رواتب القطاع العام في لبنان... زيادة لا تكفي
Arab
1 hour ago
share
تطرح الحكومة اللبنانية مشروع تعديل رواتب موظفي القطاع العام، باعتباره خطوة ضرورية لإعادة جزء من القدرة الشرائية التي تآكلت منذ اندلاع الانهيار المالي في عام 2019. ويُقدَّم هذا الإجراء على أنه محاولة متأخرة لإنصاف شريحة شكّلت تاريخياً الركيزة الأساسية للإدارة العامة، وضمانة لاستمرار المرافق الرسمية في أداء وظائفها. غير أنّ قراءة متأنية للأرقام والمعايير المعتمدة تظهر أنّ هذا التصحيح يبقى دون مستوى الانهيار الفعلي الذي أصاب الأجور، ويقتصر على تحسين اسمي لا ينعكس تحسّناً حقيقياً في الواقع المعيشي. فمنذ بداية الأزمة، دخل الاقتصاد اللبناني في موجة تضخّم غير مسبوقة رافقها انهيار حاد في سعر الصرف، ثم ارتفاع متواصل في الأسعار حتى بعد تثبيت الليرة. وخلال هذه المرحلة، فقدت رواتب موظفي الدولة الجزء الأكبر من قيمتها الفعلية، فيما جرى التعويض عنها عبر إجراءات ظرفية ومجزّأة، مثل بدلات النقل، والمساعدات الاجتماعية، والمنح المؤقتة، من دون إدماجها في أساس الراتب، أو تحويلها إلى سياسة أجور دائمة. وعند مقارنة الزيادات المقترحة بالتضخّم التراكمي منذ عام 2019، يتبيّن أنّ المشروع الحالي لا يعوّض سوى نحو 69% من القيمة التي كان يفترض أن تبلغها الرواتب اليوم إن رُبطت بمؤشر الأسعار، ما يعني بقاء أكثر من ثلث الخسارة قائماً. ولا يقتصر الخلل على حجم التصحيح وحده، بل يمتد إلى آلية توزيعه داخل القطاع العام. فالأرقام تشير إلى أنّ موظفي الفئة الأولى يحصلون على تعويض يغطّي نحو 86% من التضخّم المتراكم، في حين لا تتجاوز نسبة التعويض لدى الفئات الثانية والثالثة والرابعة والخامسة ما بين %63 و65%. هذا التفاوت لا يمكن اعتباره مسألة تقنية بحتة، بل يعكس خللاً بنيوياً في مقاربة الدولة لمبدأ العدالة الاجتماعية، حيث تُمنح الفئات الأعلى دخلاً قدرة أكبر على استعادة خسائرها، فيما تبقى الفئات الأدنى أمام فجوة متزايدة بين دخلها الفعلي وكلفة المعيشة. وتزداد حدّة هذا الخلل عند النظر إلى نمط إنفاق الأسر محدودة الدخل. فالموظفون في الدرجات الدنيا يوجّهون الجزء الأكبر من رواتبهم لتغطية الاحتياجات الأساسية من غذاء ونقل وتعليم واستشفاء وكهرباء واتصالات، وهي قطاعات سجّلت معدلات تضخّم تفوق المعدّل العام للأسعار. وبالتالي، فإن اعتماد التضخّم الإجمالي مؤشراً وحيداً لتصحيح الأجور يُخفي الواقع الحقيقي للتدهور المعيشي، ويُنتج صورة مضلِّلة عن تحسّن الرواتب، فيما القدرة الفعلية على تأمين متطلبات الحياة اليومية لا تزال تتراجع. في المقابل، يبرز في النقاش العام معيار آخر لا يقل التباساً، يتمثّل في مقارنة الرواتب بالدولار قبل الأزمة وبعدها. هذه المقاربة كانت ذات دلالة خلال مرحلة الانهيار النقدي، لكنها فقدت معناها منذ منتصف عام 2023، حين لم يعد التضخّم مرتبطاً فقط بسعر الصرف، بل تحوّل إلى تضخّم بالأسعار على أساس الدولار نفسه. فمنذ تثبيت الليرة وحتى نهاية عام 2025، ارتفعت الأسعار بنحو 63%، ما يعني أنّ ما كانت الأسرة تؤمّنه بمائة دولار بات يحتاج إلى 163 دولاراً. وبذلك لم يعد الدولار معياراً ثابتاً للقيمة، وأي دخل جامد، حتى إن دُفع بالعملة الأميركية، يتعرّض لتآكل فعلي في غياب تصحيح دوري يواكب ارتفاع الأسعار. انطلاقاً من هذه الوقائع، يصعب اعتبار مشروع الحكومة استعادة حقيقية للأجور، بل هو إدارة جزئية للخسارة، وتوزيع محدود لها على الزمن. فالرواتب المعدّلة لا تعيد الموظف إلى موقعه السابق قبل الأزمة، بل تُبقيه عند مستوى أدنى بكثير من الحدّ الأدنى للعيش الكريم. ومع استمرار هذا الواقع، تتحوّل الدولة تدريجياً إلى ربّ عمل عاجز عن تأمين الحماية الاجتماعية لموظفيه، ما ينعكس تراجعاً في الإنتاجية، وتزايداً في الغياب الوظيفي، وتسارعاً في هجرة الكفاءات نحو القطاع الخاص أو خارج البلاد. ولا يقتصر أثر ضعف الأجور على الموظف وحده، بل ينعكس مباشرة على نوعية الخدمات العامة المقدّمة للمواطنين. فإدارة تعاني من الفقر الوظيفي تفقد قدرتها على التخطيط والرقابة والتنفيذ، وتصبح أكثر هشاشة أمام الزبائنية والفساد اليومي، ما يكرّس حلقة مفرغة من ضعف الدولة وتراجع الثقة بها. من هنا، لم يعد ملف الرواتب شأناً مطلبياً فحسب، بل تحوّل إلى قضية بنيوية تمسّ استمرارية الإدارة العامة، ودورها الاقتصادي والاجتماعي. الأخطر أنّ تصحيح الرواتب ما زال منفصلاً عن أي رؤية اقتصادية متكاملة. فلا آلية واضحة لربط الأجور بمؤشرات الأسعار مستقبلاً، ولا تصور لكيفية تمويل الزيادات بصورة مستدامة، ولا سياسة توازن بين الاستقرار المالي ومتطلبات العدالة الاجتماعية. ويجري التعامل مع الرواتب باعتبارها عبئاً يجب احتواؤه، لا استثماراً أساسياً في استقرار الدولة وقدرتها على النهوض. وفي بلد مثل لبنان، لا يمكن التعامل مع ملف رواتب القطاع العام بوصفه إجراءً محاسبياً أو تسوية مالية ظرفية، فالتصحيح الحقيقي لا يُقاس بحجم الزيادة الاسمية، بل بقدرتها على حماية الحدّ الأدنى من العيش الكريم، وعلى إعادة الاعتبار لوظيفة الدولة كصاحب عمل مسؤول. ومن دون ربط الأجور بكلفة سلة الاستهلاك الأساسية، ووضع آلية تلقائية تواكب التضخّم، واعتماد عدالة توزيعية تُنصف الفئات الأدنى قبل غيرها، سيبقى أي تعديل مجرّد إدارة للخسارة لا معالجة لها. ومع استمرار هذا النهج، تتكرّس هشاشة الإدارة العامة، وتتآكل ثقة الموظفين بالدولة، فيما تُستنزف المؤسسات من الداخل، لتتحوّل أزمة الرواتب من مشكلة مالية إلى خطر بنيوي يهدد ما تبقّى من قدرة الدولة على الاستمرار.  

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows