الأزمة اليمنية وأمن الإقليم
Arab
1 hour ago
share
شهد ملف الأزمة اليمنية أخيراً حراكاً سياسياً لافتاً، حيث تنشط دبلوماسية أُممية وإقليمية تسعى إلى كسر حالة الجمود في الملف اليمني، ومع أن هذا الحراك الدبلوماسي لا يزال محدوداً، أي على مستوى القنوات الرسمية، وما رشح عنه في الإعلام، فالأكيد هنا تأثير أزمة الملاحة في مضيق هرمز، وكذلك تحولات موازين القوى إقليمياً وانعكاساتها في الساحة اليمنية، والتي أدّت، كما يبدو، إلى تقاطع مصالح السعودية، وكذلك جماعة الحوثي، ومحاولة تجسير الهوّة بما يؤدّي إلى التهيئة لمفاوضات ثنائية في المستقبل. ربما من المهم الإشارة إلى ملمح ثابت يسم الجهود الدبلوماسية الأممية المتعاقبة، وكذلك الوساطات الإقليمية في ما يخص إدارة الملف اليمني، وهي استمرار ربطه بالمعادلة الإقليمية، والتي تتركز في حماية أمن المتدخلين وتحييد التهديدات المنطلقة من الأراضي اليمنية، إلى جانب إدارة معادلة نفوذهم في اليمن، من خلال وكلائهم المحليين، مقابل تجاهل جذر المُشكل اليمني المتمثل في صراع الفرقاء على السلطة، بيد أن اللافت في الحراك الدبلوماسي الحالي اختزال الملف اليمني في جانب أُحادي، أي البعد الأمني بمضامينه الاقتصادية القائم على تداعيات التوترات الجيوسياسية في المنطقة، وهو ما عكسته تصريحات المبعوث الأممي إلى اليمن برفع لافتة أمن البحر الأحمر مدخلاً لتفعيل المسار السياسي، في سردية تتقاطع فيها الرؤية الأممية وكذلك الإقليمية من خلال المراهنة على ورقة الموقع الجيوسياسي لليمن قناة للتقارب بين السعودية وجماعة الحوثي. ومع أنه من المبكر التعويل على أن تؤدّي هذه المقاربة الاختزالية وكذلك المشوهة إلى توليد بيئة تفاوضية، فإنه يمكن استكناه دافعية الحراك الدبلوماسي الحالي وتوقيته، بما يتضمنه هذا من أوراق القوة والمساومة، إلى جانب مفاعيل التحولات الإقليمية وأولويات الفاعلين. عملياً، أفرزت الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران أخيراً جملة من الارتدادات العميقة التي لا تقتصر على تغير موازين القوى إقليمياً، والتي تشمل معسكر الحلفاء والوكلاء، بل آليات الاستجابة للتهديدات الأمنية، وكذلك المخاطر الاقتصادية، والذي فرض نفسه في تغير استراتيجيات الفاعلين، وأولوياتهم، بما في ذلك طبيعة شراكاتهم، وكذلك انعكاسها على إدارة الأزمات في المنطقة، ومنها الأزمة اليمنية. على مستوى أولي، استهداف إيران السعودية، بما في ذلك تعرّض منشآتها الاقتصادية للهجمات المباشرة، وإن فرض ايران تهديداً أمنياً مستمراً بالنسبة للسعودية، وبالتالي استمرار خطر وكلائها، وفي مقدمتهم جماعة الحوثي، فإن تآكل قوة ايران عسكرياً من جرّاء المواجهة مع أميركا، وأيضاً كلفة الحرب المستمرة، يُمكنان السعودية من اللعب على هذه التحولات في ما يخص إدارة الملف اليمني، تحديداً في علاقتها بالجماعة، أي قدرتها على تطويعها سياسياً، والأهم احتوائها عسكرياً ومن ثم تحييد مخاطرها على السعودية. ومن جهة ثانية، تصدّع التحالفات الخليجية في هذه المرحلة، وتحديداً العلاقة السعودية - الإماراتية التي انتقلت من الطور التنافسي إلى التصادمي، يجعل الإمارات تحدّياً أولياً بالنسبة للسعودية، ربما أكثر من إيران، سواء على مستوى معادلة الطاقة أو على نفوذها في المنطقة، بما في ذلك اليمن، الذي تستثمره الإمارات مسرحاً جغرافياً رئيسياً للضغط على السعودية، ما يجعل الجماعة خطراً ثانوياً بالنسبة للمصالح السعودية الاستراتيجية. يظلّ مستقبل الأزمة اليمنية رهناً بالتطورات الإقليمية وفي مقدمتها أزمة الملاحة في مضيق هرمز، وكذلك بالصراع الأميركي- الإيراني ومن جهة ثالثة، قد تولّد هذه الديناميكيات فرصاً بالنسبة للسعودية لتحقيق تقاربات مع الجماعة في ما يخصّ تطويق ما تبقى من النفوذ الإماراتي في جنوب اليمن. ومن جهة رابعة، وهو الأهم، استمرار أزمة الملاحة في مضيق هرمز وضبابية الرؤية الأميركية في وسائل تأمينه يدفع السعودية إلى تركيز أولوياتها على ضمان أمن البحر الأحمر مجالاً حيوياً امنياً واقتصادياً، خصوصاً مع استمرار النشاط الإسرائيلي في الجبهة الصومالية، الأمر الذي يجعل السعودية تحرص على تنمية تقارب مع الجماعة باعتبارها قوة عسكرية مؤثرة في معادلة البحر الأحمر، أو على الأقل أهون الشرّين، ومن ثم دفعت هذه التحولات الإقليمية، بما في ذلك انعكاسها على معادلة الطاقة، السعودية إلى إدارة الملف اليمني بمقتضى أولوياتها الأمنية والاقتصادية. وتمظهر هذا بمستويين: دبلوماسي عبر الانخراط في قنوات تفاوضية مع الجماعة للتهيئة لتنفيذ خريطة الطريق وإنهاء حربها في اليمن، برعاية أممية، وأيضاً الاعتماد على البوابة العمانية، الذي يقوم أولاً على انتزاع ضمانة سياسية من الجماعة لتحييد البحر الأحمر من الصراع الأميركي- الإيراني مستقبلاً، ومستوى وظيفي تمثل في ترتيبات السعودية لإدارة نفوذها في اليمن بما يضمن إيجاد بدائل اقتصادية على المدى البعيد في وسائل تأمين امدادات الطاقة. بالتوازي مع تحول أمن البحر الأحمر من خيار إلى ضرورة، وبالتالي ورقة رئيسية في أي مسار تفاوضي مع جماعة الحوثي، عمدت السعودية، وفي سياق إدارة أولوياتها في هذه المرحلة، إلى استثمار دورها الوظيفي في اليمن فاعلاً إقليميّاً مهيمناً، لإيجاد بدائل اقتصادية غير مباشرة لمواجهة استمرار اضطرابات الملاحة في مضيق هرمز، وأيضاً لتأمين البحر الأحمر، من خلال الاعتماد على آلية هيكلة القوات العسكرية في معسكر حلفائها مظلة تؤدّي إلى فرض معادلة جديدة تخدم أغراضها الأمنية، وبالطبع الاقتصادية، فإضافة إلى مضيها في هيكلة قوات العميد طارق صالح، حليف الإمارات في الساحل الغربي، أي على البحر الأحمر، بما يؤدّي إلى تفكيك وجوده العسكري، ومن ثم إعاقة أي نشاط عدائي محتمل للإمارات لتأزيم أمن البحر الأحمر من الجبهة اليمنية، دفعت السعودية، ومن خلال نفوذها العسكري والأمني في مدينة حضرموت والمهرة، أي على حدودها الشرقية مع اليمن، إلى إحياء مشروع مد أنبوب نقل النفط السعودي من أراضيها عبر الأراضي اليمنية شرقاً إلى موانئ البحر العربي وخليج عُمان، للتحايل على تحدّيات تعطيل الملاحة في مضيق هرمز. ومع أن هذا المشروع لا يزال ضمن الخطط السعودية المستقبلية، إلا أن إدراكها أن أي ترتيبات سيادية في ما يخص نشاطها في اليمن يقتضي، أولاً، موافقة الجماعة، خصوصاً بعد تهديداتها أخيراً، عمدت السعودية في خطوة استباقية إلى تحريك الملف التفاوضي مع الجماعة، وذلك بوصفه مساراً موازياً لتأمين مصالحها الاقتصادية والحيوية من البوابة اليمنية. يكمن امتياز جماعة الحوثي في تمكّنها من فرض نفسها طرفاً محليّاً مقابل السعودية في أي مسار تفاوضي مستقبلي يكمن امتياز جماعة الحوثي في تمكّنها من فرض نفسها طرفاً محليّاً مقابل السعودية في أي مسار تفاوضي مستقبلي، والذي يعني، في هذه الحالة، قدرتها على بلورة موقف ثابت يخدم أهدافها، إلى جانب امتلاك أوراق لإرباك المصالح السعودية، ومن ثم الضغط عليها لانتزاع مكاسب اقتصادية، إلى جانب أن طبيعة علاقة الجماعة بحليفها الإيراني تتيح لها هامشاً للتحرّك، وكذلك المناورة في إدارة علاقتها بالسعودية، على عكس خصومها الذين يخضعون لأهداف حليفهم السعودي وأولوياته، كما أن استمرار ربط الملف اليمني بالمعادلة الإقليمية يتيح للجماعة إمكانية توظيفه لصالحها، وأيضاً ضمان بقائها قوة عسكرية وسياسية في أي تسوية مقبلة، إلى جانب أن إدارة الملف اليمني، سواء من خلال الجهود الدبلوماسية أو الوساطات الإقليمية، وكذلك المطالب السعودية، تعني انتصار السردية الحوثية، بحصر الأزمة اليمنية في السياق الأمني الإقليمي، لا في السياق الوطني، وهو ما يمكنها من حصر الحل السياسي في تنفيذ خريطة الطريق، أي في الشق الاقتصادي، للخروج من أزماتها، ومع أن التحولات الحالية من جراء الصراع الأميركي- الإيراني،يتُحدث تحدّيات على الجماعة، عسكرياً واقتصادياً، بفقدانها إمكانية دعم حليفها، فإن مفاعيل أزمة الملاحة في مضيق هرمز، وانعكاساتها على معادلة الطاقة في المنطقة، تمنح الجماعة، من جراء سيطرتها على مدينة الحديدة، أي على البحر الأحمر، ورقة مهمة للمساومة مع السعودية في إدارة الملف التفاوضي، وفي ما يخص أمن البحر الأحمر أيضاً، فإن عودة نشاط القراصنة الصوماليين، آخرها السيطرة على ناقلة ديزل قرب سواحل مدينة شبوة، يجعل من الجماعة قوة ضامنة، وإن ثانوية، لتطبيع الملاحة في البحر الأحمر، ومن ثم قدرتها على توظيف ذلك لانتزاع مكاسب من السعودية. ومن جهة ثالثة، يتيح تصاعد التوترات بين السعودية والإمارات للجماعة استثمارها لتدعيم مركزها، بما في ذلك الاستفادة من تحولات صراعهما في اليمن، سواء من خلال وكلائهما، أو لدفع السعودية إلى التسريع بتنفيذ خريطة الطريق، أي في شقها الاقتصادي، وهو ما يهم الجماعة. بالطبع، يظلّ مستقبل الأزمة اليمنية رهناً بالتطورات الإقليمية وفي مقدمتها أزمة الملاحة في مضيق هرمز، وكذلك بالصراع الأميركي- الإيراني وبمسار التصعيد أو التهدئة، إلى جانب العلاقة السعودية الإيرانية وانعكاسها على المشهد اليمني وبالطبع على وكلائهما، إضافة إلى دور الإمارات في اليمن قوة تعطيل، بيد أن الأكيد هنا إدراك السعودية، وكذلك الجماعة، أن أي ترتيبات أمنية أو اقتصادية في ما يخص اليمن، وكذلك أمن البحر الأحمر، تقتضي تطبيع علاقتهما البينية أولاً، ثم ترتيب إطار سياسي ملائم يكيف وفقه المكاسب وبالطبع الضمانات لوقف الأعمال العدائية، وإن عنى ذلك بالطبع القفز لا على مصالح شركائهم بل على مصالح اليمنيين.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows