Arab
مع شروق شمس كل يوم جديد، تبدأ رحلة كفاح شاقة لنساءٍ صوماليات يقفن خلف طاولات متواضعة تعرض أصنافاً من الخضروات التي تنتظر مشترٍ قد يأتي أو لا يأتي. وخلف كل بائعة منهنّ، تقف أفواه أطفال جياع ينتظرون قوت يومهم من أمهات يتحملن عبء الإعالة بمفردهن.
تجسد حالة عدِّي نسيب عبدي هذه المعاناة القاسية، وهي واحدة من ضمن 60 امرأة جرى نقلهن من جوانب الطريق الإسفلتي في منطقة "إسطنبول"، التي تبعد قرابة 20 كيلومتراً شمال مدينة كسمايو، إلى موقع جديد. وتؤكد السيدة الصومالية أن قرار النقل الذي طُبق منذ أواخر شهر مارس/ آذار الماضي أدخلهن في دوامة من الضائقة المالية الحادة، إذ فقدن العنصر الأهم لاستمرار تجارتهنّ البسيطة: الزبائن.
عزلة الموقع الجديد
تشير عبدي إلى أنّ الموقع الجديد يعاني من العزلة مقارنة بالطريق الرئيسي القديم، الذي كان يعج بالمارة ويشكل شريان الحياة لمبيعاتهن. واليوم، تقف النساء عاجزات أمام بضائعهن التي تتلف بمرور الأسابيع، دون أن تجد من يشتريها حتى بأبخس الأثمان.
وتقول بمرارة إنّ الزبائن لا يرون ما يدفعهم إلى دخول السوق الجديد، مضيفة: "من يملك المال لن يترك الطريق ويدخل إلى هنا. الجميع يشتري من الخارج ثم يغادر".
لم تقف تداعيات النقل عند ضعف الإقبال فحسب، بل امتدت لتكبّد البائعات خسائر مادية فادحة. فخلال ثلاثة أسابيع فقط، اضطرت عبدي إلى التخلص من نحو 500 حبة موز وثلاثة أوعية من الطماطم الفاسدة. وترافق ذلك مع تراكم ديون بلغت 75 دولاراً لصالح المزارعين الموردين. فبعد أن كان دخلها اليومي يتراوح بين 7 و10 دولارات، تراجع على نحوٍ مخيف ليصبح نصف دولار فقط في أفضل الأيام. وتلخص عبدي حجم المأساة بقولها: "الخضروات فسدت، والديون تراكمت علينا… الخسائر كبيرة".
البائعة الصومالية التي شيّدت مشروعها قبل عام ونصف عام برأسمال جمعته بشق الأنفس من العمل في قطاع البناء، تفكر بجدية في الاستسلام والتوقف عن العمل. فرغم إدراكها للمخاطر التي كانت تكتنف موقعها القديم بسبب السيارات المسرعة، إلّا أن الجوع الذي يطارد أطفالها دفعها لاستدانة الطعام من تجار محليين، في ظلّ غياب أي ضمانات لاستمرار هذا الدعم المحدود. وتقترح، كحل للأزمة، نقل أنشطة تجارية أخرى كبائعي اللحوم والألبان إلى السوق الجديد لخلق حركة تجارية متكاملة تجذب المتسوقين.
أسواق الصومال ومطالبات الدائنين المستمرة
لا تبدو قصتها حالة فردية، بل هي مرآة تعكس واقعاً مريراً تعيشه زميلاتها في السوق. الأم لثمانية أطفال، فرحيا عبد الله محمد، تتجرع الكأس ذاتها، إذ فقدت كميات هائلة من الفواكه والخضروات التي شملت الموز والبطيخ والليمون والفلفل، والتي كانت قد اشترتها بالدين. وتقول فرحيا: "لا أملك شيئاً… كل ما لدي هو هذه الخضروات التي أطعم منها أطفالي. تكبدت خسائر فادحة".
وتتعاظم الضغوط على فرحيا مع مطالبات الدائنين المستمرة، والتي وصلت حد التهديد بالزج بها في السجن لولا تدخل الجيران لمنحها مهلة للسداد. وأمام هذه الظروف الخانقة، اتخذت فرحيا قراراً مؤلماً بإخراج خمسة من أطفالها من مقاعد الدراسة، لعجزها التام عن توفير الرسوم الشهرية البالغة 15 دولاراً. وتستذكر بحسرة أيام السوق القديم حين كان موظفو المنظمات يشكلون قوة شرائية مكنتها من إعالة أسرتها وتأمين مستقبل أبنائها التعليمي.
تُمثل هؤلاء النساء العائل الوحيد لأسرهنّ، وكُنّ يعقدن الآمال على مشاريعهنّ الصغيرة لانتشالهنّ من براثن الفقر، ليجدن أنفسهنّ اليوم أسيرات لكساد تجاري وتراكم للديون.
من الجانب الرسمي، يبرّر المسؤولون المحليون خطوة النقل بأنها جاءت استجابة لضرورات أمنية بحتة، تهدف إلى حماية أرواح البائعات من خطر المركبات المسرعة على الطريق السريع. ويشير المسؤولون إلى أن السوق الجديد مجهز بعشرات الطاولات والمحال، مقرين في الوقت ذاته بالحاجة إلى توسعته ليتناسب مع الكثافة العددية للباعة.
وتضع هذه المعادلة المعقدة البائعات أمام خيارَين أحلاهما مر: إما البقاء في أمان موقعٍ معزول يهدّدهن بالجوع وتراكم الديون، أو المخاطرة بأرواحهنّ والعودة إلى حافة الطريق بحثاً عن لقمة عيش كريمة.
وتعاني الصومال، المرتبطة سمعتها بالعنف والقرصنة، من تبعات حرب أهلية طويلة الأمد، ما أدى إلى انهيار مؤسسات الدولة، وتردي الأوضاع الاقتصادية. وبناتج محلي يبلغ 13.89 مليار دولار وعدد سكان يقارب 19 مليون نسمة، جاءت الصومال ضمن قائمة أفقر 10 دول في العالم لعام 2025، وفقاً لمجلة فوربس الهندية.

Related News
أيديولوجية الخير والشر
alaraby ALjadeed
23 minutes ago
وفاة 21 وإصابة 61 في انفجار بمصنع ألعاب نارية في الصين
aawsat
40 minutes ago