Arab
تزامناً مع تكثيف روسيا هجماتها بالمسيّرات والصواريخ، وتقدم قواتها ببطء نحو مدينة كوستيانتينيفكا في مقاطعة دونيتسك شرقي أوكرانيا، جدد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الجمعة الماضي، التحذير من إمكانية فتح جبهة جديدة ضد بلاده من بيلاروسيا. وبعد نحو أسبوعين من حثه بيلاروسيا على عدم الانجرار إلى الحرب على بلاده، قال زيلينسكي في خطابه اليومي مساء الجمعة الماضي: "بالأمس، كان هناك نشاط غير معتاد إلى حد ما على الحدود الأوكرانية مع بيلاروسيا من الجانب البيلاروسي". وزاد "نحن نراقب الوضع من كثب، ونبقي كل شيء تحت السيطرة، وسنرد إذا لزم الأمر". وفي تغريدة على منصة إكس، قال زيلينسكي في 17 إبريل/ نيسان الماضي، إنه "وفقاً للمعلومات الاستخبارية، يجري حالياً إنشاء طرق باتجاه الأراضي الأوكرانية، إلى جانب تطوير مواقع مدفعية في المناطق الحدودية البيلاروسية. نعتقد أن روسيا قد تحاول مرة أخرى جرّ بيلاروسيا إلى حربها". وفي التصريحين لم يوضح زيلينسكي تقديرات كييف بشأن الهدف من التحركات والنشاطات على الحدود.
بيلاروسيا في الحرب الأوكرانية
وبعد ساعات من تصريح زيلينسكي، نشرت eRadar، وهي قناة تحليل حرب أوكرانية على منصة تليغرام، في 17 إبريل الماضي، بعض الصور الفضائية الملتقطة في شهر مارس/آذار الماضي في المناطق الحدودية لبيلاروسيا. ووفقاً للقناة، تُظهر الصور إنشاء نقطة حدودية جديدة، وبلدة عسكرية، وميدان تدريب، وسدّ، وساتر ترابي لتحريك المركبات العسكرية. وحينها قال رئيس مركز مكافحة التضليل في أوكرانيا أندريه كوفالينكو: "يبدو أن بيلاروسيا كُلّفت بالفعل من قبل روسيا بإبقاء قواتنا في حالة تأهب قبل هجومها الربيعي - الصيفي في الشرق والجنوب". وبعدها بثلاثة أيام، قال أندري ديمتشينكو، المتحدث باسم جهاز حرس الحدود الأوكراني في مقابلة مع القنوات الحكومية، إن الجهاز لم يرصد أي حشود للقوات البيلاروسية أو الروسية قرب الحدود. ورجح أن الجانب البيلاروسي يتابع تنفيذ مخططات سابقة أعلن عنها الرئيس ألكسندر لوكاشينكو في مايو/ أيار 2022، لإنشاء غرفة قيادة عمليات جنوبية على الحدود مع أوكرانيا. وأضاف: "في إطار حملتهم الإعلامية، أعلنوا (البيلاروسيون) سابقاً إنشاء قيادة عملياتية جنوبية، تحديداً على طول الحدود مع أوكرانيا. وقد تكون هذه المواقع ومناطق التدريب وطرق الوصول أُنشئت ضمن هذا الإطار".
زيلينسكي يتحدث عن "نشاط غير معتاد إلى حد ما على الحدود الأوكرانية مع بيلاروسيا من الجانب البيلاروسي"
وبعيداً عن إمكانية أن يكون الهدف من تصريحات زيلينسكي قطع الطريق على أي تطبيع بين مينسك والاتحاد الأوروبي، بعد التقارب الواضح في العلاقات الروسية البيلاروسية في عهد الرئيس الأميركي دونالد ترامب عبر دبلوماسية الإفراج عن المعتقلين، فإن كييف ربما ترغب في مزيد من الدعم العسكري الأوروبي للصمود، على جبهة تصل إلى ألفي كيلومتر وممكن أن تتسع في حال انضمام بيلاروسيا. ورغم عدم توضيح زيلينسكي أهداف بيلاروسيا من التحركات، فإن الحديث يدور حول سيناريوهين؛ الأول، انضمام الجيش البيلاروسي للحرب على أوكرانيا. والثاني، تكرار ما حدث في بداية الحرب.
ومن المستبعد أن تغامر مينسك في المشاركة في حرب نأت عنها، قدر الإمكان، منذ أكثر من أربعة أعوام، خصوصاً في ظل تصاعد الآمال بالتقارب مع الغرب. وبعد تصريحات زيلينسكي الأولى، قلل "فريق استخبارات الصراع" (مشروع استخبارات مفتوحة المصدر متخصص في التحقيق في أنشطة القوات المسلحة الروسية) من أهمية المنشآت المشيدة على الحدود، وأوضح في تقرير، أن أعمال البناء تمثل نشاطاً عسكرياً روتينياً، ولا تشير إلى استعدادات لتوغل بري في أوكرانيا. وقال أحد أعضاء الفريق لموقع "قصص مهمة" الروسي، في 22 إبريل الماضي: "لا نرى إنشاء مواقع مدفعية أو تركيزاً للمركبات العسكرية".
ورغم دعم مينسك للكرملين في حربه على أوكرانيا، فإنها لم تنخرط بشكل مباشر في الحرب واقتصرت على فتح طريق للهجوم والانسحاب في بداية الحرب، في 24 فبراير/شباط 2022، ولكنها وفرت نقطة انطلاق للجيش الروسي لمهاجمة كييف وشمال أوكرانيا. كما ساهمت في علاج الجرحى في مستشفياتها، وأمّنت عدداً من قطع الغيار اللازمة للمعدات العسكرية الروسية، إضافة إلى توفير قناة للحصول على تقنيات ممنوع تصديرها لروسيا بموجب العقوبات. ومن المؤكد أن إنشاء المنطقة العسكرية الجنوبية في بيلاروسيا، شكّل عاملاً ضاغطاً على أوكرانيا، وأجبرها على إبقاء قسم من الجنود على الحدود مع جارتها الشمالية، رغم تدمير معظم الجسور الرابط بينهما. وفي نهاية العام الماضي، أفاد زيلينسكي في قناته على منصة تليغرام، بأن بيلاروسيا نصبت أجهزة إعادة إرسال على أراضيها، للمساعدة في توجيه الطائرات المسيرة الروسية التي تستهدف بلاده، وبعضها تم نصبه على أسطح المنازل قرب الحدود.
وبعد شهرين، أعلن وزير الدفاع الأوكراني ميخايلو فيدوروف، في 27 فبراير الماضي تدمير شبكة لاسلكية كانت تُستخدم للتحكم في الطائرات المسيّرة الهجومية في شمال أوكرانيا. وشرح المستشار في وزارة الدفاع الأوكرانية سيرغي بيسكريستينوف أن هناك عدة مواقع في بيلاروسيا كانت تتلقى منها الطائرات الإشارة، ثم تعيد بثها وتعززها فيما بينها (وهو ما يشكّل شبكة mesh). ولم يحدد الجيش الأوكراني كيفية تدمير أجهزة إعادة الإرسال البيلاروسية. ومنذ ذلك الحين، لم ترد تقارير عن استخدامها.
يقدر مشروع Global Military عدد القوات البيلاروسية بنحو 45 ألف جندي
وحتى في حال توفر الرغبة والإرادة لدى لوكاشينكو للمشاركة في الحرب، فإن أوضاع جيشه لا تؤهله لأداء دور كبير. وحسب تصريحات لوكاشينكو في الثاني من إبريل الماضي فإن عدد المقاتلين في الخدمة 70 ألفاً، ويمكن أن يصل العدد إلى 100 ألف في حال إضافة قوات وزارة الداخلية. وبغض النظر عن صحة هذا العدد، فإن مشروع "Global Military" يقدر عدد القوات البيلاروسية بنحو 45 ألف جندي، بينما تقدر الاستخبارات اللاتفية العدد بنحو 50 ألفاً، وهو ضئيل جداً مقارنة بنحو 700 ألف روسي يقاتلون في أوكرانيا حسب تصريحات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في نهاية العام الماضي. ومن المستبعد أن تسمح الظروف الديمغرافية، والقضايا الإدارية والاقتصادية لمينسك برفع عدد الجيش إلى نصف مليون، كما قال لوكاشينكو في مطلع الشهر الماضي، أثناء تفتيش شامل للقوات المسلحة في بيلاروسيا. وتدور شكوك حول جهوزية الجيش البيلاروسي القتالية، والذي لم يخض أي حرب من الاستقلال عن الاتحاد السوفييتي في 1991.
أسلحة سوفييتية
وفيما يخص العتاد، فإن معظم الأسلحة والمعدات العسكرية التي تملكها بيلاروسيا موروثة من الحقبة السوفييتية، وعلى قدمها فمن المرجح أن المخزونات لدى الجيش البيلاروسي استنزفت. وأفاد تقرير لموقع دويتشه فيله الألماني في أكتوبر/تشرين الأول 2022، بأن هناك أدلة على نقل بيلاروسيا قسماً من مخزونات الأسلحة لديها، عبر السكك الحديدية، إلى روسيا لتموينها في الحرب. وقال لوكاشينكو قبل عامين: "إذا دخلنا الحرب ضد أوكرانيا اليوم، فسيكون ذلك بلا جدوى. حدودهم مع بيلاروسيا محصنة بشدة بحيث يستحيل الاقتراب منها". ووفقاً له، لدى القوات المسلحة الأوكرانية نحو 120 ألف جندي متمركزين على الحدود مع بيلاروسيا، لكن لجنة الحدود البيلاروسية قدرت العدد في نهاية يناير/ كانون الثاني 2025 بنحو 15 ألفاً فقط. ومن غير المستبعد أن مبالغة لوكاشينكو كان رسالة للكرملين لتبرير الابتعاد قدر الإمكان عن التورط في الحرب. ولا تحظى المشاركة بالحرب بتأييد شعبي في بيلاروسيا، ورغم عدم وجود استطلاعات جديدة فإن استطلاعات أكتوبر 2023 كشفت أن 60% من البيلاروسيين مع وقف النار وإطلاق مفاوضات.
ومع الاحتمالات الضئيلة لمشاركة بيلاروسيا في الحرب، يبقى الخيار الثاني وهو السماح لروسيا بمهاجمة أوكرانيا انطلاقاً من أراضيها كما حصل في 2022. وفي هذا الإطار، تطرح أسئلة تتعلق بقدرة روسيا على تخصيص مئات آلاف الجنود في جبهة جديدة تشتت جهدها الأساسي في دونيتسك. ورغم إمكانيات روسيا الديمغرافية الكبيرة مقارنة بأوكرانيا فإنها عاجزة عن رفع عدد جيشها عبر الطرق الحالية، ولا يرجح أن تطلق حملة تعبئة جديدة على غرار خريف 2022. مع ذلك، من غير المستبعد لجوء روسيا إلى استفزازات من الأراضي البيلاروسية، لتخفيف الضغط عن قواتها في خاركيف وسومي، في شمال شرق أوكرانيا، وتمكينها من إنجاز مهمة بناء مناطق عازلة في هاتين المقاطعتين. وأخيراً، من غير المستبعد أن حديث زيلينسكي جاء بناء على تقديرات استخبارية أوكرانية. وربما سعى زيلينسكي إلى التهويل من خطر انضمام بيلاروسيا إلى الحرب، لتبرير إجراءات قد يقدم عليها مثل التعبئة القسرية، وعدم تركيزه على مكافحة الفساد، وعدم تأثير هذه الإجراءات على حظوظه في الترشح للرئاسة مرة أخرى.

Related News
أيديولوجية الخير والشر
alaraby ALjadeed
25 minutes ago
وفاة 21 وإصابة 61 في انفجار بمصنع ألعاب نارية في الصين
aawsat
42 minutes ago