هل بدأت إسرائيل تفقد "حصانتها الرمزية" داخل أميركا
Arab
1 hour ago
share
لم يكن دعم الولايات المتحدة إسرائيل، على امتداد عقود، مجرّد خيار سياسي عابر يمكن مراجعته تبعاً لتقلّبات اللحظة، بل كان أقرب إلى "ثابت استراتيجي" يستعصي على النقاش، ويعلو فوق الانقسامات الحزبية. داخل واشنطن، كما في الإعلام السائد، قُدّم هذا الدعم امتداداً لمنظومة قيمية وأمنية شبه مقدّسة. غير أنّ حرب الإبادة في غزّة، بما حملته من مشاهد صادمة وتداعيات إقليمية متشابكة، خصوصاً الحرب على إيران، أعادت فتح هذا الملفّ من زاوية غير مسبوقة، لا داخل أروقة النُّخبة فحسب، بل في عمق المجتمع الأميركي نفسه، فلم يعد السؤال اليوم هل هناك تحوّل؟ بل ما طبيعته، وإلى أيّ مدى يمكن أن يذهب؟ توحي المؤشّرات المتراكمة بأنّ المزاج العام في الولايات المتحدة يعيش حالة إعادة تشكّل بطيئة، ولكن عميقة، تُظهرها استطلاعات الرأي، وتبرز في النقاشات الجامعية، مروراً بتحوّلات الخطاب الإعلامي، إذ بتنا نشهد تآكل جزء من الإجماع التقليدي حول إسرائيل، من دون أن ينهار كلّياً. نحن أمام مشهد انتقالي، تتجاور فيه قناعات قديمة راسخة مع حساسيات جديدة تتقدّم بثبات، وإن لم تبلغ بعد نقطة الحسم. تظهر أبرز ملامح هذا التحوّل في البعدَين الجيلي والإعلامي، فالشباب الأميركي، خصوصاً داخل التيارات التقدّمية، لم يعد يتبنّى المسلّمات نفسها التي حكمت مواقف الأجيال السابقة. هناك استعداد متزايد لانتقاد السياسات الإسرائيلية، يقابله تعاطف أوضح مع الفلسطينيين. وعلى مستوى الإعلام الجديد ظهر مؤثّرون جدد يشتغلون خارج قيود المؤسّسات الإعلامية التقليدية، ينتقدون بحرّية سياسات بلادهم تجاه إسرائيل. لكنّ المسألة لا تتعلّق فقط باختلاف في الرأي، بل بتحوّل في المرجعيات ذاتها، من خطاب يتمحور حول "أمن إسرائيل" إلى خطاب يضع "حقوق الإنسان" و"العدالة الدولية" و"أميركا أولاً" في قلب النقاش، وهذا التحوّل في زاوية النظر هو ما يمنح التغيير عمقه الحقيقي. المزاج العام في الولايات المتحدة يعيش حالة إعادة تشكّل بطيئة، ولكن عميقة ولعلّ حرب الإبادة في غزّة، بكلّ أهوالها وبشاعتها، لعبت دور المسرّع في هذا المسار، فالتدفّق الكثيف للصور الفظيعة والمشاهد المفزعة لما فعلته آلة الإجرام الإسرائيلية، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، كسرت احتكار الرواية التي طالما تداولها الإعلام التقليدي. فالقصّة لم تعد تُروى من زاوية واحدة، بل أصبحت ساحة تنافس بين سرديات متعدّدة، تتقدّم فيها بقوّة رواية الكلفة الإنسانية والاقتصادية لتلك الحرب الإجرامية، وبالنسبة إلى جيل نشأ في فضاء رقمي مفتوح، لم يعد ممكناً التسليم بالرواية الرسمية الجاهزة من دون مساءلة. في الجامعات الأميركية، خرج هذا التحوّل من طور الكمون إلى العلن، عبّرت عنه احتجاجات واعتصامات، ومطالب ملموسة بمراجعة الاستثمارات أو قطع العلاقات مع جهات مرتبطة بإسرائيل، جعلت من القضية الفلسطينية موضوعاً مركزياً في النقاش العام. ورغم ما أثارته هذه التحرّكات من اتهامات وسجالات حادّة، فإنّ دلالتها الأعمق تكمن في انتقال القضية من الهامش الرمزي إلى قلب الفضاء العمومي. غير أنّ السياسة، كعادتها، أكثر تعقيداً من المزاج العام، ففي داخل الحزب الجمهوري، لا يزال دعم إسرائيل صلباً، يُقدَّم باعتباره التزاماً استراتيجياً وأخلاقياً طويل الأمد. أمّا داخل الحزب الديمقراطي، فقد بدأت ملامح تمايز تظهر بوضوح أكبر. ثمّة تيار متنامٍ يدعو إلى إعادة النظر في طبيعة هذا الدعم، سواء عبر ربطه بشروط تتعلّق بحقوق الإنسان أو عبر تقليصه. مع ذلك، يصطدم هذا التيار بثقل المؤسّسة التقليدية التي ترى في العلاقة مع إسرائيل ركيزةً لا يمكن التفريط فيها من دون كلفة استراتيجية. برزت إسرائيل ليس فقط حليفاً استراتيجياً، بل أيضاً، في نظر بعض الأميركيين، سبباً لمعظم مشاكل واشنطن في الشرق الأوسط أضاف العدوان على إيران طبقةً جديدةً من التعقيد، فجزء معتبرٌ من الرأي العام الأميركي، المثقل بإرث الحروب في الشرق الأوسط، أصبح أكثر حذراً من أيّ انخراط جديد في نزاعات إقليمية. وفي هذا السياق، برزت إسرائيل ليس فقط حليفاً استراتيجياً، بل أيضاً، في نظر بعض الأميركيين، سبباً لمعظم مشكلات واشنطن في الشرق الأوسط، خصوصا بعد انتشار رواية إنّ تل أبيب هي من زجّت الأميركيين في حرب ليست حربهم. هذا الإدراك، حتى إن كان محدود الانتشار، يعكس تحوّلاً مهماً في طريقة قراءة المصالح. مع ذلك، من التسرّع الحديث عن انقلاب كامل في الموقف الأميركي، فما نشهده أقرب إلى تحوّل تدريجي، غير متوازن، تتعايش فيه اتجاهات متناقضة، تتراوح بين دعم مؤسّسي قوي ومتماسك من جهة، ورأي عام أكثر انقساماً وجرأة في طرح الأسئلة من جهة أخرى. ما تغيّر فعلياً ليس جوهر السياسة، بل شروط النقاش حولها. لقد فقد الدعم لإسرائيل جزءاً من "حصانته الرمزية"، وأصبح موضوعاً للنقد والمساءلة، وهذا في حدّ ذاته تحوّل نوعي. داخل الحزب الديمقراطي، يتجسّد هذا التغير في تزايد عدد الأصوات المطالبة بإعادة تقييم المساعدات العسكرية لإسرائيل، صحيح أنّ القيادة الحزبية لا تزال متمسّكة بالخط التقليدي، لكنّها تواجه ضغطاً متصاعداً من قاعدتها الانتخابية، خاصّةً بين الشباب والأقلّيات. في المقابل، ورغم تماسك الموقف الجمهوري، بدأت تظهر أصوات، وإن كانت محدودةً، تحذّر من مغبّة الانخراط في صراعات خارجية مفتوحة، خصوصاً في ظلّ احتمالات التصعيد مع إيران. في هذا السياق، يبرز نقاش آخر لا يقلّ أهميةً عن كلفة أيّ تراجع أميركي محتمل، إذ إنّ هناك من يرى أنّ تقليص الدعم لإسرائيل قد ينعكس سلباً على مصداقية الولايات المتحدة لدى حلفائها، ويضعف موقعها في توازنات الشرق الأوسط. هذا التخوّف يعكس استمرار قوة المنظور الاستراتيجي التقليدي، حتى في لحظة اهتزازه. لا تبدو الولايات المتحدة على وشك التخلّي عن دعمها إسرائيل، لكنّ هذا الدعم لم يعد بمنأى عن النقاش العام ضمن هذا الجدل، يلفت المؤرّخ الإسرائيلي عومر بارتوف، الذي يعيش في أميركا، الانتباه إلى زاوية مقلقة. ففي قراءته، قد تتحوّل إسرائيل إلى دولة منبوذة، ليس بسبب معاداة السامية، بل نتيجة سياساتها. الأخطر (في نظره) أنّ صعود اليمين الشعبوي في الولايات المتحدة وأوروبا يعيد إنتاج خطاب يحمّل اليهود وإسرائيل مسؤولية أزمات مجتمعاتهم، ما قد يفتح الباب أمام انزلاقات سياسية خطيرة. بهذا المعنى، فإنّ تراجع الدعم الأميركي، إن حدث، لن يكون بلا أثمان جانبية. وعند الحديث عن مستقبل العلاقة بين واشنطن وتل أبيب، يطرح بارتوف، في حوار مطوّل مع "هآرتس" العبرية، فرضيةً أكثر إثارة للقلق، تحذّر من أنّ التحوّل قد لا يأتي من داخل التيار التقدّمي، بل من قلب اليمين نفسه. فشخصيات صاعدة في محيط دونالد ترامب، مثل جي دي فانس أو تاكر كارلسون، قد تدفع نحو مقاربات مختلفة، أقلّ التزاماً بالعلاقة التقليدية مع إسرائيل. عندها، قد لا يكون التغيير تدريجياً كما يبدو اليوم، بل أكثر حدّة وقطيعة. لا تبدو الولايات المتحدة على وشك التخلّي عن دعمها إسرائيل في المدى القريب، لكنّ المؤكّد أنّ هذا الدعم لم يعد بمنأى عن النقاش العام. وإذا كان من فضل للحرب على غزّة، التي دفع الفلسطينيون (وما زالوا) كلفتها الغالية من دمائهم وحياتهم، أنها فتحت باباً ظلّ مغلقاً عقوداً، وسمحت بطرح أسئلة كانت إلى وقت قريب من المحرّمات. وبين ثقل المؤسّسة وحيوية المجتمع، يتشكّل تدريجياً مشهد جديد، قد لا يغيّر السياسات فوراً، لكنّه يعيد رسم الإطار الذي تُفهم وتُناقش داخله ومن خلاله. وفي السياسة، غالباً ما تبدأ التحوّلات الكبرى بخطوات صغيرة.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows