Arab
بات الحديث عن كأس العالم لكرة القدم اليوم يُناقش من زوايا مُختلفة بعيداً عن المستطيل الأخضر، في الوقت الذي تُستحضر ملفاته في قلب السجال السياسي الدولي، كما هو حال نسخة 2026 المقرّرة في الولايات المتحدة الأميركية والمكسيك وكندا، التي تسبقها نقاشات أوروبية متزايدة حول فكرة المقاطعة، على خلفية التوترات الدبلوماسية والتجارية والتصعيد المتنامي من الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
وبين من يتمسّك بمبدأ فصل الملفين عن بعضهما، على غرار وزيرة الرياضة الفرنسية مارينا فيراري، ومن يرى أنّ المونديال لا يمكن عزله عن سياقه الدولي، أمثال السياسي الفرنسي اليساري، إريك كوكريل، تعود الأسئلة لتفرض نفسها مجدداً: هل تستطيع البطولة الكروية الأكبر على مستوى العالم أن تبقى حدثاً رياضياً محايداً، أم أنّها، كما في محطات سابقة من التاريخ، انعكاسٌ لمرحلة سياسية مضطربة تسبق تحوّلات أوسع؟
وعلى وقع هذا الجدل المتجدّد، نعود بالذاكرة إلى محطات أخرى من تاريخ كأس العالم، حين سبقت البطولة أو رافقتها أزمات سياسية وعسكرية أعادت طرح السؤال ذاته، ولو بأشكال مختلفة، وذلك بعدما تحدّثنا في الجزء الأول عن عدّة نسخ من مونديال 1938 إلى 1982.
البداية مع مونديال 1986 في المكسيك الذي أقيم في ظروفٍ كان يعيش فيها العالم توتراً سياسياً واضحاً، والذي انطلق بعد أسابيع من الغارة الجوية الأميركية على ليبيا في إبريل/ نيسان من ذلك العام، التي أدّت إلى سقوط 40 ضحية، وذلك في عهد الرئيس الأميركي السابق رونالد ريغان، ما أعاد التصعيد العسكري إلى واجهة المشهد الدولي. وفي هذا المناخ المشحون، خطفت مواجهة الأرجنتين وإنكلترا في ربع النهائي الأضواء، بعدما تحوّلت إلى مباراة محمّلة بالرمزية، إذ جاءت بعد أربع سنوات من حرب الفوكلاند بين البلدين، وكانت أول لقاء بين الفريقين، حينها صنع دييغو أرماندو المجد بهدفين تاريخيين.
ونصل بعدها إلى مونديال 1990 الذي شهد قبل بدايته بعدّة أشهر سقوط جدار برلين في نوفمبر/ تشرين الثاني 1989 تحديداً، ما مهد لاحقاً لعملية إعادة توحيد ألمانيا، وحصدت يومها ألمانيا الغربية اللقب في إيطاليا بعد الفوز على الأرجنتين في النهائي، وكانت تلك النسخة الأخيرة التي تُشارك فيها ببطولة كأس العالم بصفتها دولة منفصلة.
وننتقل إلى مونديال 1994 الذي جرى في الولايات المتحدة خلال الفترة التي كان يتأقلم فيها العالم مع مرحلة ما بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، فيما كانت أميركا تسعى لتعزيز نفوذها السياسي والثقافي على الساحة الدولية، ووفقاً للناقد البريطاني جوناثان ويلسون في صحيفة ذا غارديان وكتاب Star Spangled Soccer لغاري هوبكينز، شكّل ذلك المونديال نقطة تحوّلٍ في انتشار اللعبة داخل المجتمع، وكانت الاستضافة قد حصلت لأبعادٍ تسويقية وإعلامية وترويجية واقتصادية، لكن بعد فوز البرازيل باللقب، انقلبت الأمور خارج الملاعب، إذ أرسلت الولايات المتحدة قواتها إلى هايتي، بهدف إعادة الرئيس جان برتراند أريستيد إلى الحكم عقب الانقلاب العسكري، لكن الأزمة حلّت دبلوماسياً، كذلك نفّذت واشنطن لاحقاً عملية "المحارب اليقظ" بحسب ما أسمتها في الثامن من أكتوبر/ تشرين الأول، على حدود العراق والكويت.
وشهدنا بعدها في مونديال 1998 ترقباً كبيراً، حيث كانت أوروبا تتابع من كثب تصاعد النزاع في البلقان مع اندلاع حرب كوسوفو يوم 28 فبراير/ شباط أي قبل البطولة بفترة قصيرة، خصوصاً في ظلّ موجة النزوح الجماعي للمدنيين، ما وضع البطولة في سياق سياسي حساس يعكس الواقع الإقليمي والاجتماعي.
ونحطّ رحالنا بعدها في مونديال 2002، الذي جرى في لحظة سياسية حسّاسة عالمياً، وذلك بعد أحداث 11 سبتمبر/ أيلول 2001، لتبدأ الولايات المتحدة على إثرها حملتها على الإرهاب في أفغانستان، التي انطلقت في أواخر تلك السنة تقريباً. لكن على المقلب الآخر، كان للبطولة أثرٌ إيجابي، بحسب دراسة لجامعة كامبريدج البريطانية، منها التعاون بين البلدين المضيفين، أي كوريا الجنوبية واليابان، اللذين عاشا تاريخاً معقداً من النزاعات والاحتلال، فكان الطموح استعادة العلاقات الثنائية وتنشيطها، وهو ما حصل بالفعل.
وفي 2006 أقيم كأس العالم في ألمانيا التي انتهجت تشديدات أمنية واتخذت اجراءات صارمة في الملاعب والمدن المضيفة وتجاه المشجعين، خصوصاً أنّ العالم كان يومها مشتعلاً، مع انفجار الحرب الأهلية العراقية الأولى في 22 فبراير، وتصعيد القتال في حرب أفغانستان بعدما شنّت حركة طالبان في مايو/ أيار هجمات منسقة في هلمند وقندهار لاستعادة السيطرة على المناطق الريفية. وبينما كانت البطولة تشهد تنافساً كبيراً بعدما انطلقت يوم التاسع من يونيو/ حزيران، عرفت منطقة الشرق الأوسط بتاريخ 28 يونيو بداية عدوان الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة، الذي أودى بحياة مئات الشهداء. ومع اختتام المونديال يوم التاسع من يوليو/ تموز، نشبت حربت تموز 2006، حين هاجمت إسرائيل لبنان في يوليو لمدّة 34 يوماً.
وفي 2014 وقبل انطلاق المونديال في البرازيل سيطرت روسيا على شبه جزيرة القرم من أوكرانيا بعد تدخلٍ عسكري واحتلالٍ للمواقع الاستراتيجية وضمّتها رسمياً في 18 مارس/ آذار، ورغم أن المجتمع الدولي اعتبره احتلالاً وتعدياً على السيادة الأوكرانية، شاركت روسيا في كأس العالم وخرجت من دور المجموعات، لتعود وتستضيف الحدث الأبرز على الساحة في 2018 من دون أي مشاكل، قبل أن تُستبعد من خوض مونديال 2022 في قطر بقرارٍ من الاتحاد الدولي والأوروبي للعبة بعد غزوها لأوكرانيا، إذ كان من المنتظر خوضها مباراة فاصلة أمام بولندا في مارس/ آذار 2022 لكن ذلك لم يحصل.

Related News
واشنطن تلوح بجزرة «العفو» لإقناع حماس بنزع سلاحها
al-ain
57 minutes ago