غزة بين الدمار والاعتياد... صمود يتحوّل إلى قبول قسري للمعاناة
عربي
منذ أسبوع
مشاركة
لم يعد الخطر الحقيقي في غزة محصوراً في مشهد الدمار ذاته، بل في التحول البطيء الذي جعل هذا الدمار جزءاً مألوفاً من تفاصيل الحياة اليومية. الركام لم يعد صادماً كما كان والخيام البالية لم تعد مؤقتة كما يفترض وحفر الصرف الصحي وأكوام القمامة باتت عناصر ثابتة في المشهد العام. ومع مرور الوقت، يتسلل الاعتياد إلى النفوس فيطمس الإحساس بعمق الكارثة ويحوّل الاستثنائي إلى عادي.  وفي ظل هذا الواقع، يعيش الغزيون حالة من التعايش الاضطراري مع بيئة غير مستقرة تتشابك فيها الأزمات الاقتصادية مع القيود المفروضة على الحركة، ويتكرس فيها ما يمكن وصفه بـ"اقتصاد الحرب" خياراً شبه وحيد للبقاء. ومع تصاعد الضغوط الاجتماعية، يصبح التكيف ليس خياراً صحياً بل استجابة قسرية لواقع مفروض. ومع هشاشة الإدارة وغياب التنظيم الفعال تتفاقم المعاناة وتتعثر جهود التعافي. اعتياد المعاناة في غزة يقول الفلسطيني تامر عزيز، الذي يقيم في خيمة قرب منطقة الميناء غرب مدينة غزة، إن الحياة هناك "لم تعد تشبه الحياة التي عرفناها"، مضيفاً: "نستيقظ على مشهد البحر من جهة في ظل البرد القارس، ومن جهة أخرى نرى الخيام الممزقة والركام الممتد، في البداية كان المنظر موجعاً، أما اليوم فأصبح جزءاً من يومنا وكأننا اعتدنا أن نعيش وسط الخراب"، موضحاً لـ"العربي الجديد": "أخطر ما في الأمر أننا بدأنا نتعايش مع كل شيء، مع حفر الصرف الصحي القريبة، مع القمامة التي تتكدس بسبب ضعف الخدمات، مع ضيق المكان وغياب الخصوصية، أصبح همّنا اليومي تأمين الماء والطعام ولم نعد نفكر كثيراً في شكل الحياة التي نستحقها، هذا الاعتياد يجعلنا نشعر أحياناً أننا عالقون في دائرة لا تنتهي". لافتاً إلى أن الوضع المعيشي ما زال مقيداً والعمل شبه معدوم، ما يدفع كثيرين إلى البحث عن أي مصدر دخل مرتبط بظروف الحرب، "صرنا نقبل بالقليل ونعتبره إنجازاً، لكن في داخلنا نعرف أن هذا ليس استقراراً بل مجرد محاولة للبقاء". أما الفلسطينية نداء موسى، التي نزحت من شمال غزة وتعيش في خيمة بمنطقة الزوايدة وسط القطاع، فتصف حياتهم بأنها "سكون هش لا يشبه السلام"، وتقول لـ"العربي الجديد": "قد يبدو المكان هادئاً أحياناً، لكن هذا الهدوء مليء بالقلق، نحن لا نشعر بالأمان بل نعيش على انتظار دائم لأي طارئ"، مضيفة: "في البداية كنّا نعد الأيام على أمل العودة السريعة، لكن مع مرور الوقت بدأنا نعتاد الخيمة، نرتبها كأنها بيت ونحاول خلق روتين يومي للأطفال، هذا الاعتياد ليس راحة بل محاولة نفسية للتخفيف من الصدمة، ما نخشاه أن يكبر أطفالنا وهم يظنون أن هذه الحياة طبيعية". وأكدت أن الضغوط الاجتماعية ازدادت بفعل الاكتظاظ وقلة الموارد، ما يخلق توتراً دائماً بين العائلات، "الناس مرهقة وكل شخص يحمل همّه فوق طاقته، نحاول التكيف لكن التكيف هنا إجباري، نحن نتظاهر بالقوة بينما في الداخل هناك تعب وخوف من مستقبل غير واضح". في حين، عاد الفلسطيني هاني بعلوشة إلى منزله المدمر جزئياً في مخيم جباليا، رغم المخاطر المحيطة، قائلاً: "رجعت على بيتي لأنه رغم الخراب يبقى أهون من الخيمة، أصلحنا غرفة واحدة بالكاد تصلح للسكن، وتركنا باقي البيت كما هو"، وأضاف لـ"العربي الجديد": "القصف المدفعي القريب والرصاص الطائش لم يتوقفا كلياً، أحياناً أشعر وكأن الحرب لم تغب ليوم واحد، لكن الغريب أننا اعتدنا الأصوات لم نعد نقفز مع كل دوي كما في البداية، هذا الاعتياد يخيفني أكثر من الصوت نفسه"، وتابع بعلوشة: "نعيش بين الركام ونحاول إقناع أنفسنا أن الأمور تحت السيطرة، لكن الحقيقة أن هذا ليس تعافياً بل هو تأقلم مؤقت مع واقع غير مستقر، والخوف أن نستمر هكذا طويلاً فيتحول هذا الوضع إلى أمر طبيعي ونفقد الإحساس بما يجب أن تكون عليه الحياة الكريمة". تعايش اضطراري بدورها، أكدت الأخصائية النفسية سجود المدهون، أن الأوضاع الراهنة في قطاع غزة ما تزال تلقي بظلالها الثقيلة على الحالة النفسية والاجتماعية للسكان، رغم توقف العمليات العسكرية. وقالت المدهون لـ"العربي الجديد" إن آلاف العائلات ما زالت تعيش في خيام أو داخل منازل مدمرة، في ظل ظروف معيشية صعبة تفتقر إلى الحد الأدنى من الاستقرار والأمان. وأوضحت أن ما يشهده القطاع حالياً يمكن وصفه بـ"تعايش اضطراري"، إذ تتركز التجمعات السكانية في مناطق الجنوب والوسط ومدينة غزة، ضمن بيئة غير مستقرة اقتصادياً واجتماعياً، مشيرةً إلى أن هذا الاستقرار الظاهري لا يعكس تعافياً نفسياً حقيقياً، بل يمثل محاولة للتأقلم مع واقع مفروض بفعل الظروف القائمة. وفي السياق ذاته، فرّقت المدهون بين مفهومَي "الاعتياد" و"التكيّف"، موضحة أن كثيراً من السكان اعتادوا نمط الحياة في الخيام وتلقي المساعدات والبحث اليومي عن سبل العيش، إلّا أنّ هذا لا يعني تحقق التكيف النفسي السليم. وأكدت أن التكيف الحالي هو إجباري، يخفي وراءه صراعات داخلية وضغوطاً نفسية متراكمة تؤثر في العلاقات الأسرية والاجتماعية. ولفتت إلى أن الأوضاع الاقتصادية الصعبة وغياب فرص العمل، إلى جانب صعوبة التنقل بين المناطق أسهمت في بروز ظواهر اجتماعية مقلقة، من بينها التفكك الأسري وازدياد النزاعات والعنف. مشيرة إلى أن استمرار الإقامة في الخيام، بما تفتقر إليه من خصوصية وشروط صحية مناسبة، يزيد من حدة التوتر والقلق ما ينذر بتداعيات نفسية واجتماعية طويلة الأمد إذا لم تتوفر بيئة أكثر استقراراً ودعماً نفسياً ومجتمعياً. وبين ركام البيوت وهشاشة التنظيم وضيق سبل العيش، تتراكم آثار نفسية واجتماعية عميقة تحتاج إلى تدخل جاد ومنظم يعيد الاعتبار للكرامة الإنسانية، ويحوّل الصمود من حالة قبول قسري إلى فعل استعادة الحياة.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية