عربي
بعد عقد ونصف العقد على خروج ملايين المصريين في ثورة 25 يناير 2011، مطالبين بـ"العيش والحرية والعدالة الاجتماعية"، تكشف مؤشرات حكومية رسمية وأخرى دولية أن هذه الشعارات لم تتحول إلى واقع للأغلبية من الشعب، بعد أن تراجعت أحوالهم المعيشية، بينما تصاعدت مؤشرات الفقر المدقع لتقترب من 40% من تعداد السكان، مع تآكل الدخول، في مقابل نمو طفيف بدا مؤخراً في الاقتصاد الكلي ولم ينعكس أثره على المجتمع. ترسم تقارير أممية وتحليلات عميقة لخبراء اقتصاديين، منهم ساسة بارزون، صورة قاتمة تظهر أن الفقر في مصر لم يعد حادثاً عابراً، بعد أن تحول من ظاهرة إلى واقع واسع، مع تراكم الديون ولجوء الحكومة إلى إعادة هيكلتها عبر مبادلة ديون بفوائد أعلى وبيع أصول منتجة، ونقل العبء من الدولة إلى الأسر.
على النقيض من ذلك، تظهر الحكومة حالة من التفاؤل، مبشرة بخروج البلاد من عنق الزجاجة، يظهر أثرها في مؤشرات حول زيادة النمو للعام المالي 2025-2026 إلى أكثر من 5% سنوياً، وزيادة التدفقات في الاستثمار الأجنبي المباشر، وتحسن نسبي في أداء العملة، مدعوماً بزيادة تدفقات المصريين بالخارج وعوائد قناة السويس وأنشطة السياحة وتصدير الحاصلات الزراعية.
فاتورة مفتوحة
في مقابلة مع "العربي الجديد"، يؤكد البرلماني السابق عبد الحميد كمال، عضو تحالف 25-30 المتبني لثورة 25 يناير و30 يونيو، أنه بعد مرور سنوات طويلة تحمل فيها المصريون حالة عدم الاستقرار الأمني والاقتصادي، فإن الوضع لم يتحسن بل ازداد سوءاً. يقول كمال إن "عدم إدراك الحكومة لمطالب الشعب الذي شارك في ثورتين جعلها تهمل أولويات برامج التنمية التي تستهدف رفع الإنتاج الصناعي والزراعي، لتضخ أموالاً هائلة في مشروعات غير ذات جدوى، مستغلة عدم التزامها بالدستور الذي يشترط تشكيل مجالس محلية للرقابة على أعمالها بالمحافظات". ويشير إلى حرص الحكومة على إبعاد الشعب عن اتخاذ أي إجراء للتصرف في المال العام والرقابة عليه، متجهة نحو مركزية شديدة تجعل العاصمة الإدارية الجديدة متحكمة في كل شؤون الدولة وتصرفات الأفراد، بينما يغيب دور الأحزاب والإعلام وأصوات المعارضة، وتختار مجالس نيابية "مهندسة أمنياً" بما يعطل الرقابة الشعبية على أدائها وتصرفاتها الاقتصادية.
يؤكد كمال أن المسار المالي الذي تنتهجه الحكومة تزامن مع نمو اقتصادي شكلي، فرغم تسجيل معدلات نمو اسمي تراوحت ما بين 3% و5% في بعض السنوات، قفزت الأسعار بعشرات الأضعاف، وزاد الدخل شكلياً فقط، وانهار الجنيه، وتضخم الدين العام وابتلع كل شيء، وظل معدل التشغيل ضعيفاً، واستقر معدل البطالة الرسمية حول 7% إلى 9%، بينما توسعت البطالة المقنعة والعمل الهش خارج المظلة التأمينية للدولة والقطاع الخاص. ومع انكماش الإنفاق الاجتماعي الحقيقي واتساع الفجوة بين الأسعار والدخول، ارتفع معدل الفقر، لافتاً إلى تقديرات خبراء مستقلين ودراسات إقليمية تؤكد أن معدل الفقر يقترب من 40% من عدد السكان، ووفق تقديرات رسمية بلغ 32% في عام 2023، وذلك في تناقض صارخ مع الخطاب الرسمي الذي يراهن على مؤشرات كلية مجردة.
ويحذر كمال من لجوء الحكومة إلى تمويل الاختلالات المالية، التي تحدثها بناء على اختيارات سياسية واقتصادية معلنة، من جيوب المواطنين، ولجوئها إلى ضبط العجز في الموازنة عبر خفض الدعم وإدارة الأزمة المالية عبر الاستدانة، بدلاً من دفع الإنتاج والنمو الحقيقي للاقتصاد، مؤكداً أن هذه السياسات هي التي حولت شعار "عيش وحرية وعدالة اجتماعية" من وعد ثورة إلى فاتورة مفتوحة تسددها الأغلبية، بينما بقيت العدالة مؤجلة، والعيش أكثر كلفة، والحرية خارج الحسابات الاقتصادية والسياسات الأمنية التي تتبعها الحكومة، مع إبعاد الأحزاب الجادة عن المشاركة في اتخاذ القرار واعتبار الأصوات المعارضة خارجة عن المبادئ الوطنية التي تتشدق بها.
معادلة قاسية
ومن جانبه، يضع الباحث الاقتصادي إلهامي الميرغني، أرقاماً صادمة تظهر لماذا تآكلت دخول المواطنين، بعد أن انتقلت كثير من السلع والخدمات الحكومية المدعومة إلى عبء ثابت على ميزانية الأسرة، وعلى رأسها الكهرباء، مشيراً إلى أن حياة المصريين تحولت إلى معادلة قاسية مختلة الأطراف، تدفع فيها الأغلبية الثمن، بينما تتكدس الأعباء بلا حماية اجتماعية حقيقية. ويشير الميرغني إلى زيادة أسعار بنزين فئة 80 أوكتين، الأكثر استخداماً في المناطق الريفية ووسائل النقل الخاصة، بنسبة 1109%، والسولار الأكثر طلباً في وسائل النقل الثقيل والخفيف والمواصلات العامة والصناعة والزراعة ارتفع بنسبة 972%، بينما ارتفعت أسعار الكهرباء بنسبة تراكمية تتراوح ما بين 600% و900% منذ عام 2011 إلى 2025، في الوقت الذي لم يزد فيه متوسط دخل المواطن الاسمي إلا بنحو 200% فقط، بما يعني تراجعاً حقيقياً في القوة الشرائية.
ويبين الخبير الاقتصادي أن الزيادة في المرتبات ابتلعها تضخم تراكمي تجاوز 400%، بما يعني تراجعاً حقيقياً في القوة الشرائية، في الوقت الذي انهارت فيه العملة من 7.15 جنيهات للدولار إلى قرابة 50 جنيهاً، أي فقد أكثر من 85% من قيمته، بينما تضاعف الدين المحلي من 1.7 تريليون جنيه إلى نحو تسعة تريليونات جنيه رسمياً، وقفز الدين الخارجي من 46 مليار دولار إلى 163.7 مليار دولار خلال تلك الفترة. ويؤكد الميرغني أن هذه الأرقام لا تعكس وجود إصلاح اقتصادي، بل نقل الحكومة تكلفة السياسات إلى جيوب المواطنين، وتفكيكاً تدريجياً لقدرة المجتمع على الاحتمال في مقابل نمو لم تحمه أنظمة عدالة اجتماعية، ولا رافقته شبكة أمان، ولا وصل أثره إلى من دفعوا ثمنه بالفعل.
نمو بلا عدالة
وفقاً لمعهد التمويل الدولي، بلغت ديون الأسر المصرية عام 2025 نحو 28.2 مليار دولار، بزيادة 35% عن عام 2024، مع زيادة عدد الأسر الباحثة عن تمويل لشراء مستلزماتها الأساسية اليومية. في الوقت نفسه، تظهر بيانات الدين العام الكلي ارتفاعاً من أقل من 2.5 تريليون جنيه عام 2013 إلى ما يقترب من 13 تريليون جنيه، وفقاً لمؤسسات بحثية، بما يمثل زيادة بنحو خمسة أضعاف خلال 12 عاماً. وفي مقابلة سابقة مع "العربي الجديد"، قالت أستاذة الاقتصاد بجامعة عين شمس، يمن الحماقي، إن "الزيادة الاسمية في الدخل لا تعني تحسناً معيشياً لأن القوة الشرائية للمواطن تآكلت بصورة غير مسبوقة". ويؤكد الاقتصادي سيباستيان إيلي، الأستاذ بالجامعة الأمريكية، في دراسة حديثة أن الاقتصاد المصري أصبح أحد نماذج الاقتصادات التي تتكدس فيها الثروة في أصول غير منتجة قد تنمو رقمياً، لكنها تعمق الفقر متعدد الأبعاد مجتمعياً.
وعلى صفحته في "فيسبوك"، أكد الخبير الاقتصادي ووزير التضامن السابق إبان العام الأول من ثورة 25 يناير، جودة عبد الخالق، أن "النمو بلا عدالة لا يصنع استقراراً، بل يؤجل الانفجار"، مشيراً إلى أن شعار "عيش... حرية... عدالة اجتماعية" لم يسقط لأنه مستحيل العلاج، بل لأنه لم يترجم إلى سياسات، في ظل ارتفاع الدين وتآكل الدخل الحقيقي الذي يوسع معدلات الفقر وتراجع فرص العمل وانكماش المجال العام، بينما المواطن دفع تكلفة إصلاح لم يعرفه، ولم تبن الحكومة شبكة عدالة تحول دون اتساع الفقر وانهيار الطبقة الوسطى. فتحول البحث عن العيش إلى معركة يومية، بينما الحكومة تقترض بدلاً من تمويل مشروعات التنمية، لتزيد الاقتراض من أجل سداد الديون نفسها، بعد أن ارتفعت تكلفة خدمة الدين ذات الفوائد المرتفعة والأجل القصير، مستنزفة موارد الدولة.
وتكشف تقارير منظمة الشفافية الدولية عن تراجع مؤشرات مكافحة الفساد من عام 2012 إلى 2015 بمعدلات كبيرة، بالتوازي مع تراجع مستمر في حرية التعبير والرأي وفق مؤشرات "فريدوم هاوس" و"مراسلون بلا حدود"، الأمر الذي يعتبره خبراء الاقتصاد معطلاً لتصحيح السياسات وحجب النقاش العام حول الفقر، وتحول حديث الأرقام إلى ملف سياسي حساس لدى السلطة التي تضع المخالفين لسياساتها في خانة المعارضة، وكثيراً ما تضعهم في قائمة الإرهاب أو الخطرين على أمن الدولة. وفقاً لاقتصاديين، تحولت سياسات الحكومة من العدالة الاجتماعية إلى إدارة الأزمة، باستبدال برامج الدعم النقدي المحدود وخفضها من عام لآخر، وتحميل المجتمع تكلفة الإصلاح الاقتصادي الذي ترعاه باتفاق مسبق مع صندوق النقد الدولي، ويستهدف اتباع الاقتصاد سياسات نيوليبرالية دون امتلاك أدوات لحماية الفقراء ومنع انزلاق الطبقة الوسطى إلى دائرة الفقر، مع توسعها في تحميل معظم هذه الفئات الزيادة المستمرة في الضرائب المباشرة وغير المباشرة، الأمر الذي يدفعها إلى الاستدانة لاستكمال شراء السلع الأساسية اليومية، عدا ما تتحمله من مصروفات هائلة في التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية.
