Arab
تتسارع مؤشرات التدهور في الاقتصاد الإيراني مع استمرار الحرب واتساع نطاق الضغوط المالية، في وقت تتآكل فيه مصادر الدخل الأساسية وتتصاعد كلفة الصدمات الداخلية، وهو ما ينعكس مباشرة على غالبية المؤشرات والقطاعات الاقتصادية الرئيسية في آن واحد الإنتاج، والعملة، والتضخم، وسوق العمل. ومع دخول انقطاع الإنترنت يومه الثامن والستين، تُشير أحدث التقديرات إلى أن الاقتصاد الرقمي الإيراني يخسر بين 30 و80 مليون دولار يومياً بسبب قطع الإنترنت، ما أدى إلى شلل واسع في التجارة الإلكترونية والخدمات اللوجستية وقطاع التكنولوجيا، إلى جانب توقف أعمال آلاف المشروعات الصغيرة التي تعتمد على الاتصال الرقمي، وفق تقرير نشرته إذاعة أوروبا الحرة، أول من أمس الاثنين. وفي مؤشر إلى تزايد القلق، دعا اتحاد إنتاج ونشر المحتوى، الذي يمثّل الشركات العاملة في المجال الرقمي، إلى توفير وصول آمن إلى الإنترنت للإيرانيين. وقال الاتحاد، في بيان صدر أول من أمس الاثنين: "إن سبل عيش ملايين الإيرانيين المبنية على أسس رقمية لا ينبغي أن تكون لعبةً في يد المصالح السياسية الفئوية". ودعا الاتحاد إلى توفير وصول آمن إلى الإنترنت.
انهيار الريال الإيراني
وفي موازاة ذلك، واصل الريال الإيراني انهياره في السوق المفتوحة، ليصل إلى نحو 1.9 مليون ريال مقابل الدولار، أي أكثر من ضعف مستواه قبل عام، بحسب بيانات موقع تتبّع سوق الذهب والعملات في إيران. ويعكس هذا التدهور تصاعد أزمة الثقة بالعملة المحلية، مع تراجع تدفقات النقد الأجنبي نتيجة الحصار النفطي، وارتفاع طلب الأفراد والشركات على الدولار والذهب كملاذات آمنة في ظل الحرب. وبحسب تقارير محلية، حثّ محافظ البنك المركزي الإيراني، عبد الناصر همتي، الرئيس مسعود بزشكيان على اتخاذ خطوات عاجلة لتحقيق الاستقرار الاقتصادي، بما في ذلك استعادة الوصول الكامل إلى الإنترنت والسعي إلى اتفاق سلام مع واشنطن. وقدرت المتحدثة باسم الحكومة، فاطمة مهاجراني، إجمالي الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية والممتلكات السكنية والتجارية جراء الحرب بنحو 270 مليار دولار؛ أي ما يعادل نحو تسعة أضعاف الميزانية العامة الإيرانية لعام 2025، ونحو 60% من الناتج الاقتصادي للبلاد.
ويقدر مسؤولون إيرانيون تكاليف إعادة الإعمار بنحو 300 مليار دولار للأضرار التي لحقت بالبنية التحتية المدنية وحدها، في حين ستنجم تكاليف إضافية عن اضطرابات أخرى في الاقتصاد، مثل خسائر الأعمال والحاجة إلى زيادة الإنفاق الاجتماعي. ومنذ اندلاع الحرب في 28 فبراير/شباط الماضي، استهدفت الضربات الأميركية والإسرائيلية البنية التحتية المتدهورة أصلاً، ما أدى إلى تعطيل المصانع ومصانع الصلب والجسور والموانئ، وما فاقم الأوضاع سوءاً قصف منشآت النفط والغاز.
حصار النفط
كما أدى الحصار الأميركي على جميع حركة النقل إلى الموانئ الإيرانية التي لا تزال تعمل إلى قطع شريان الحياة الرئيسي لطهران تقريباً، المتمثل في "عائدات النفط". وقال الخبير في شؤون الطاقة الإيرانية المقيم في أذربيجان، دلغا خاتين أوغلو، في حديثه إلى "راديو فردا" التابع لإذاعة أوروبا الحرة، إن إيران ستضطر إلى خفض إنتاج النفط والغاز إذا استمر الحصار، بسبب اقتراب نفاد سعة التخزين. وقدّر خاتين أوغلو أنه إذا استمر الحصار الأميركي شهراً إضافياً، فإن إنتاج النفط الإيراني سينخفض بنحو 1.2 مليون برميل يومياً. وقال: "سيكون ذلك مؤلماً جداً لإيران". ولا تقتصر التداعيات المالية على فقدان الإنتاج فقط. فقد حذر الاقتصادي الإيراني مجيد سليمي بروجني، في مقال بصحيفة "جهان صنعت" الاقتصادية، من أن أي زيادة في عائدات النفط نتيجة ارتفاع الأسعار خلال إغلاق مضيق هرمز ستكون مؤقتة، وأن تكاليف إعادة الإعمار بعد الحرب ستفوق هذه المكاسب بكثير.
وفي ظل غياب مصادر إيرادات موثوقة، رأى بروجني أن تمويل العجز عبر التوسع النقدي، أي طباعة النقود، قد يكون الخيار الوحيد المتبقي، وهو مسار قد يؤدي إلى تسارع التضخم الذي يتجاوز بالفعل 70%. ويقدر التضخم العام بنحو 73.5%، بينما قفزت أسعار الغذاء والمشروبات بنسبة 115%. وقالت الحكومة الإيرانية الأحد الماضي إنها تدرس مضاعفة قيمة القسائم التي تمنحها للمواطنين، وهي خطوة تضخمية بحد ذاتها. ويبلغ الحد الأدنى للأجور الشهرية في إيران أقل من 170 مليون ريال (92 دولاراً)، وذلك بعد رفعه بنحو 60% في مارس/آذار الماضي.
تدهور سوق العمل
ووفقاً لنائب وزير العمل الإيراني غلام حسين محمدي، تشير التقديرات الأولية إلى أن الحرب أسفرت عن فقدان أكثر من مليون وظيفة، مع وصول عدد المتأثرين بالبطالة، بصورة مباشرة وغير مباشرة، إلى نحو مليوني شخص. لافتاً إلى أن ذلك جاء بسبب تضرر أكثر من 23 ألف مصنع وشركة جراء الغارات الجوية الأميركية - الإسرائيلية. وأدى تزامن الحرب مع موسم الربيع، الذي يعد تقليدياً ذروة نشاط التوظيف في إيران، إلى تضاعف أثر الخسائر، وتُظهر بيانات منصة "إيران تالنت" أن السوق كان يستوعب في الظروف الطبيعية نحو 65 ألف فرصة عمل شهرياً خلال موسم الربيع، إلا أن عدد الوظائف المتاحة هذا العام انهار بنسبة 80%، ما يعني عملياً اختفاء أربع وظائف من كل خمس مقارنة بالعام الماضي، وفق صحيفة دنياي اقتصاد. ويؤدي هذا الانهيار إلى انخفاض مستويات الدخل وزيادة الضغوط الاجتماعية، إذ تعتمد شريحة واسعة من السكان على هذه الوظائف كمصدر رئيسي للمعيشة.
وأظهرت مؤشرات الطلب على العمل اتساع الاختلال في السوق، إذ سجّلت منصة "جوب فيجن" أمس الثلاثاء مستوى قياسياً بلغ 318 ألف سيرة ذاتية مقدمة خلال يوم واحد، بزيادة 50% عن الرقم القياسي السابق البالغ 212 ألفاً. وتشير هذه الأرقام إلى اتساع غير مسبوق في الفجوة بين العرض والطلب، مع تزايد أعداد الباحثين عن عمل مقابل انكماش حاد في الفرص المتاحة. وقال رئيس اتحاد الأعمال الافتراضية، رضا ألفت نسب، في بيان: "حدث أكبر انخفاض في المبيعات خلال مارس. للأسف، خسرت الشركات موسم نهاية العام الرئيسي، وكانت مسألة انعدام الربحية واضحة جداً وملموسة خلال هذه الفترة". وأضاف أنه حتى الآن، تواجه بعض الشركات الكبرى انخفاضاً في المبيعات يتراوح بين 40% و50%، رغم أن هذه الشركات تمتلك بين 50 و60 مليون مستخدم، وأن تطبيقاتها مثبتة على معظم الهواتف في إيران. وتابع: "عندما تعاني منصات كبيرة بهذه الأبعاد والبنية التحتية من هذا المستوى من تراجع المبيعات، يمكن التنبؤ بحجم الكارثة والضرر العميق الذي لحق بالشركات الصغيرة ومتناهية الصغر".

Related News
معضلة الخليج بين "الاستشراق" و"الاستخلاج"
alaraby ALjadeed
21 minutes ago
الأزمة اليمنية وأمن الإقليم
alaraby ALjadeed
21 minutes ago
ردّاً على علي العبد الله: التباس تاريخ "الإخوان"
alaraby ALjadeed
22 minutes ago