ردّاً على علي العبد الله: التباس تاريخ "الإخوان"
Arab
1 hour ago
share
تصمت جماعة الإخوان المسلمين في سورية عمّا يدور من نقاش بشأنها، بينما تترقّب التطوّرات على أمل أن تتغيّر الظروف، ويصبح بإمكان الجماعة المُشاركة في الحُكم، بعد تاريخها من الصراع العنيف والطويل مع نظام الأسد، الذي شكّل علامة فارقة في تاريخ سورية. لم تقدّم الجماعة دراساتٍ رصينةً ولا وثائق تتعلّق بتاريخها، خصوصاً في الحقبة الملتهبة ابتداءً من انقلاب "البعث"، والوثائق المنشورة معدودة على الأصابع لجماعة بلغ تاريخها أكثر من 80 عاماً، وذلك يجعل تاريخها مليئاً بالفراغات وعرضة للتأويل والخلاف الشديد. نشرتُ مراجعةً مطوّلة  في "العربي الجديد" (8/4/2026) عن جماعة الإخوان المسلمين في سورية بمناسبة مرور 80 عاماً على تأسيسها، ثم عقّب علي العبد الله (مشكوراً) بمقال نُشر في "العربي الجديد" (25/4/2026)، تعرّض فيه لما رأى أنّه "لم يكن دقيقاً" في عرضي لتاريخ الجماعة، ولا في الأحكام والتقديرات حول مسيرتها ومستقبلها. إذ يرى العبد الله أن تفسيري اختيار الجماعة اسم "مراقب عام" لقيادة الجماعة منصباً تنظيميّاً يوحي بمفهوم ضبطي وتنسيقي أكثر منه قيادياً، ويذهب إلى أنّ التسمية (بحسب وجهة نظره) كانت لأنّ الجماعة فرع من تنظيم عابر للحدود، يغلب فيه التنظيم الأمّ دور القيادة والتوجيه، تحت اسم "المرشد العام"، ومن ثمّ، "المراقب العام" مرتبةٌ ثانيةٌ في الهيكلية. لكنّ هذين التفسيرين لا يتعارضان، فأنا ركّزت على مدلول الاسم في حين ركّز العبد الله على الهيكل القيادي. وحتى تفسير المنصب القيادي على هذا النحو يطرح السؤال: لماذا كان هذا الاسم فقط في ثلاثة فروع، ولم يكن في غيرها؟ لو صحّ أنّها مرتبة قيادة الفرع في الهيكل التنظيمي العامّ، لوجب أن يكون مضطرداً في الفروع الأخرى. لم تقدّم الجماعة دراسات رصينة ولا وثائق تتعلّق بتاريخها وفي تفسيري ضعف دور المركز في قيادة الجماعة في سورية بعد خروج المراقب العام، عصام العطّار، من سورية، بأنّه نتيجة طول المسافة، وبطء وسائل الاتصال آنذاك، وصعود قيادات محلّية في المدن، تحوّلت الأطراف إلى مراكز شبه مستقلّة: جناح حلب، وجناح دمشق، وجناح حماة. ذهب العبد الله إلى أنّ هذا "لا يتّفق مع واقع الجماعة في حينها". وأشار إلى الخلاف المُتصاعد داخل الجماعة بدءاً من الموقف من جمال عبد الناصر وقمع الجماعة الأمّ في مصر، مروراً بالعصيان المدني في حماة عام 1964، الذي رفض عصام العطّار المشاركة فيه أو تأييده، وصولاً إلى استيلاء حافظ الأسد على السلطة، إذ تفشّى الخلاف واشتدّ حول سبل المواجهة، بين من يدعو إلى النهج السلمي ومن يدعو إلى العنف. وقال إنّ عصام العطّار ومحيطه الدمشقي كانا رافضين استخدام السلاح، ولكنّ عمر عبيد حسنة، في مذكّراته، وكان عضواً قيادياً في مكتب دمشق، قال إنّ موقف العطّار كان مُلتبساً، ولم يُظهر موقفاً واضحاً ضدّ استخدام السلاح، وإنّ بعضاً ممّن كان في مجموعته الطلائع الإسلامية تدرّب على السلاح. كما يذكر خالد الشامي في اعترافاته سنة 1982 (بقي يؤكّد عليها حتى وفاته في إسطنبول 2024)، أنّه شُكّلت قيادة عسكرية تُسمّى قيادة الوفاق، تضمّ جناح "الإخوان" العسكري، و"الطليعة المقاتلة" و"الطلائع"، ولكنّ العبد الله افترض أنّني استنتجت ذلك من مجرّد الاسم. ... صحيحٌ أنّ تنظيم الطلائع في الأساس ليس عسكرياً، بل كان تنظيماً موازياً لـ"الإخوان"، لكنّه انخرط في العمل العسكري في نهاية المطاف. وبالتالي، القول إنّ "لا علاقة للتنظيم بالعمل العسكري لا من قريب ولا من بعيد"، فالعمل العسكري ليس من بين وسائل العطّار، وقد تأكّد هذا من خلال عمل التنظيم، إذ "لم يُعرف أنّه نفّذ عملاً عسكرياً على الإطلاق"، لا تسنده الوقائع ولا الشهادات للأسف. ويعتقد العبد الله أنّ النتيجة التي توصّلتُ إليها عن أداء الجماعة في مرحلة الثورة، أنّ صورة الجماعة وحضورها في المشهد كانت أكبر من ظلّ تأثيرها الفعلي، وأنّه لم يكن للجماعة تأثير يتناسب مع وزنها السياسي والتاريخي، تضمّنت سرداً "غير صحيح بالمطلق"، بحسب تعبيره. ويكتب أنّ الجماعة تلاعبت بتكوين "المجلس الوطني" بهدف التحكّم فيه، وأنّها من الناحية الفعلية "أخذت أكثر من حصّتها"، وأنّها سعت إلى موقع المدير المالي، ووظّفت الموقع (التحكّم بالمال) في استقطاب القوى والأفراد، ولكنّ العبد الله لا يسأل نفسه ما تأثير الجماعة في القرار السياسي؟ كانت الجماعة فعلياً محدودة التأثير مقارنةً بحجم حضورها التنظيمي، وهذا يؤكّد ما ذهبتُ إليه، بغضّ النظر عن الوقائع التي تتعلّق بالمجلس الوطني وكنتُ شاهداً عليها بأدقّ التفاصيل، فقد كنت من مؤسّسيه، ثم من قيادته في الأمانة العامة. ما دامت جماعة الإخوان المسلمين في سورية لا توفّر وثائقها، فإنّ تاريخها سيبقى مُلتبساً يختم العبد الله بنقد ما يراها "دعوة نمطية" منّي إلى الجماعة إلى تبنّي "خيارات استراتيجية، وإجراء مراجعة عميقة لحسم خياراتها"، وتقديم كشف حسابٍ عن "أسرار الأحداث والفظائع في الثمانينيّات"، من أجل "تصفية حساب الماضي"، والبحث عن مخارج، والتفكير في البدائل، تسمح لها بأن تكون "قوةً سياسيةً تحافظ على التنوّع في المجتمع السوري". أنا مع الحلّ وتشكيل جسم بديل، أو بالانتظار حتى تغيّر الظروف، وأنّه "لا يشكّل وصفةً لمخرج". ويذهب العبد الله إلى شرح المشكلة في جماعة الإخوان المسلمين، وأنّها تعاني مشكلاتٍ مركّبة، نجمت أولاً من "تبنّيها تصوّرات عقدية مختلطة، سلفية على أشعرية على أهل الحديث على صوفية، من دون أن ترى التعارض الكامن في هذه الخلطة"، وثانياً "تمسّكها بنظام داخلي قائم على ثنائية السمع والطاعة للقيادة"، ما جعل كوادرها غير قادرة على التصرّف والعمل في حال غياب القيادة. حسناً، كنت أشرت بوضوح في مراجعتي إلى علّة جوهرية في النظام الداخلي للجماعة، وهو غير ما يشير إليه العبد الله، أي البنية التقليدية الهرمية وآليات صعود الكوادر إلى القيادة المُكبّلة بالشروط، ما يجعل ضخّ الدم في القدمين مُستحيلاً، ويُبقي قيادة الجماعة في شيخوخة دائمة، وهو ما تعانيه معظم التنظيمات الأيديولوجية، خصوصاً تلك التي نشأت بتأثير الحقبة الكولونيالية. أخيراً، ما دامت جماعة الإخوان المسلمين في سورية لا توفّر وثائقها، ولا تقدّم تاريخها، خارج منطق الدعاية الحزبية، ولا تعمل لتقديم مراجعة وسردية لأهم الأحداث في تاريخها وتاريخ سورية الدولة، فإنّ تاريخها سيبقى مُلتبساً، وعرضةً لتأويلات مختلفة حدّ التناقض. صحيح أنّ بعض المذكّرات توفّر لنا مادّةً قابلة للتحليل وسدّ بعض الثغرات، إلا أنّ هذه المذكّرات قليلة أو نادرة، ويتمنّى المرء لو أنّ شخصيات قيادية وتاريخية مثل عصام العطّار كتبت مذكّراتها، لكانت عوناً إضافياً على فهم مُنصف يزيل الالتباس الحاصل في فهم الجماعة وتاريخها في ظلّ هذا الفراغ المعلوماتي. ومع ذلك، لا تغني المذكّرات ولا تشكّل بديلاً من تقديم الجماعة بنفسها لسرديتها ولمراجعتها، ولا من توفير وثائقها للعموم، وبالرغم من أنّ الجماعة دمّرت كثيراً من وثائقها لحماية نفسها، إلا أنّها لا تزال تملك كثيراً جدّاً من الوثائق. وأيضاً، بالرغم من أنّ الجماعة تعرّضت لانقسام تنظيمي استمرّ عقوداً، إلا أنّها يمكنها تقديم رواية مشتركة مُتوافق عليها. لكن ماذا لو كان هذا الالتباس مُتعمّداً؟ هل يمكن أن يفسّر هذا الصمت الذي تبديه الجماعة تجاه النقاش حولها؟

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows