خطاب من كوكب آخر: ترامب يمدح اقتصاده فيما يغرق الأميركيون بالغلاء
عربي
منذ أسبوعين
مشاركة
بدا الرئيس الأميركي دونالد ترامب آتياً من كوكب آخر خلال دفاعه عن سياساته الاقتصادية وسط تناقضات صارخة ما بين تصريحاته من جهة وتصاعد معاناة الأميركيين من ارتفاع تكاليف المعيشة. وفيما سعى ترامب في خطاب الأمة، فجر الأربعاء لاستمالة الناخبين بعدما اقتربت شعبيته من أدنى مستوياتها على الإطلاق في استطلاعات الرأي قبيل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر، تلقى انتقادات لاذعة من الديمقراطيين وخبراء الاقتصاد على حد سواء. وُصف خطاب ترامب بأنه أطول خطاب أمة في التاريخ الأميركي، بحيث استمر ساعة و47 دقيقة، سيطر عليه الاقتصاد. وقال ترامب "لقد حققنا تحولاً لم يشهده أحد من قبل، وانقلاباً تاريخياً"، بعد أيام قليلة من تلقيه صفعة قاسية من المحكمة العليا الأميركية بعد إبطالها كل الرسوم الجمركية التي فرضها على دول العالم وفق قانون الطوارئ الاقتصادية. وفيما يواجه المستهلكون والمنتجون ارتفاع الأسعار وتكاليف الإنتاج غالباً بسبب الرسوم الجمركية التي فرضها والتي رفعت أسعار السلع والمواد الأولية المستوردة، سخر ترامب من عبارة "القدرة على تحمل التكاليف"، ولم يطرح أي خطة لمعالجة غلاء المعيشة، لا بل وجه أصابع الاتهام للديمقراطيين قائلاً "إن رسائل حزبهم بشأن الأسعار كانت كذبة قذرة وفاسدة". وأضاف متحدثاً عنهم: "سياساتهم هي التي تسببت في ارتفاع الأسعار. أما سياساتنا فتنهيها بسرعة. نحن نحقق نتائج جيدة للغاية. هذه الأسعار تتراجع بشكل حاد". وتابع أن سياساته تساهم في خفض الأسعار المرتفعة، ومن بين تلك السلع اللحوم والبيض والفواكه، مشيداً بسياسته التي "جذبت 18 تريليون دولار"، وسط تشكيك كبير في هذا الرقم من قبل العديد من الخبراء. وصرح ترامب: "اليوم، حدودنا آمنة، التضخم يتراجع بشكل حاد، والدخول ترتفع بسرعة. الاقتصاد مزدهر كما لم يزدهر من قبل، وأعداؤنا خائفون". لكن فرانك لونتز، خبير استطلاعات الرأي، استغرب في منشور على إكس استخفاف ترامب بكلمة "القدرة على تحمل التكاليف"، وكتب: "لقد كانت هذه خطوة خاطئة. إن السخرية من كلمة (القدرة على تحمل التكاليف) في الوقت الذي لا يزال فيه الأميركيون يشعرون بالضيق في متاجر البقالة هو نوع من اللحظات التي تُسيء إلى الناس". وقال ماثيو بارتليت، وهو استراتيجي جمهوري لصحيفة "وول ستريت جورنال"، إن ترامب يُخاطر بالظهور بمظهر المنفصل عن الواقع من خلال الترويج لأرقام اقتصادية إيجابية بدلاً من معالجة المخاوف بشكل مباشر. وأضاف: "لست متأكداً من أن أي خطاب طموح سيُغير فاتورة الكهرباء أو فاتورة البقالة أو الرسوم الدراسية". وفي الرد الرسمي للديمقراطيين، تصدت حاكمة ولاية فرجينيا أبيجيل سبانبرغر لتأكيدات ترامب بشكل مباشر، بحجة أن تعرفاته الجمركية وتخفيضات التمويل للمستشفيات الريفية وبرنامج "ميديكآيد" تجعل الحياة أكثر كلفة وأن جهود إدارة إنفاذ قوانين الهجرة تجعل المجتمعات أقل أماناً. وقالت وفق ما نقلت "واشنطن بوست": "في خطابه الليلة، فعل الرئيس ما يفعله دائماً. لقد كذب، وجعل من الآخرين كبش فداء، وشتت الانتباه. ولم يقدم أي حلول حقيقية للتحديات الملحة التي تواجه أمتنا، والتي يزيد من حدتها بشكل فعال". ووعدت الحملة الانتخابية لترامب باستعادة القدرة على تحمل تكاليف المعيشة بسرعة. لكن بدلاً من ذلك، أدى سيلٌ متواصل من العناوين الرئيسية حول الرسوم الجمركية التي ترفع بعض الأسعار إلى نفور معظم الأميركيين من هذه الرسوم ومن قدرة ترامب على كبح جماح ضغوط الغلاء، بحسب "بلومبيرغ". ومع ذلك، لم يُبدِ أي مؤشر على تغيير مساره، قائلاً إنه سيمضي قدماً في إعادة فرض ضرائب الاستيراد الشاملة عبر وسائل أخرى. ويقول الاقتصاديون وفق "واشنطن بوست" إن الأميركيين يواجهون صعوبات حقيقية. فالصناعات التحويلية لا تزال في تراجع، وفقدت البلاد وظائف في جميع القطاعات تقريباً العام الماضي، ويقول كثير من الأميركيين إن توفير الاحتياجات الأساسية اليومية بات أكثر صعوبة، ورغم أن التضخم ليس مرتفعاً بشكل كبير، إلا أن من الصعب السيطرة عليه. وقدّر جون ويليامز، رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، في يناير أن الرسوم الجمركية رفعت معدل التضخم بمقدار نصف نقطة مئوية. وسمح انخفاض ارتفاع أسعار الخدمات، بما في ذلك السكن، لمؤشر أسعار المستهلك بالارتفاع بنسبة 2.4% في يناير مقارنةً بالعام الماضي، مقابل 3% في يناير 2025. أما معامل انكماش نفقات الاستهلاك الشخصي، وهو مؤشر مفضل لقياس التضخم، فقد أنهى عام 2025 عند 2.9%، وهو لا يزال بعيداً جداً عن هدف التضخم الذي حدده الاحتياطي الفيدرالي عند 2%. ووفق وكالة "بلومبيرغ" أدرج ترامب مقترحات سياسية متواضعة خلال خطابه، بما في ذلك تعهد بأن تُساهم الحكومة الفيدرالية بمبلغ يصل إلى 1000 دولار في مدخرات التقاعد للعاملين الذين لا يملكون حسابات تقاعدية، بدءاً من العام المقبل. إلا أن مسؤولاً في البيت الأبيض قال إن مقترح الرئيس بشأن مدخرات التقاعد سيُنفذ بموجب برنامج قائم يُعرف باسم "مساهمة المدخرين"، والذي تم إقراره بموجب قانون صدر في عهد سلفه جو بايدن. كما دعا الكونغرس إلى سنّ قوانين تحظر على أعضائه وعائلاتهم شراء أسهم فردية متداولة علناً، وقال إنه يريد من المشرعين حظر إصدار رخص قيادة تجارية للمهاجرين غير الشرعيين. ولا يزال من غير الواضح ما إذا كانت أي من هذه الإجراءات ستُقر، ولم يوضح ترامب سبب دعمه لحظر تداول الأسهم في الكونغرس، والذي كان قد عارضه سابقاً. قال ترامب إنه ورث "أمة في أزمة، واقتصاداً راكداً". وأضاف في السنة الأولى من ولايته الثانية، "إن الاقتصاد يزدهر كما لم يفعل من قبل". لكن "وول ستريت جورنال" اعتبرت أن ترامب قد يواجه صعوبات في إقناع الأميركيين بأن المؤشرات التقليدية للوضع في البلاد قوية في ظل تراجع المعنويات الاقتصادية. فبينما انخفض التضخم، تباطأ النمو الاقتصادي في نهاية العام الماضي، حيث لم يُوفر الاقتصاد سوى 181 ألف وظيفة في عام 2025. كما ارتفع معدل البطالة إلى 4.3% من 4% عند تولي ترامب منصبه ما يُشير إلى أن الطلب على العمالة يتراجع بوتيرة أسرع من العرض، بحسب "بلومبيرغ". وأظهر استطلاع رأي أجرته صحيفة "واشنطن بوست" وشبكة ABC الإخبارية وشركة إيبسوس، ونُشر يوم الأحد، أن نحو 60% من الأميركيين غير راضين عن أدائه. كما انخفضت نسبة تأييد الرئيس إلى أدنى مستوى لها، حيث بلغت 26% فقط بين المستقلين، وفقاً لاستطلاع رأي جديد أجرته شبكة "سي أن أن". وكان ترامب وعد بخلق "ملايين الوظائف" و"رفع الأجور بشكل كبير" للعمال الأميركيين. لكن هذا النوع من التغيير الجذري لم يتحقق بعد، بل على العكس، ازداد سوق العمل الراكد أصلاً سوءاً، ولم يكن نمو الأجور المعدل وفقاً للتضخم أفضل مما حققته إدارة بايدن في عامها الأخير، بحسب "بلومبيرغ". وسلط الرئيس الضوء على الجهود المبذولة لتعزيز فرص العمل، وجذب تريليونات الدولارات من تعهدات الاستثمار الأجنبي والخاص، وجهوده لخفض التكاليف، بما في ذلك تكاليف الأدوية الموصوفة، فضلاً عن حسابات ترامب المخصصة للشباب. في غضون ذلك، لم يشهد نمو الأجور تسارعاً؛ فقد ارتفع متوسط الأجر بالساعة بنسبة 3.7% خلال الاثني عشر شهراً المنتهية في ديسمبر، وهو تباطؤ طفيف مقارنةً بالعام السابق. والأهم من ذلك، أن الأجور المعدلة وفقاً للتضخم لم تنمو سوى بنسبة 1% خلال هذه الفترة، وهو معدل مماثل للمتوسط المتوقع في عام 2024. كما ارتفعت أسعار الكهرباء والغاز الطبيعي بوتيرة أسرع من معدل التضخم. وفيما يتعلق بهدف البيت الأبيض المتمثل في القضاء على العجز التجاري، فقد بلغ عجز البلاد في التجارة الدولية 901.5 مليار دولار في عام 2025، وهو رقم لم يتغير كثيراً عن 903.5 مليارات دولار في عام 2024، ويُعد واحداً من أعلى مستويات العجز في البيانات التي تعود إلى عام 1960.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية