عربي
مع حلول ذكرى ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011، وجّهت وزارة الداخلية المصرية الخميس الماضي، رسالة تهنئة لمنتسبيها على الهواتف ولعامة الشعب على صفحاتها الخاصة، بمناسبة "عيد الشرطة" الذي يجري الاحتفاء به سنوياً منذ عقود، متجاهلة أي علاقة تربط بين عيد الشرطة وذكرى ثورة 25 يناير التي تحولت إلى إجازة رسمية للعاملين في الدولة، وفقاً للدستور الحاكم للبلاد منذ 2012 والمعدل عام 2014. جاء تجاهل الداخلية، وسط حالة إنكار واسعة من قبل المسؤولين لثورة 25 يناير وبث بيانات رسمية وأخرى على ألسنة قيادات بالدولة، تحمّل الثورة الأخطاء التاريخية التي مرت بها البلاد وتبعات الأزمة الاقتصادية الحادة التي تعيشها لأكثر من عقد. مع العلم أنه قبل 15 عاماً، اختار المصريون يوم 25 يناير للتنديد بانتهاكات جهاز الشرطة ووزارة الداخلية بحق المواطنين، قبل أن يتحول الهتاف في ميدان التحرير، رمز الثورة في مصر، من "الداخلية بلطجية" إلى "الشعب يريد إسقاط النظام". وتحل الذكرى الـ15 لثورة 25 يناير هذا العام وسط غلاء معيشي غير مسبوق، وتراجع كبير في سقف الحريات، بما في ذلك التضييق على العمل الحزبي والنشاط الحقوقي. وتزامن ذلك مع استدعاء وسائل إعلام محسوبة على أجهزة سيادية أمنية في الدولة، عدداً من رموز نظام الرئيس الراحل حسني مبارك للهجوم على ثورة 2011، الأمر الذي أثار غضباً واستياءً واسعاً بين نشطاء الثورة.
انتقاد ثورة 25 يناير
البداية كانت مع ظهور اللواء السابق حسن عبد الرحمن، رئيس جهاز "مباحث أمن الدولة" (الأمن الوطني حالياً) سيئ السمعة في عهد مبارك، مع الإعلامي مصطفى بكري عبر قناة "صدى البلد"، المملوكة لرجل الأعمال محمد أبو العينين، القيادي السابق في "الحزب الوطني" المنحل. وزعم عبد الرحمن، الذي سبق اتهامه في قضيتي قتل المتظاهرين وفرم وحرق وإتلاف مستندات جهاز أمن الدولة عام 2011، أن "أحداث 25 يناير لم تكن عفوية، بل مؤامرة مدبرة استهدفت كيان الدولة المصرية"، مدعياً أنه "حذر مبكراً من مخططات جماعة الإخوان المسلمين الهادفة إلى الوصول للحكم، واستغلالهم الخطاب الديني في تقديم أنفسهم بصورة مغايرة للحقيقة". وكشف عبد الرحمن أن "جهاز أمن الدولة كان يعمل بالتنسيق مع القوات المسلحة (الجيش) قبل اندلاع أحداث (ثورة) 2011، وأعد مذكرة عنها بالتعاون مع جهاز المخابرات الحربية، الذي كان يترأسه في ذلك الوقت الرئيس عبد الفتاح السيسي". تلا ذلك هجوم عضو مجلس الشيوخ المعين من السيسي، رئيس حزب الجيل ناجي الشهابي، على الثورة في جلسة عامة للمجلس، بقوله: "نحن لا نعترف بيوم 25 يناير إلا عيداً للشرطة في مصر".
عمرو ربيع هاشم: ثورة 25 يناير قضت على مشروع توريث الحكم
والشهابي هو رجل كل العصور، فقد عينه مبارك في مجلس الشورى عام 2010 قبل اندلاع الثورة، وفاز مجدداً بعضوية المجلس في 2012، ولكن هذه المرة على قوائم حزب "الحرية والعدالة" في محافظة الغربية، الذراع السياسية لجماعة الإخوان المسلمين، التي هاجمها الشهابي نفسه بعد إطاحة الجيش الرئيس الراحل محمد مرسي. وسرعان ما أطل عدد من الضباط السابقين في جهاز أمن الدولة، مع مذيعين مثل أحمد موسى ومحمد الباز ونشأت الديهي، للحديث عن المشهد السياسي في الأيام الأخيرة، واستغلال ذكرى الثورة في مهاجمة جميع المشاركين فيها، بزعم أنها كانت "مؤامرة" من الولايات المتحدة ودول وغربية، بغرض "زعزعة الاستقرار في البلاد عن طريق تغيير نظام الحكم".
ووضعت محطات تلفزيونية مملوكة للدولة، وأخرى تابعة لشركة "المتحدة للخدمات الإعلامية" المملوكة لجهاز المخابرات العامة، شارة وزارة الداخلية بالاحتفال بعيد الشرطة، من دون وضع أي شارة عن الاحتفال بذكرى الثورة. وعبر صفحاتهم الرسمية في مواقع التواصل الاجتماعي، قدّم برلمانيون مصريون، في مجلسي النواب والشيوخ، التهنئة لجموع المصريين بمناسبة حلول عيد الشرطة، بلا أي ذكر للثورة. كما كتب عدد منهم مقالات، في صحف ينشرون فيها أعمدة ثابتة، لتهنئة العاملين في جهاز الشرطة ووزارة الداخلية بعيدهم السنوي.
في تعقيبه على استدعاء رموز مبارك للهجوم على الثورة، قال عضو مجلس أمناء الحوار الوطني، نائب مدير مركز الأهرام للدراسات السياسية عمرو هاشم ربيع، لـ"العربي الجديد"، إن استضافة ضباط سابقين للهجوم على ثورة 25 يناير أمر مقصود بالتزامن مع ذكراها، ويكاد يكون متكرر كل عام، من أجل ترسيخ الادعاءات الخاصة بكونها "مؤامرة أميركية" في أذهان المصريين، والتحذير من مغبة تكرار ما حدث مع تصاعد التوترات الجيوسياسية في المنطقة، وما يعانيه الاقتصاد المصري من وضع مأزوم. وأضاف ربيع أن ثورة 25 يناير قضت على مشروع توريث الحكم في مصر، وحطمت جدار الخوف لدى المواطنين، وهو الأمر الذي يخشى النظام الحاكم تكراره، مشيراً إلى إقرار الدستور بشرعية الثورة، ومن ثم أي محاولات للنيل منها، أو وصفها بـ"المؤامرة" من قبل البعض، ينتهك الدستور. وتابع أن الدولة المصرية شهدت انتكاسة في السنوات التالية للثورة، خصوصاً في ملفات أهمها الحريات والاقتصاد والتعليم، فضلاً عن سيطرة أصحاب المال السياسي على البرلمان بغرفتيه، وانتشار ظاهرة شراء الأصوات في الانتخابات التشريعية الأخيرة، بصورة تفوق ما كان يحدث في الانتخابات بعهد مبارك.
أما مؤسس "حركة شباب 6 إبريل" أحمد ماهر فقال، رداً على تصريحات رئيس جهاز أمن الدولة السابق، إن انتهاكات الجهاز بقيادة حسن عبد الرحمن "مثلت سبباً رئيسياً ومباشراً في خروج المواطنين إلى الشارع للتظاهر في 25 يناير 2011، وصولاً إلى الانفجار الشعبي في جميع ربوع مصر، وإطاحة حكم الرئيس المخلوع مبارك". وذكر ماهر، في تدوينة نشرها عبر صفحته على "فيسبوك"، أنه "قبل تنحي مبارك بيوم اجتمع، مع نشطاء آخرين، مع رئيس الوزراء السابق الفريق أحمد شفيق، الذي تحدث عن ضرورة إكمال مبارك لفترته الرئاسية، ومنحه مهلة ستة أشهر يعمل فيها على تغيير كل السياسات، وإزاحة المسؤولين الذين تسببوا في أحداث الثورة".
واستدرك ماهر بالقول إن "اللواء حسن عبد الرحمن انضم إلى الاجتماع"، الذي تعرض في عهده بشكل شخصي للتعذيب، مبيناً أن عبد الرحمن حاول إيهام النشطاء الحاضرين بأن "ضباط الجهاز اعترفوا بأخطائهم، وفي حاجة إلى فرصة لتلافي الأسباب التي أدت إلى خروج الناس للشوارع". وأكمل ماهر بأنه "بعد مرور 15 عاماً، من الطبيعي أن يطل عبد الرحمن مجدداً على الرأي العام ليقول عن الثورة إنها مؤامرة، من دون اعتبار لأن الانتهاكات التي حدثت في عهده كانت من أسباب تظاهر الناس في 25 يناير".
من جهته، أوضح عضو مجلس النواب السابق هيثم الحريري، أن حديث بعض رموز مبارك عن أن الثورة "مؤامرة" يعكس وجهة نظر السلطة الحاكمة حالياً، ويتجاهل الأسباب الحقيقية لاندلاع الغضب الشعبي ضد النظام آنذاك، مثل "تفشي البطالة، وارتفاع الأسعار، وتراجع الدخول، فضلاً عن تزوير الانتخابات، والتجاوزات الأمنية بحق المعارضين". وقال الحريري لـ"العربي الجديد"، إن "السياسات الاقتصادية الحالية تبتعد كثيراً عن روح الثورة، ومطالب المصريين في العيش والحرية والعدالة الاجتماعية، إذ إنّ توسع الحكومة في الاقتراض من مؤسسات التمويل الدولية، وعلى رأسها صندوق النقد، حمل المواطنين أعباء الإصلاح المالي على مدى عشر سنوات كاملة".
هيثم الحريري: السياسات الاقتصادية الحالية تبتعد كثيراً عن روح الثورة
وتصدر ضباط أمن الدولة المشهد السياسي والحزبي في مصر ليس وليد الصدفة، في ظل المزايا والامتيازات التي منحها السيسي للجهاز، ودفع النظام بعدد كبير من ضباطه السابقين لشغل مناصب قيادية في الأحزاب المدعومة من أجهزة الدولة، التي تستحوذ منذ عام 2015 على الغالبية الكاسحة من مقاعد البرلمان بغرفتيه (النواب والشيوخ). ويبلغ عدد ضباط الشرطة السابقين، بخلاف العسكريين، 62 في مجلس النواب من أصل 596، و19 في مجلس الشيوخ من أصل 300. ويبلغ مجموع هؤلاء 81 شخصاً، من أصل 896، أغلبهم من المنتمين لأحزاب مستقبل وطن وحماة الوطن والجبهة الوطنية والشعب الجمهوري، المستحوذة على أكثر من 80% من مقاعد البرلمان المنتخب حديثاً.
شخصيات أمنية في البرلمان
ويشغل الضابط السابق في جهاز الأمن الوطني أحمد عبد الجواد منصب زعيم الأغلبية في مجلس النواب، بوصفه رئيساً للهيئة البرلمانية لحزب مستقبل وطن. وكان أول ظهور إعلامي لعبد الجواد في انتخابات مجلس الشيوخ في 2020، وهي السنة التي ترك فيها عمله ضابطاً في الجهاز برتبة عقيد. وبرز اسم عبد الجواد سريعاً بانتخابه نائباً في البرلمان عن حزب الأغلبية، وتعيينه نائباً لرئيس قناة "المحور" الفضائية في 2021، وفي العام نفسه مشاركته في تأسيس شركة "فيوتشر للاستثمار الرياضي"، وإنشاء شركة لسبائك الذهب في الإمارات، ثم اختياره أميناً للتنظيم في حزب مستقبل وطن، ليتحول بذلك الضابط الأربعيني الذي كان يمتلك سيارة بسيطة إلى رجل أعمال يملك أسطولاً من السيارات الفارهة، يتنقل بها كأحد الوزراء في موكب مهيب، وسط حراسة مشددة من أفراد أمن سابقين.
أيضاً هناك النائب عن دائرة طلخا في محافظة الدقهلية اللواء عبد الحميد الشورى، أحد قياديي حزب الجبهة الوطنية، والذي كان مسؤولاً عن مكتب أمن الدولة في مجلس الشعب أثناء فترة حكم مبارك، وفاز أخيراً بعضوية مجلس النواب للدورة الثانية توالياً. والقيادي السابق في جهاز الأمن الوطني اللواء خالد خلف الله، الذي احتفظ بعضويته في البرلمان للدورة الثالثة عن دائرة نجع حمادي بمحافظة قنا، واختير أميناً للسر بلجنة الشؤون الدستورية والتشريعية بالمجلس. يذكر أن السيسي لا يفوت مناسبة إلا ويشن هجوماً فيها على ثورة 25 يناير 2011، ويتهمها بأنها "سبب الخراب" في السنوات السابقة لتوليه الحكم. ولطالما كرر في تصريحات سابقة بأنها "السبب في التدهور الاقتصادي لمصر، والتراجع الإقليمي لمكانتها"، على حد زعمه. ومنذ تولي السيسي الحكم في 2014، تعاني البلاد من موجة عاتية من الديون والتضخم والغلاء، وانهيار في قيمة العملة المحلية، نتيجة التوسع في الاقتراض الخارجي لإقامة مشاريع ضخمة مثل العاصمة الإدارية الجديدة، شرقي القاهرة، التي قدرت كلفة مرحلتها الأولى بنحو 58 مليار دولار. ووفق البيانات الحكومية، ارتفع الدين الخارجي لمصر من نحو 43.2 مليار دولار في يونيو/حزيران 2013، إلى 163.71 مليار دولار في سبتمبر/أيلول 2025.
