يعيبون على أوروبا أفضل ما فعلت
Arab
1 hour ago
share
كثر هم الشامتون بأوروبا هذه الأيام بسبب وقوعها ضحيةً، كمعظم بلدان العالم، لوحشية دونالد ترامب وعدوانيته وشرّه وقلة أخلاقه وطمعه ووقاحته ونرجسيته ولا إنسانيته ورؤيته المصلحية الصرفة للعالم والعِلم والبشر والقوانين وموازين القوى، ولما يفترض أن يكون عليه حال الكوكب عندما يرثه الأبناء والأحفاد. والشماتة من أحقر عادات البشر، حين يكنّها جار لجاره اللدود إن وجد إطار سيارته مثقوباً عند مدخل المبنى في صباح ماطر بارد، أو عندما يتقيأ متذاكون كرههم للثقافة الغربية الليبرالية على هيئة إعراب عن سعادة عامرة كل مرة يستمعون فيها إلى الرئيس الأميركي يهين أوروبا الغربية ويبتزها ويهددها ويشتمها ويضعها في مرتبة أعداء الولايات المتحدة بنسختها الترامبية، بما أنّ أقصى طموح رئيسها أن يحكم شعوباً تعامله معاملة الكوريين الشماليين لكيم جونغ أون، على ما جاهر به مرة خلال ولايته الرئاسية الأولى. والشامتون أصناف، لكن جميعهم حلفاء موضوعيون لدونالد ترامب ومن يشبهه أو يطمح إلى أن يكون ترامب صغيراً في بلده أو في المنطقة الجغرافية المحيطة بوطنه، من بنيامين نتنياهو إلى خافيير ميلي مروراً بفيكتور أوربان وفلاديمير بوتين وناريندرا مودي، لكن أخطر أنواع الشامتين في السياق الأوروبي هذه الأيام، هؤلاء الذين يعيبون على بلدان القارة أنها صدّقت بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية أنها آخر الحروب، وبالتالي اطمأنت إلى أمنها، وأبرمت اتفاقاً ضمنياً مع الولايات المتحدة، ينص على أن تتولى واشنطن، بقيادتها حلف شمال الأطلسي، ضمان أمن أوروبا من خطر سوفييتي، مقابل عدم مزاحمتها في السياسة والاقتصاد، لتتفرغ بلدان القارّة العجوز إلى صرف الأموال والاستثمارات والرساميل على كل ما هو نقيض للحرب، أي لتقديم أفضل نمط ممكن للعيش، في الثقافة والفنون والرفاه والرعاية الصحية والحرية والديمقراطية والتعليم والأبحاث والتكنولوجيا والطب والاختراعات والرياضة. بناءً على هذه القاعدة، راحت موازنات العواصم الأوروبية المخصصة لوزارات الدفاع والجيوش تنخفض مثلما رصدها معهد استوكهولم الدولي لأبحاث السلام منذ تأسيسه في 1966. دول مركزية في شمال القارة وغربها راحت نخبها وبرلماناتها تناقش جدياً فكرة الاقتداء بالنموذج السويسري وحلّ جيوشها الوطنية والاكتفاء بأجهزة أمن داخلي. ولم يفعل سقوط الاتحاد السوفييتي ونبوءة فرانسيس فوكوياما بـ"نهاية التاريخ" إلا إضفاء مزيد من التفاؤل بعدم إمكانية عودة الحروب بما يلزم الأوروبيين بالاستعداد لها وتخصيص أكثر من نصف أو واحدٍ في المئة من موازناتهم العامة لسيناريو الحرب. وبلغت درجة التفاؤل بالأوروبيين حداً جعلهم يطوّرون اتفاقاتهم الثنائية، ليصبحوا بموجب معاهدة ماستريخت 1993 اتحاداً اقتنع مؤسسوه بأنه من نوع الكيانات التي تنشد الرفاه لمواطني بلدانها سبيلاً لإبعاد شبح العداوات التي كبّدت أجداد أوروبيي اليوم ملايين القتلى في حروب المئة عام والثلاثين عاماً والحربين العالميتين المدمّرتين. واقتناع الأوروبيين بانتهاء زمن الحروب جعل من أوروبا لحوالي ستين عاماً بالفعل، المكان الأفضل للعيش، وموفّرة أفضل نمط للحياة بحريّة، وموطن المدن "الأكثر سعادة" وفق مؤشرات "معهد كواليتي أوف لايف"، وصاحبة أرقى الجامعات وأقوى الاقتصادات وأجمل المسارح وعاصمة لطول العمر. هذه الإنجازات تجد من يشتم أوروبا بسببها اليوم، كترامب وبوتين، ومن يشمت فيها، وهي أعظم ما قد تفعله أمم وتقتنع به شعوب، أنّ الحروب ولّت ولن تتكرر، وبالتالي وجب تخصيص كل فلس للتطور والعلم والحياة الرائقة واللائقة لا لتطوير الصواريخ والمدافع وأدوات القتل، لكنّ بلدان القارة فهمت مرغمة أنّ هذه التي كانت ثوابت لعقود، لم تعد كذلك في زمن القوة ولا شيء غيرها، وتراها تضاعف موازناتها العسكرية للاحتماء من ترامب غرباً ومن بوتين شرقاً، ولا حاجة لمنجّم ليخبرنا بأن كل فلس سيصرف على السلاح اليوم سيسهم في غلق مستشفى غداً، وأن كل يورو يخصص لتطوير دبابة تعمل بالذكاء الاصطناعي، سيذهب من درب بحث علمي وسيُقتطع من موازنة مسرح وأوركسترا. فليفرح الشامتون من كارهي أوروبا ومن محبي ترامب وإن ادعوا عكس ذلك.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows