عربي
بعد الحدث الكبير في شمال شرق سورية، بات واضحاً أن الرئيس أحمد الشرع ينال ثقة كبيرة من الإدارة الأميركية، فمن دون اعتراضٍ، توغلت القوات السورية عميقاً في المنطقة التي كانت تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، بما فيها حقول النفط والغاز والمساحات الشاسعة التي كانت تزرع بالقمح، ما يعني أن الحكومة قد وضعت يدها على الثروة السورية الطبيعية، وقد ساهم الموقف الأميركي في تمكين القوات السورية من الدفع باتجاه تراجع "قسد" إلى الوراء بأقصى سرعة وأبعد مسافة، حتى انكمشت في منطقة القامشلي والمثلث الحدودي في أقصى الشمال الشرقي.. تبدو مهلة الأيام الأربعة التي منحتها السلطة لها بمثابة طوق نجاة لها لتُجري مراجعة شاملة، ولا يبدو أن لديها خيارات كثيرة إلا القبول بالاتفاق الذي جرى أخيراً برعاية المبعوث الأميركي، لأنها إذا اختارت المواجهة فالمعركة محسومة، وقد أبدى الجوار، بما فيه كردستان العراق، موقفاً مسانداً للموقف الرسمي السوري الذي يرغب بفرض سيادته على كامل تراب الشمال، وهو مطلب سيادي تفهمته أميركا وبنت مواقفها من سورية في صالحه.
سيطرت القوات السورية على كامل سجون المنطقة التي ما زال بعضها يضم مقاتلين من تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وعائلاتهم، وتظهر في الأفق رغبة أميركية في تصفية هذا الملف نهائيّاً. تقدّمت القوات الحكومية على طريقتها السريعة، وأحكمت السيطرة على السجون، وبذلت مجهودات كبيرة في القبض على كل من تمكّن من الفرار من تلك السجون في أثناء خلو المناطق من عناصر "قسد". وأثنت الولايات المتحدة رسمياً على هذا المجهود السوري، وهي تعدّ العدّة لنقل غير السوريين إلى العراق، ومن تبقى منهم سيخضع لمحاكم سورية للبتّ النهائي في مصيره، وبتسليم ملفٍّ كهذا لسورية، تبدو الولايات المتحدة مرتاحة تماماً لسلوك الإدارة السورية، ونحّت أية شكوك حولها بمساندة الإرهاب، واستبدلت هذا الموقف بتبنٍ كاملٍ للقوات السورية، واعتمادها شريكاً لمواجهة أي تحدّيات إرهابية قد تنشأ، أو مجموعات ربما تستغل فترة الارتباك التي قد تظهر بعد تغيّر شكل الوجود العسكري في المنطقة.
ما يعزّز الشعور بأن الولايات المتحدة تعتبر سورية شريكاً وثيقاً هي الأخبار التي تتردّد بقوة عن نية ترامب سحب من تبقى من قواته في سورية. ورغم أن أخباراً من هذا النوع قد تسرّبت في السابق، وكان إعلانٌ كهذا سبباً في استقالة وزير الدفاع الأميركي في فترة ترامب السابقة، وحينها بقي قرابة ألف جندي أميركي موزّعين على عدة قواعد في الشمال، ارتفع عددهم لاحقاً ووصل إلى ألفين، فيما يبدو ترامب هذه المرّة عازماً على إخراجهم جميعاً. ويتماشى مثل هذا القرار مع سياسة ترامب الرامية إلى إخماد أكبر قدر من الحروب في العالم، ومنه سورية، ويعني هذا القرار أن القوات الوحيدة التي ستبقى في الشمال هي السورية، وبذلك تنتقل مهمّة الإبقاء على المنطقة هادئة وخالية من مجموعاتٍ متطرّفة مثل تنظيم الدولة الإسلامية إلى القوات السورية بديلاً عن "قسد"، حيث لن يكون مسموحاً لـ"قسد" بالوجود المسلح في المنطقة، بينما ستنفّذ القوات السورية هذه المهمة بنفسها.
يعتبر الشرع أنه سجل نقطة مضيئة لنفسه بقدرته على مسح ما كانت تؤمن به أميركا حياله وفي سياق مكافحة الإرهاب، حيث جرى تحوّل في مفهوم الساسة الأميركان إلى ما يشبه القناعة بحكّام سورية الجدد، بدأ بإزالة تدريجية لكل العقوبات القديمة والجديدة، وتضمّن زيارة الشرع البيت الأبيض. وتتويجاً لذلك، جاءت خطوات توحيد سورية تحت راية واحدة ونشيد وطني واحد. ويمكن اعتبار المرسوم الرئاسي الذي صدر قبل أيام بخصوص السوريين الكرد تسويةً نهائية لكل الحيف الذي لحق بهم خلال العهد البائد، ومن الممكن أن يعتمد أسلوب التعامل مع "قسد" نموذجاً في أماكن أخرى، مثل الجنوب السوري، خصوصاً إن ثبّت نجاحه العسكري الذي جاء سريعاً وخاطفاً.
