Arab
لو عدنا إلى أواخر العصور الوسطى في أوروبا الغربية، بين القرن الثالث عشر وبداية القرن السادس عشر، لبرزت صكوك الغفران بوصفها آلية اعتمدتها الكنيسة الكاثوليكية لإدارة الذنب داخل بنية سلطة قائمة على المال والطاعة معاً. لم تكن هذه الصكوك ممارسة طارئة أو انحرافاً عرضياً في المجال الديني، بقدر ما كانت أداة تنظيم اجتماعي واضحة الوظيفة، حوّلت الخطيئة إلى ملف قابل للإغلاق، وأعادت توزيع الموقع داخل النظام القائم على أساس القدرة على الدفع، من دون مساءلة عن أصل الفعل أو أثره العام. وارتبط انتشار صكوك الغفران في تلك المرحلة بالحاجة المالية الواسعة للكنيسة، سواء لتمويل بناء كاتدرائية القديس بطرس في روما، أو لتغطية كلفة الحروب والتحالفات السياسية، أو لضمان استمرارية جهاز كنسي متضخم يتطلب موارد دائمة.
وفي السياق السوري الراهن، تعمل السلطة الانتقالية منذ تسلّمها إدارة المرحلة التي أعقبت سقوط نظام الأسد إلى إعادة تنظيم المجالين، السياسي والاقتصادي، عبر أدوات تُقدَّم بوصفها جزءاً من مسار العدالة الانتقالية. ضمن هذا الإطار، برزت لجنة مكافحة الكسب غير المشروع باعتبارها بنية مركزية في هذا المسار، ليس بسبب وجودها في حدّ ذاته، وإنما بسبب طبيعة الدور المنوط بها، وحدود صلاحياتها، والوظيفة العملية التي تؤديها في إعادة ترتيب العلاقة بين السلطة والمال.
تُدار اللجنة بوصفها جهازاً تنفيذياً يتولى إدارة ملفات رجال أعمال راكموا ثرواتهم في سنوات حكم نظام الأسد، عبر آلية تقوم على التسوية المالية مقابل إغلاق الملف، إلا أن هذا المسار يجري خارج أي إطار قضائي واضح، ومن دون معايير معلنة لتحديد طبيعة المسؤولية أو نطاقها، ومن دون ربط مُعرَّف بين هذه التسويات ومفهوم العدالة الانتقالية كما هو مستقر في الأدبيات القانونية المقارنة. ما أُتيح للرأي العام، سواء عبر تقارير صحافية أو بيانات رسمية، اقتصر على الإعلان عن نتائج نهائية تتعلق بإتمام التسوية وإقفال الملف، من دون أي نقاش علني لمضمونها أو أسسها.
تحوّل الغفران إلى معاملةٍ محدّدة القيمة، تُمنح عبر وثيقة رسمية مختومة، ضمن نظام بيع منتظم يخضع لإدارة مركزية
في حين كانت صكوك الغفران الأوروبية قد استندت إلى تصوّر مؤسّسي يرى أن الكنيسة تمتلك ما يُعرف بـ"خزّان النعمة"، وتملك تبعاً لذلك، صلاحية تخفيف العقوبة الزمنية عن الخطايا لقاء مقابل مالي. وقد أعيد تنظيم هذا التصور في صيغة إجرائية واضحة، حيث تحوّل الغفران إلى معاملةٍ محدّدة القيمة، تُمنح عبر وثيقة رسمية مختومة، ضمن نظام بيع منتظم يخضع لإدارة مركزية.
وقد شكّل عام 1517 نقطة التحوّل المفصلية، مع نشر مارتن لوثر اعتراضه في "الخمس والتسعين أطروحة"، حيث وُجّه النقد مباشرة إلى تحويل الغفران إلى معاملة مالية، وإفراغ المسؤولية الأخلاقية من مضمونها، بما جعل المال أداة إغلاق للذنب بدل مساءلة الفعل وآثاره. عقب ذلك، تراجعت شرعية صكوك الغفران مع مسار الإصلاح الديني إلى أن انتهت بكونها ممارسة رسمية، لكنها استقرّت نموذجاً تاريخيّاً كاشفاً لكيفية تحويل الذنب العام إلى إجراء قابل للإدارة، يُغلق بالمال ويُفصل عن معناه الأخلاقي والاجتماعي.
بالعودة إلى لجنة الكسب غير المشروع في المرحلة الانتقالية السورية، فهي تكتسب رئاستها من أبو مريم الأسترالي بعداً سياسياً مباشراً، فالجهاز المكلّف بالتعامل مع ملفات النهب المنهجي للمال العام وقضايا الكسب غير المشروع المرتبطة ببنية الحكم السابقة، يعمل خارج إطار قضائي مستقل، ولا يخضع لرقابة تشريعية، ويرتبط مباشرة بالسلطة التنفيذية الانتقالية. هذا التموضع المؤسسي لا يضع اللجنة في موقع المساءلة، ولكن يحوّلها إلى أداة لإدارة العلاقة بين السلطة والمال ضمن منطق الضبط والتنظيم.
عملياً، يجري اختزال مسؤولية سنوات طويلة من التداخل بين رأس المال والآلة الأمنية والعسكرية للنظام السابق في بعد مالي محض، تُفصل فيه الوقائع عن سياقيها السياسي والاجتماعي، وتُعاد صياغتها ملفاتٍ ماليةً قابلة للتسوية. ويتجاهل هذا المسار كلياً مسألة الضرر العام، ويتجاوز الأثر الاجتماعي لتراكم الثروات خلال الحرب، كما يعزل المال عن دوره في إعادة إنتاج منظومة القمع التي نشأ داخلها. وتتجلى هذه المقاربة بوضوح في ملفّ محمد حمشو، أحد أبرز الأسماء المرتبطة اقتصادياً وأمنياً بنظام الأسد. علاقته المباشرة مع ماهر الأسد، ودوره في شبكات الدعم المالي للآلة العسكرية، إضافة إلى ورود اسمه في تقارير متعدّدة تتعلق بالاستفادة من ممتلكات نازحين ومهجّرين، تشكّل معطيات موثّقة في المجال العام، لا ادعاءات عابرة. ومع ذلك، يُعاد إدراجه اليوم ضمن فئة "رجال الأعمال الذين تمت تسوية أوضاعهم"، من دون أي نقاش علني لطبيعة هذه الأوضاع أو لمضمون التسوية وأسسها.
لا يمكن التعامل مع التسويات المالية باعتبارها حلولاً انتقالية أو ضرورات واقعية، ولكن بوصفها صيغة مؤسسية لإلغاء المساءلة
تظهر هذه الإشكالية بوضوح في تجارب انتقالية محددة، ففي إسبانيا بعد نهاية حكم فرانكو، جرى الانتقال السياسي عبر تسوية صريحة علّقت المساءلة، وأبقت البنية الاقتصادية والإدارية للنظام السابق من دون تفكيك، بذريعة حماية الاستقرار ومنع عودة الصراع. هذا الخيار حسم الانتقال المؤسسي سريعاً، لكنه ترك البنية التي أنتجت الامتيازات خارج أي مراجعة. وفي تشيلي، اتخذ الانتقال بعد بينوشيه مساراً مماثلاً في جوهره، حيث حُصّنت البنية الاقتصادية التي أرساها النظام العسكري، وتحوّل رأس المال المرتبط به إلى خط أحمر سياسي. المساءلة جرى احتواؤها ضمن حدود ضيقة، فيما استُبعدت البنية الاقتصادية من مجال المحاسبة بوصفها ركناً من أركان الاستقرار. وفي جنوب أفريقيا، اتخذت العدالة الانتقالية مساراً قائماً على الاعتراف عبر لجنة الحقيقة والمصالحة، من دون أن يمتد هذا المسار إلى تفكيك البنية الاقتصادية التي راكمت امتيازاتها في ظل نظام الفصل العنصري. وقد اقتصرت المساءلة على الأفراد، فيما بقيت الشركات الكبرى والمصالح المالية التي تشكّلت داخل النظام السابق خارج نطاق المحاسبة، بعد إدراجها ضمن معادلة الاستقرار السياسي للمرحلة الانتقالية.
ما يجمع هذه الحالات إعادة تعريف العدالة على نحو يخدم استقراراً سريعاً ويستبعد الصدام مع النخب الاقتصادية النافذة. هذا الخيار لم يُنتج تسوية للصراع، وإنما أعاد تنظيمه ضمن قواعد جديدة، أُبقيت فيها البنية القديمة فاعلة من دون تفكيك، واستعاد المال الذي خرج من مرحلة الانتقال من دون مساءلة موقعه داخل النظام السياسي والاقتصادي اللاحق.
ويؤسّس هذا النمط من المعالجة في السياق السوري لعدالة انتقائية تُدار وفق ميزان القوة والقدرة المالية، حيث تُمنَح الشرعية لمن يخرج من مسار التسوية قادراً على الدفع. في المقابل، يُستبعد المجتمع السوري من موقعه طرفاً معنيّاً بالعدالة، وتُهمَّش ذاكرته، ولا تُدرج حقوقه وخسائره ضمن معادلة القرار.
تفضي هذه المقاربة إلى إنتاج اقتصاد سياسي جديد، يقوم على إعادة دمج النخب الاقتصادية التي تشكّلت في ظل النظام السابق داخل بنية السلطة الانتقالية، من دون تفكيك أدوارها أو مراجعة مصادر نفوذها. كذلك تستمر العلاقة بين المال والسلطة ضمن قواعد معدَّلة، حيث تتحول "العدالة الانتقالية" إلى غطاء لغوي لتسويات سياسية– مالية، من دون أن تؤدّي وظيفة تأسيسية في بناء دولة القانون.
تواجه سورية، بعد انتهاء حكم الأسد، لحظة مفصلية في ما يتصل بتعريف العدالة، ووظيفة الدولة، وحدود السلطة
تواجه سورية، بعد انتهاء حكم الأسد، لحظة مفصلية في ما يتصل بتعريف العدالة، ووظيفة الدولة، وحدود السلطة، غير أن المقاربة المعتمدة اليوم، كما تتجلى في عمل لجنة مكافحة الكسب غير المشروع، لا تنخرط في هذا النقاش، فهي تلتف عليه. وبهذا المعنى، لا تُنتج مساراً انتقالياً مستقرّاً، وإنما تُكرّس نموذجاً هشّاً قائماً على تسويات فوقية، ويُبقي جذور الأزمة من دون معالجة.
في عدد من المسارات الانتقالية، تكشف الأدبيات النقدية في علم الاجتماع السياسي عن انحراف بنيوي في وظيفة العدالة، حيث يجري تفريغها من مضمونها المعياري وتحويلها أداة إدارة. ويكون هذا التحوّل من أشكال إخضاع القانون لمنطق السلطة، على نحو يُفرغ المساءلة من بعدها السياسي ويُعيد تعريفها بوصفها مسألة ضبط. ويجد هذا النمط تفكيكه النظري في أعمال ميشيل فوكو حول انتقال السلطة من ممارسة سيادية تُحاسِب إلى أنماط حكم تُنظِّم وتُدير، حيث يتحول القانون من أداة مساءلة إلى تقنية ترتيب، تُستخدم لضبط المخاطر من دون أي تفكيك لمصادرها.
ويكتسب هذا المسار بعداً أكثر خطورة في ضوء تحليلات كاثارينا بيستور، التي تُظهر كيف يُعاد ترميز النفوذ الاقتصادي داخل أطر قانونية تبدو محايدة، لكنها عملياً تشرعن تحويل المال إلى سلطة قانونية مستدامة. هنا، يكون القانون وسيطاً لإعادة إنتاج الامتياز، عبر إخضاع العدالة لمنطق التعاقد بين السلطة والفاعلين القادرين على الدفع. وضمن هذا السياق، لا يمكن التعامل مع التسويات المالية باعتبارها حلولاً انتقالية أو ضرورات واقعية، ولكن بوصفها صيغة مؤسّسية لإلغاء المساءلة. فالعدالة التي تُدار بهذه الطريقة تُعاد هندستها عمداً لتكون غير قادرة على إنتاج حكم، وغير معنية بتفكيك البنى التي أنتجت الانتهاكات والجرائم.

Related News
«أم الصفقات» بين الهند وأوروبا لكسر «حصار ترمب»
aawsat
32 minutes ago
تحضيرات لمؤتمر دولي حول السودان في واشنطن
aawsat
36 minutes ago