عربي
حين كتب المفكر الراحل جمال حمدان (1928 – 1993) كتابه المهم "المدينة العربية" الذي صدرت طبعته الأولى في عام 1964، لم يكن أخطبوط الاستيطان السرطاني في الأراضي الفلسطينية، وفي الضفة الغربية خصوصاً، قد بلغ النطاق الذي هو عليه اليوم، وما زالت شهية المحتلين نحوه مفتوحة، بل إلى ازدياد، مستقوين بنهج إدارة الرئيس الأميركي الحالي دونالد ترامب.
مع ذلك، جمال حمدان في رؤية استشرافية هو قمين بها حذّر من هذه السياسة الاستيطانية، منطلقاً من نموذج الاستيطان الذي قامت به إسرائيل في الأراضي الفلسطينية التي فرضت عليها دولتها في 1948. ولعل حمدان من القلة الذين وصفوا ما قامت به إسرائيل في فلسطين بـ"الاستعمار الصهيوني"، الذي قال عنه إنه ليس استعماراً سكنياً بالمعنى المعروف، بل استعمار مركب: ديني، عنصري، سكني، وإنه ليس احتلالاً، بل إحلال. وبالتالي، إنه الأخطر بين كل صور الاستعمار التي عرفها العالم العربي.
يعدّ حمدان من أهم المفكرين في علم الجغرافيا السياسية والحضارية في القرن العشرين. درس الجغرافيا وتخصّص في فلسفتها، وطرح رؤى فكرية عميقة تجاوزت النظرة التقنية للعلم إلى دمجه مع التاريخ والسياسة والثقافة في إطار تحليلي شامل، ونجد تجلياتٍ في كتابه هذا في الجمع بين التحليل الحضري والسياق السياسي، مقدّماً قراءة جغرافية – حضارية للاحتلال الصهيوني بوصفه نقيضاً بنيويّاً للمدينة العربية، لا مجرّد قوة غالبة عليها.
انطلق حمدان من توصيف المدن الفلسطينية الكبرى (ولا سيما القدس ويافا وحيفا وعكا) باعتبارها مدناً عربية مكتملة التكوين قبل 1948، نشأت وفق منطق تاريخي طبيعي، قائم على التراكم السكاني، والتكامل بين المدينة وريفها، وتعدّد الوظائف الاقتصادية والثقافية والدينية. ومن هذا المنظور، رفض، بشكلً قاطع، اعتبار ما جرى بعد الاحتلال "تحديثاً حضريّاً"، ناظراً إليه على أنه قطع قسري لمسار المدينة الطبيعي، فالتهجير الجماعي لسكان المدن الفلسطينية ليس نتيجةً جانبيةً للصراع، بل شرط تأسيسي لبناء "مدينة جديدة" منفصلة عن محيطها العربي وتاريخها الاجتماعي.
وأَوْلى حمدان اهتماماً خاصاً بمدينة القدس، لا بوصفها مركزاً دينيّاً فحسب، بل باعتبارها مدينة عربية تاريخية ذات وظيفة حضارية مركّبة، وأن عملية "تهويدها" تمثل أخطر أشكال الاعتداء على المدينة العربية، لأن غايتها ليست السيطرة على المكان فقط، بل إعادة تعريفه رمزياً وتاريخياً من خلال تغيير الأسماء، وتفكيك الأحياء، وإحلال سردية مكانية جديدة محل الذاكرة الأصلية.
ليست القدس وحدها ما توقف أمامها جمال حمدان. توقف أيضاً أمام تشويه إسرائيل مدناً فلسطينية أخرى، شأن القدس، مدناً عريقة ذات مكانة ودور مشهود لها عبر التاريخ، وجاء هذا التشويه عبر إيجاد مدن جديدة، دخيلة، تطوّرت عن قرى قائمة أو مستعمرات أنشأتها سلطات الاحتلال، أو حتى من حيث لا شيء، مثل نهاريا ونتانيا وهرتزليا، لافتاً الأنظار إلى تل أبيب خصوصاً، التي بدأت ضاحية يهودية لمدينة يافا الفلسطينية العريقة، ولكنها، بفعل مخطط مدروس نُفّذ بدأب، سرعان ما فاقتها حجماً، وكادت أن تبتلعها، لتصبح أكبر ما وصفه بـ"مدن الاستعمار الصهيوني الجديدة".
ما يجري في الضفة الغربية اليوم من توسّع هائل في بناء المستوطنات التي تواصل قضم الأراضي الفلسطينية، وتقطيع أوصال الضفة بهذه المستوطنات التي تزحف على مدن الفلسطينيين وبلداتهم وقراهم وحقولهم، هو في جوهره تكرار للنموذج الذي اتُّبِع في الأراضي التي احتلت في 1948، والغاية هي نفسها: بسط نفوذ دولة الاحتلال على أوسع ما يمكن من أراضي فلسطين، وتأسيس أمر واقع لا يعود في الوسع بعده قيام كيان فلسطيني مستقل، حتى لو كان أقلّ من دولة، وهو المخطّط الذي يجري المضي فيه بأسرع الوتائر استفادة من الوضع الصعب الراهن في المنطقة، ومن الدعم الأميركي السافر.
وهنا أيضاً يصحّ التوصيف الذي ذهب إليه جمال حمدان لما يجري، فهو ليس احتلالاً يكتفي ببسط سيطرته على أراضٍ وسكان، بل هو إحلال لسكانٍ جدد، ينازعون أهل هذه الأرض على ملكيتها، تمهيداً لاقتلاعهم منها.
