبط بتزايد أنشطة العصابات وانتشار المخدرات. وفي الدنمارك انخفضت مستويات الجريمة، لكن سُجلت حالات عنف مقلقة لدى النساء داخل الأسرة. وشهد العام الماضي أكثر من 15 جريمة قتل في حق نساء ارتكب غالبيتها شركاء أو أقارب لهن، ما ضاعف الجهود المبذولة للتوعية ومكافحة العنف الأسري. ولا تحدد الأرقام وحدها واقع الاختلاف الكبير بين أيسلندا والدول المجاورة، بل أيضاً طبيعة العلاقة بين الشرطة والمواطنين الذين يناهزون 402.000 يعيش نحو نصفهم في العاصمة ريكيافيك، علماً أن الشرطة في أيسلندا ليست قوة عسكرية بالمعنى الكامل، وتنفذ غالباً عمليات مراقبة مجتمعية من دون استخدام أسلحة، وتؤمن الوجود الوقائي في الشوارع لمنح الشعور بالأمان، وتقليل احتمال التصعيد وصولاً إلى استخدام الأسلحة أو العنف. وعموماً تتطلب التغيرات الديمغرافية وتحديات الحياة الحضرية في بعض المدن التي تضم مجتمعات أكبر، مثل السويد أو الدنمارك، تطبيق أساليب أقوى أحياناً لمواجهة العصابات والعنف المسلح، رغم أنها تبقى أقل من دول غير إسكندنافية كثيرة. العنف ضد النساء وفي وقت يُعتبر العنف ضد النساء مؤشراً مهماً لسلامة المجتمع بشكل عام، تظهر دراسات أن مستوياته تتفاوت في أوروبا عموماً، ومن بينها تلك الإسكندنافية التي تنخفض معدلات العنف الجنسي والاعتداءات فيها مقارنة بدول ذات مستويات أعلى من الفقر أو عدم الاستقرار، لكن الاختلافات واضحة بين الدول الإسكندنافية نفسها. ورغم أن مستويات الجرائم منخفضة في أيسلندا عموماً لا يزال العنف الجنسي موجوداً، لكن معدلاته أقل نسبياً من السويد التي تشتهر بارتفاع نسب الاعتداءات التي يجري الإبلاغ عنها، علماً أن الدراسات تكشف أن الدول الأكثر مساواة بين الجنسين، مثل تلك الإسكندنافية، ليست بالضرورة أقل عرضة للعنف ضد النساء، وقد تعكس معدلات الإبلاغ العالية عن الجرائم المرتكبة فيها دراية أكبر بحقوق المرأة وإمكانية الوصول إلى آليات العدالة، وهذا ما يميّز تقارير الجريمة في هذه الدول مقارنة بدول أقل تقدماً. ويشير متخصصون إلى أن عوامل عدة تجعل أيسلندا حالة فريدة على صعيد عدد الجرائم المرتكبة حتى في شمال أوروبا، أولها أن مجتمعها صغير يضم نحو 402.000 مواطن، ما يُسهّل مراقبة السلوكات الاجتماعية، وتقليل "الغموض الاجتماعي" الذي قد يولّد العنف أو الجريمة. ويتمثل العامل الثاني في الثقة العالية بالمؤسسات، وتحديداً بجهاز الأمن ما يمنع التصعيد لأن الأيسلنديين يميلون إلى التعاون مع الشرطة بدلاً من مواجهتها. أما العامل الثالث فيرتبط باهتمام السلطات بشبكات الدعم الصحي والنفسي وبرامج إعادة تأهيل الأفراد الذين يرتكبون مخالفات بسيطة، ما يقلل مخاطر العودة إلى العنف، كما يركز النظام القضائي على الإصلاح والاندماج الاجتماعي بدلاً من تطبيق العقاب الصارم، ما يخفض مستويات العنف على المدى الطويل. لكن ذلك لا يمنع مواجهة أيسلندا ضغوطاً جديدة. وظهرت أخيراً مؤشرات مقلقة لزيادة حمل شبان سكاكين بنسبة وصلت إلى 200% خلال سنة واحدة، ما عكس تنامي السلوك العدواني لدى بعض الفئات العمرية، رغم أن معدلات الجريمة تبقى منخفضة نسبياً مقارنة بدول أخرى. وتتناول بعض النقاشات الاجتماعية في أيسلندا القلق الديمغرافي والتحوّلات المرتبطة بزيادة عدد المهاجرين، خصوصاً من قبل أقصى اليمين، مع مخاوف من تغيّر التركيبة اللغوية والثقافية في بلد صغير، ما يُظهر أن الأمان ليس حالة ثابتة، بل نتاج توازنات اجتماعية دقيقة. عموماً تقدم تجربة أيسلندا نموذجاً مهماً في كيفية خفض مستويات العنف والجريمة من خلال التعاون بين السلطات والمجتمع، بدلاً من الاعتماد فقط على القوة أو الإجراءات العقابية. ويشكل أمان المجتمع والثقة المتبادلة بين الشرطة والمواطنين، والدعم الاجتماعي المتين، وتركيز النظام القضائي على الإصلاح، مزيجاً متكاملاً يمكن أن يستفيد منه صانعو السياسات في أي دولة تسعى إلى خفض العنف وتعزيز السلامة العامة. وهكذا تبرز أيسلندا، رغم بعض التحديات الحديثة، باعتبارها واحدة من أكثر المجتمعات سلماً في العالم، وتعكس صورة أن الاستقرار الاجتماعي والثقة المؤسساتية يمكن أن يكونا عاملين أقوى بكثير في مكافحة العنف عبر استخدام القوة وحدها ضد الناس ومرتكبي المخالفات من أي نوع.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية