Arab
عادت أزمة الغاز المنزلي لتتصدر المشهد المعيشي في مدينة تعز جنوب غربي اليمن، مع تجدد الاختناقات الحادة وطوابير الانتظار الطويلة أمام محطات التعبئة، في مشهد يعكس عمق الفجوة التموينية التي تضرب المدينة المكتظة بالسكان.
وفي وقت تغيب فيه المادة عن المنافذ الرسمية، قفزت أسعار الأسطوانة في السوق السوداء إلى مستويات قياسية تراوحت بين 20 و25 ألف ريال، بعيداً عن السعر الرسمي المحدد بـ 9 آلاف ريال (الدولار = 1560 ريالاً)، ما ضاعف الأعباء على كاهل السكان الذين عبروا عن استيائهم من تقليص الحصص المعتمدة من الشركة اليمنية للغاز.
يقول المواطن جلال شمسان لـ "العربي الجديد": "أزمة الغاز في تعز تتكرر بشكل دوري كل شهرين أو ثلاثة دون معالجات جذريّة. سجلت اسمي لدى الوكيل وانتظرت أكثر من أسبوعين دون جدوى، ما اضطرني في النهاية للشراء من السوق السوداء بمبلغ 22 ألف ريال".
عجز الإمدادات ورحلة الانتظار
أفاد وكلاء ومواطنون بأن الإمدادات الواصلة من شركة صافر في مأرب لم تعد تلبي الحد الأدنى من الاحتياجات، إذ يتطلب الحصول على أسطوانة غاز رحلة انتظار شاقة تمتد لأسابيع في قوائم الحجز، ما يضع الأسر أمام خيارين: الانتظار المرير أو الشراء بأسعار مضاعفة.
ونفذ مئات السائقين في تعز، السبت الماضي، وقفة احتجاجية أمام مقر السلطة المحلية تنديداً بتقليص الحصة واختفاء المادة. وطالب المحتجون بصرف الحصة المعتمدة كاملة والبالغة سبع مقطورات يومياً، مؤكدين أن النقص الحالي تسبب في شلل حركة النقل، كون 85% من المركبات في المدينة تعتمد على الغاز بديلاً اقتصادياً للبنزين. واتهم المشاركون في الوقفة شركة الغاز ونافذين بالتلاعب بالكميات وبيعها في السوق السوداء، مشيرين إلى "تهريب" ممنهج للغاز نحو مناطق سيطرة الحوثيين عبر محطات وهمية، وسط غياب تام للرقابة الحكومية.
تقليص الحصص واتساع الفجوة
أرجع مسؤول في الشركة اليمنية للغاز بتعز تفاقم الأزمة إلى تقليص الحصص الواردة من مأرب بنسبة تزيد عن 40%، حيث تراجعت الإمدادات اليومية من 12 مقطورة إلى سبع مقطورات فقط، ما أضعف قدرة المحطات المركزية السبع في المحافظة على تغطية الطلب.
وأكد المسؤول أن هذا العجز أضعف قدرة المحطات المركزية السبع في المحافظة على تلبية احتياجات السوق، مشيراً إلى أن شح الكميات تسبب في تعقيد آلية التوزيع على شبكة الوكلاء الواسعة التي تضم نحو 600 وكيل منتشرين في مختلف المديريات، ما حال دون قدرتهم على تغطية الطلب المتزايد للمواطنين.
وحسب مكتب الصناعة والتجارة بتعز فإن محافظة تعز كانت تحصل خلال الفترة بين عامي 2018 و2020 على كامل حصتها من الغاز بنسبة 100%، إلا أن هذه الحصة انخفضت لاحقاً إلى نحو 50% فقط، رغم الزيادة الكبيرة في حجم الاستهلاك داخل المحافظة.
اقتصاديات الفساد والتهريب
تبرز في عمق الأزمة مفارقة توجيه شحنات الغاز نحو محطات تعبئة السيارات (الطرمبات) على حساب الأسطوانات المنزلية، سعياً خلف هوامش ربح سريعة؛ فبينما يُلزم الوكلاء بسعر تسعة آلاف ريال، تُباع المادة في الطرمبات (آلة الضخ) بـ 11 ألف ريال، فضلاً عن رغبة المحطات في توفير تكاليف العمالة والديزل المطلوبة لتعبئة الأسطوانات يدوياً.
هذا الاختلال جعل وكلاء الغاز في مأزق مالي، حيث تبلغ تكلفة الأسطوانة عليهم نحو 8.350 ريالاً (شاملة النقل والإتاوات)، ما يترك هامش ربح ضئيلا لا يغطي الإيجارات ومصاريف العمال، وهو ما أدى إلى ازدهار نشاط الطرمبات التي تستحوذ على "نصيب الأسد" من الغاز المدعوم.
لا تنفصل الأزمة عن قرار جماعة الحوثي في مايو/ أيار 2023 بوقف شراء غاز مأرب والاعتماد على الغاز المستورد عبر ميناء الحديدة، ما خلق "سوقين وسعرين" متناقضين. ويرى مراقبون أن الفارق السعري الكبير أغرى شبكات نافذة لتهريب مخصصات تعز نحو مناطق الحوثيين لتحقيق أرباح غير مشروعة، محولين المحافظة إلى مجرد ممر لتهريب السلعة الحيوية.
معاناة إنسانية وشلل في النقل
خلف الأرقام، تبرز مأساة الأسر، خاصة العائدة من النزوح بعد فتح طريق "جولة القصر"، حيث ارتفع الطلب بنسبة 60%، ما أدى إلى استنزاف ربع الحصة الرسمية لصالح القادمين الجدد.
سائق حافلة ركاب، فهد عبدالعزيز، يتحدث بمرارة لـ "العربي الجديد": "منذ أسبوع وأنا أحاول الحصول على الغاز، قضيت يوماً كاملاً في الطابور وانتهت الكمية قبل وصول دوري. اضطررت لإيقاف الحافلة أمام المنزل والتوقف عن العمل".
بدوره، أكد عضو اللجنة الإعلامية لنقابة الغاز بتعز، محمد العزي، أن القطاع يعاني من غياب العدالة، حيث تُمنح الأولوية للطرمبات في مخالفة صريحة للقانون. وأشار العزي إلى أن المحطات المركزية لا يصلها فعلياً سوى ثلث الكمية، وسط تلاعب ببيع حصص الوكلاء لمحطات السيارات.
وأوضح العزي أن هذا الخلل يعود إلى سعي أصحاب المحطات المركزية خلف فارق السعر وتفضيلهم تموين كبار المستهلكين لتوفير تكاليف التشغيل والعمالة والديزل التي تتطلبها تعبئة الأسطوانات للوكلاء، مما جعل محطات السيارات تعمل على مدار الساعة مقابل عجز كبير في حصص الوكلاء المعتمدة وفق الكثافة السكانية".
وتتلاقى مطالب المواطنين والوكلاء عند ضرورة استعادة حصة المحافظة الكاملة واعتماد "حصة إسعافية" تماشياً مع الانفجار السكاني الجديد، وتفعيل رقابة صارمة تبدأ من مأرب وحتى خزانات المحطات، لضمان وصول الأسطوانة للمستهلك بسعرها الرسمي. كما يشدد مراقبون على أهمية إنشاء مخزون استراتيجي داخل تعز لامتصاص صدمات السوق وقطع الطريق أمام تجار الحروب الذين يقتاتون على أوجاع السكان.

Related News
هل تنضم بيلاروسيا إلى الحرب على أوكرانيا؟
alaraby ALjadeed
13 minutes ago
بائعات الخضار في الصومال... رحلة كفاح يومية
alaraby ALjadeed
43 minutes ago
هل أصبح بقاء النصر في الصدارة مرهوناً بوجود ساديو ماني؟
aawsat
50 minutes ago