Arab
أكّد زعيم حزب "فرنسا الأبية" اليساري الراديكالي، جان لوك ميلانشون، مساء الأحد، ما كان شبه مؤكد منذ أشهر: ترشّحه للانتخابات الرئاسية المقبلة في فرنسا. إعلانٌ رسمي يضيف اسم جان لوك ميلانشون إلى قائمة مرشحين باتت طويلة منذ الآن، رغم أن الاستحقاق الانتخابي لن يُقام إلا بعد نحو عام، في إبريل/ نيسان 2027.
في معسكر اليمين والوسط، تتنافس أسماء ثلاثة على ملء الفراغ الذي سيتركه الرئيس إيمانويل ماكرون، الممنوع دستورياً من الترشح لولاية ثالثة. والحديث هنا عن رئيسَي حكومتين سابقتين في عهده، هما إدوار فيليب وغابريال أتال، وعن برونو روتايو، زعيم حزب "الجمهوريون" اليميني، الذي حسم ترشحه رسمياً الشهر الماضي. أما اليمين المتطرف، ممثَّلاً بحزب "التجمع الوطني"، فهوية مرشّحه معلّقة على ما ستؤول إليه قضية زعيمته الفعلية مارين لوبان أمام محكمة الاستئناف في يوليو/ تموز المقبل، والتي ستحدد ما إذا كانت لوبان ستخوض المعركة الانتخابية بنفسها، أم يخوضها عنها جوردان بارديلا، رئيس الحزب، في حال صدور حُكم بحقّها. في هذا الزحام، يتخذ ميلانشون موقعه المعتاد منذ نحو عقد، بوصفه الوزن الانتخابي الأثقل في معسكر يساري لا يكف عن إعادة إنتاج انقساماته.
لم يحسم اليمين المتطرف بعد اسمه مرشحه، بين مارين لوبان وجوردان بارديلا
مشكّكون في حظوظ جان لوك ميلانشون
في اللقاء التلفزيوني الذي أعلن خلاله ترشحه، على شاشة "تي إف 1"، قال جان لوك ميلانشون إنه المرشّح القادر على هزيمة يمين متطرف تضعه استطلاعات الرأي في مقدّمة المرشّحين في الدور الأول من الانتخابات المقبلة، وهو بذلك يستند إلى رصيده في انتخابات عام 2022 التي حلّ ثالثاً فيها بفارق قليل من الأصوات (400 ألف صوت) وراء مارين لوبان، متقدماً على سائر مرشحي اليسار مجتمعين. على أن حزبه، الذي يقول إنه "الأكثر استعداداً" فيها، يبدو اليوم على مسافةٍ مما كان عليه في 2022. فقد فقَدَ في الأعوام الماضية عدداً من أبرز كوادره الذين غادروه بسبب استئثار ميلانشون، بحسبهم، بقرارات الحركة ورؤيتها وتمثيلها.
وقد انضم هؤلاء، ومن بينهم أليكسي كوربيير وكليمونتين أوتان، إلى تيار واسع من المشككين في حظوظ ميلانشون، ليس داخل اليسار وحده، حيث يرى فيه كثيرون عقبةً أمام أي توحيد الصف، بل وخارجه أيضاً. وتعزّز هذا الرأي الأرقامُ التي تقدّمها استطلاعات الرأي، والتي يحظى ميلانشون فيها، في أحسن الأحوال، بـ13% من نيّات التصويت في الدور الأول. هذا ما يُظهره، مثلاً، استطلاع لشركة "تولونا هاريس إنتيراكتيف" نُشر الاثنين، وهو، مثل أغلب الاستطلاعات، لا يعطي مرشّح "فرنسا الأبية" أي حظوظ جدّية في سيناريوهات الدور الثاني. لكنّ المقرّبين من زعيم "فرنسا الأبية" يقولون إنهم يعرفون هذه النغمة جيداً، وإن استطلاعات الرأي لم تتوقع أبداً حصول ميلانشون على أكثر من 21% من الأصوات عام 2022.
على أن التباين بين الأرقام والخطاب ليس تفصيلاً في رؤية جان لوك ميلانشون السياسية، بل جزء من تركيبتها. فالرجل يبني حملاته، منذ أكثر من عقد، على قناعةٍ بأن المعركة الانتخابية لا تُحسم في استطلاعات الرأي ولا تتأثر بتحليلات "الخبراء" الذين تستضيفهم قنوات الأخبار، بل تُخاض في فضاء موازٍ يشمل المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام البديلة، إلى جانب الحضور على الأرض. ومن هذا أنه سيفتتح حملته بمؤتمر صحافي غداً الأربعاء، دعا إليه "وسائل الإعلام الجديدة" فقط. وهو، بهذا المعنى، لا يخاطب الرأي العام الذي تقيسه الاستطلاعات بقدر ما يسعى إلى إعادة تشكيله، في رهان على جمهور يرفض أساساً الإعلام السائد ويرى فيه جزءاً من المنظومة التي لا بدّ من تغييرها.
تضع حملة ميلانشون في واجهة حملتها برنامجاً مفصّلاً، يضم مئات الوعود برفع الحد الأدنى للأجور وإعادة توزيع الثروة وتسريع الاستجابة للتغيّر المناخي وتغيير بنية النظام
وإذا كان المتابعون للانتخابات الفرنسية يتوقفون في كثير من الأحيان عند غياب برامج واضحة لدى بعض المرشحين، أو عند اكتفائهم بعموميات لا تتجاوز العناوين الكبرى، فإن حركة ميلانشون تفخر بأنها تقدّم العكس تماماً. إذ تضع في واجهة حملتها برنامجاً مفصّلاً، هو "المستقبل المشترك"، يضم مئات الوعود التي تمتد من رفع الحد الأدنى للأجور وإعادة توزيع الثروة إلى التسريع بالاستجابة للتغيّر المناخي وتغيير بنية النظام السياسي والانتخابي في البلد. ويجد خطابٌ كهذا صدىً لدى فئات من اليسار راحت تتململ من انزياح "الحزب الاشتراكي" في بعض القضايا السياسية والاقتصادية نحو مواقع ومبادئ أقرب إلى الوسط واليمين، في حين يُنظَر إلى حزبي "الشيوعي" و"البيئيين" بوصفهما غير قادرين على حمل مشروع جامع أو تشكيل قوة انتخابية مؤثرة.
في المقابل، يعرف ميلانشون أن جزءاً من رهانه يتجاوز برنامجه إلى بنية اليسار نفسه. فحركته، التي ترفض الانتخابات التمهيدية، تنطلق من قناعةٍ بأن تشتّت اليسار لن يبقى على حاله حتى موعد الاقتراع، وأن حقيقة اللحظة الانتخابية قد تفرض في الأسابيع الأخيرة ما عجزت عنه السياسة طيلة أشهر. وهو ما بنى عليه ميلانشون في انتخابات 2017 و2022، حيث تحقق رهانه جزئياً عبر كسبه أصواتاً من اليسار لم تتنبأ بها الاستطلاعات، جاءت كما يبدو من شرائح فضّلت التصويت لمرشح اليسار الأوفر حظاً بدلاً من تشتيت أصواتها بين عدة مرشحين. لكن، رغم ذلك، لم يستطع ميلانشون أن يتجاوز في أي من محاولاته الثلاث الماضية عتبة الدور الأول. وهو اليوم يعيد التجربة في الشروط ذاتها تقريباً، مع فارق أساسي يتمثل في أن هذه المرة قد تكون الأخيرة، وهو في الخامسة والسبعين من عمره.

Related News
أيديولوجية الخير والشر
alaraby ALjadeed
26 minutes ago
وفاة 21 وإصابة 61 في انفجار بمصنع ألعاب نارية في الصين
aawsat
43 minutes ago