موزارت في دافوس
عربي
منذ ساعتين
مشاركة
يمرّ هذه الأيّام 270 عاماً على رحيل فولفغانغ أماديوس موزارت. ويصادف أن تتزامن هذه الذكرى، ببرود سويسريّ محسوب، مع اجتماعات المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس. هل هي مصادفة زمنيّة من تلك التي تحبّ الفلسفة فضحَها؟ ربّما. لكنّ المصادفات في الحياة، شأنها شأن المصادفات في الإبداع، لا تكون دائماً بريئة، وغالباً ما تخفي تناغماً غير متوقّع بين ما يبدو متنافراً: عبقرية موسيقيّة تُدفَن في مقبرة جماعيّة ونخبة عالميّة تناقش ثراءها بوصفه ناراً من حقّها أن تأكل العالم. لو شارك موزارت في دافوس لا بوصفه موسيقاراً، بل بوصفه سؤالاً، لكان سؤالاً جارحاً ومُحرجاً: أين أخفيتم الصمت؟ فهو لم يكن سيّد النغم فقط، بل أيضاً سيّد ما بين الأنغام. ذلك الفراغ الذي سيتحدّث عنه لاحقاً ثيودور أدورنو حين يربط الموسيقى بالقدرة على مقاومة النظام، لأنّها تُبقي فجوة مفتوحة في وجه التماثل القسريّ. أمّا دافوس، فهي قمّة لردم الفجوات: ردم فجوة الفقر بالأرقام، وفجوة العنف بالتقارير، وفجوة الأخلاق بالكلبيّة المتوحشة. ذلك كله بإيقاعٍ ثابتٍ يُشبه "أليغرو" لا يتوقّف. يبدو الاحتفال بموزارت في هذا السياق تمريناً في سوء الفهم، أو لعلّه "سوء تفاهمٍ" مجرّدٌ من "مخالبه". موسيقى ناعمة، زئبقيّة، صالحة لأن تكون خلفيّة صوتيّة لعشاء رسميّ. نحتفي بعبقريّته لأنّها "خالدة"، لكنّنا ننسى أنّه مات مُعدَماً، وأنّ الخلود الذي ننسبه إليه اختراع لاحق، يشبه إعادة تسويق منتج فشل في وقته. كان موزارت فائضاً عن حاجة السوق في عصره. كان فناناً يرفض أن يُختصر في وظيفة. هذا بالضبط ما تخشاه دافوس: العبقريّة غير القابلة للإدراج في جدول الأعمال. ولو استدعينا إيمانويل كانط إلى هذه المائدة، لقال إنّ الجمال عند موزارت "غاية بلا غاية"، بينما جلّ ما في دافوس غايةٌ خاليةٌ من الجمال. هناك، كلّ فكرة يجب أن تُترجم إلى شعبويّات، وكلّ سياسة إلى صفقات، وكلّ ربح إلى استعراض عضلات. أمّا موسيقى موزارت، فهي غير محتاجة للترجمة. إنّها لا تقول "ماذا نفعل" بل "كيف نكون". لنتخيّل مشهداً أكثر فجاجة: يُدعى موزارت لتقديم كونسرت بعد خطاب دونالد ترامب. القاعة فخمة، الإضاءة ذهبيّةن الجمهور خليط من رؤساء ووزراء ومستشارين وخبراء علاقات عامّة. يبدأ العزف، وتسري الرعشة الأولى في القاعة. تلك الرعشة التي تُذكّر الإنسان بأنّه هشّ. عندئذٍ يشعر ترامب بالضيق: هذه الموسيقى لا تُصفّق له، لا تعترف بقوّته، لا تعتبره مركز الكون. موسيقى موزارت ديمقراطيّة على نحوٍ فاضح: لا تميّز بين رئيسٍ وعامل، بين ملياردير وعاطل، لأنّها تخاطب ما هو أقدم من السوق: الأذن، والقلب، والارتباك الجميل أمام المعنى. سادة دافوس، في معظمهم، لا تعنيهم الموسيقى إلاّ بوصفها "خلفيّةً" تزيّن القاعة ولا تزعج النقاش. ولو عزفت موسيقى موزارت بصدق، لأفسدت المأدبة، ولَذكّرت المجتمعين بأنّ الانسجام ليس نتيجة الصخب بل نتيجة الإصغاء، وأنّ التوازن لا يُصنع باللوائح بل بالحوار مع الضعف. وهذا بالضبط ما لا تحتمله قمم القوّة: الاعتراف بأنّ النظام يعزف خارج السُلَّم. هناك علاقة أعمق بين الاحتفالين: كلاهما يُمارس طقساً رمزيّاً لتأجيل السؤال الحقيقي. نحتفل بموزارت كي لا نسأل لماذا لا يولد اليوم موزارت جديد إلا على هامش النظام. وتحتفل دافوس بمستقبل العالم كي لا تسأل من دفع ثمن الحاضر. الاحتفال في الحالتين قناع. قناع مفتوح في حالة موزارت، ومُغلَق في حالة دافوس. كِلا القناعين يخفي فراغاً أخلاقيّاً: ماذا نفعل بعبقرية لا تُدرّ أرباحاً؟ ماذا نفعل بعالم لا يمكن إصلاحه بالبورصة؟ لو كان موزارت حاضراً، لفكّر، ربّما، في حركة إضافيّة غير مكتوبة: كأن يضع البيانو في منتصف القاعة، ويعزف لحناً بسيطاً، ثم يتوقّف فجأة، ويترك الصمت يملأ المكان. صمتٌ طويل، محرج، بلا ترجمة فورية. عندها فقط يظهر الفرق بين الموسيقى والضجيج، بين العبقرية والإدارة، بين الفنّ الذي يخلخل والقمم التي تُطمئن نفسها. والحقّ أنّه يبدو أكثر معاصرةً لنا من دافوس ومعظم قادتها. لأنّه يؤكّد، من خلال موسيقاه، معرفته بما لا تعرفه القمم: أنّ العالم لا يحتاج مزيداً من الخطط، بل أذناً تُحسن الإصغاء. وأسوأ ما يمكن أن يحدث للموسيقى، وللسياسة معاً، أن تتحوّل إلى احتفال بلا معنى، وسيمفونية بلا قلب.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية