"الخطر السنّي"...  ما بعد محور الممانعة
عربي
منذ ساعة
مشاركة
يكشف مقال أميت سيغال (في صحيفة إسرائيل هاليوم، 22/1/2026) عن تحوّل أعمق بكثير من مجرّد توصيف الرئيس التركي أردوغان بـ"الخطر القادم على إسرائيل"، فالنص لا يقدّم قراءة في السياسة التركية، بقدر ما يفتح نافذة على تغيّر بنية التفكير الأمني الإسرائيلي بعد حرب غزّة، وعلى انتقال واضح في طريقة تعريف التهديد، وطبيعة الصراع، ووظيفة القوة في الرؤية الإسرائيلية الجديدة. ومن المهم الانتباه إلى أنّ سيغال، بوصفه أحد أبرز المحللين السياسيين في إسرائيل، والمعبّرين عن تصورات اليمين الإسرائيلي وخطابه الأمني، لا يكتب من موقع المراقب، بل من داخل المنظومة الاستراتيجية والأمنية. لم تعد إسرائيل تتحرّك بمنطق إدارة الصراع أو احتواء التهديدات، بل بمنطق إعادة تشكيل الإقليم نفسه، ولا يشغلها اليوم حماية الحدود، بل إنتاج معادلة إقليمية جديدة تقوم على الهيمنة العسكرية، لا مجرّد التفوق العسكري. الفارق هنا جوهري، لأن التفوّق يعني امتلاك القوة، أما الهيمنة فتعني تحويل هذه القوة إلى نظام دائم لإعادة ضبط التوازنات وفرض قواعد اللعبة. في هذا السياق، يصبح الحديث عن تراجع مركزية الخطر الإيراني مفهوماً، وفق منظور سيغال، فالمسألة لا تتعلق بسقوط النظام أو استمراره، ولا بضربة أميركية محتملة أو غيابها، بل بحقيقة أن إيران بعد تكسير أذرعها الإقليمية ليست إيران ما قبلها، فما يهم اليوم، إسرائيلياً، أنّ شبكة الوكلاء التي بنتها طهران على مدى عقود تعرّضت لاستنزاف عميق، وفقدت جزءاً كبيراً من قدرتها الوظيفية. وحتى لو بقي النظام، سيكون منشغلاً بإعادة ترتيب الداخل الإيراني، ومعالجة أزماته البنيوية، أكثر من انخراطه في مشروع تمدّد إقليمي واسع ومتماسك. بهذا المعنى، تتحوّل إيران في المنظور الأمني الإسرائيلي من "الخطر المركزي" إلى "الخطر المُنهك"، أي إلى تهديدٍ قابلٍ للاحتواء والإدارة، لا مشروع توسعي صاعد. من هنا تبدأ البوصلة بالتحرّك نحو تركيا، ليس لأنها تشكّل تهديداً عسكريّاً مباشراً، بل لأنها تمثل نمطاً مختلفاً من المخاطر، فهي دولة مركزية قوية، ذات عمق ديمغرافي واقتصادي وعسكري، تمتلك أدوات القوة الناعمة والصلبة في آن واحد، وحضوراً رمزيّاً في المجال السني، وقدرة على إنتاج تحالفات إقليمية خارج منطق السيطرة الإسرائيلية التقليدية. ورغم الطابع البراغماتي والعقلاني في سياسات أردوغان، فإن خطابه السياسي وسلوكه الإقليمي وموقعه الرمزي في العالم الإسلامي وخطابه المعادي للحكومة اليمينية الإسرائيلية، تجعل منه فاعلاً غير مريح في الحسابات الإسرائيلية، لكن القلق الإسرائيلي لا يرتبط فقط بسلوك أنقرة المباشر، بل بما هو أهم من ذلك بكثير استراتيجياً، وهو احتمالية تشكّل محور سُنّي جديد بين تركيا وباكستان والسعودية، بعد تراجع حلم التطبيع مع السعودية، ومثل هذا التحوّل الاستراتيجي على صعيد العالم السُنّي، أو الخطر السُنّي كما يصفه سيغال في مقالته، يمثّل تطوراً جديداً لم يكن محسوباً بهذه الطريقة سابقاً في التفكير الإسرائيلي وتصوراته لنظرية الأمن القومي الجديدة. الفارق الجوهري أن تركيا ليست إيران، والسياسات التركية أو النفوذ الإقليمي التركي مختلف بطبيعته وسماته عن النموذج الإيراني، لذلك لا يمكن التعامل مع أنقرة بالأدوات نفسها. لا وكلاء يمكن تفكيكهم، ولا أذرع يمكن استنزافها. الدولة نفسها هي المركز. لذلك، أي استراتيجية إسرائيلية ضد أردوغان أو حتى حزبه العدالة والتنمية لن تكون قائمة على المواجهة العسكرية المباشرة، بل على مسار مركّب يجمع بين الأدوات الأمنية والاقتصادية والسياسية والرمزية، ويقوم على الضغط متعدّد المستويات، وتفكيك البيئة الحاضنة للنفوذ، واستثمار التناقضات الداخلية، وبناء شبكات تأثير إقليمية ودولية. فإذا كانت إيران قد أُضعفت عبر استنزاف محيطها، فإن تركيا، إن دخلت دائرة الاستهداف، ستُواجه عبر تفكيك بنيتها، لا عبر كسر أطرافها. ما يقوله سيغال، ضمنياً، أن إسرائيل انتقلت من التفكير في "الأعداء" إلى التفكير في "المشروعات"، ومن إدارة التهديدات إلى إعادة تشكيل السياق الذي يُنتجها. من هنا نرى التحول أوسع في بنية الصراع: انتقال من محور شيعي مُنهَك إلى محور سُنّي محتمل، ومن حروب الوكلاء إلى صراعات البنى، ومن منطق الردع إلى منطق الهيمنة.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية