اتفاقيات تقلب الموازين... شراكات جديدة تعيد تشكيل مسارات التجارة
Arab
2 hours ago
share
في أسبوع واحد فقط، تتتابع توقيعات اتفاقات تجارية كبرى بين قوى اقتصادية رئيسية، في مشهد يعيد رسم خريطة الشراكات الاقتصادية العابرة للقارات. ففي نيودلهي، يوقع الاتحاد الأوروبي والهند، اليوم الثلاثاء، اتفاقاً تجارياً، بعد مسار تفاوضي امتد 19 عاماً، وفق بيانات رسمية أوروبية. وقبل أيام، أُعلن في الباراغواي توقيع اتفاق التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي وتكتل ميركسور بعد 25 عاماً من المفاوضات. وفي أوتاوا، كشفت الحكومة الكندية في 17 يناير/ كانون الثاني الحالي عن اتفاق مبدئي لمعالجة ملفات تجارية واقتصادية مع الصين، يشمل المركبات الكهربائية ومنتجات زراعية وصناعية. وفي واشنطن، توصلت الولايات المتحدة وتايوان في 16 يناير إلى اتفاق يخفض الرسوم على صادرات مرتبطة بأشباه الموصلات ويوجه استثمارات صناعية إلى الداخل الأميركي. تزامن هذه الاتفاقات خلال أيام معدودة يفعّل في آن واحد أربعة مسارات تجارية كبرى (الاتحاد الأوروبي - الهند، الاتحاد الأوروبي - ميركسور، كندا - الصين، والولايات المتحدة - تايوان). وتغطي هذه المسارات أسواقاً تضمّ مئات الملايين من المستهلكين، وتمسّ سلاسل توريد في قطاعات السيارات وأشباه الموصلات والزراعة والطاقة النظيفة، وفق بيانات حكومية وتقارير دولية. ويأتي ذلك في وقت تتواصل فيه مراجعات الرسوم والإجراءات التجارية في عددٍ من الاقتصادات الكبرى، بما فيها الولايات المتحدة، استناداً إلى تصريحات رسمية وتطورات قانونية معلنة. مع هذا التزامن، تنتقل التجارة العالمية إلى مرحلة إعادة رسم خرائط تدفقات السلع والاستثمار، مع تحول مسارات تفاوض امتدت لسنوات إلى اتفاقات موقعة أو تفاهمات مبدئية، وبدء الإجراءات التشريعية لدى عدد من الأطراف وفق الجداول الزمنية المعلنة رسمياً. وفي ما يلي رصد لأبرز ما تتضّمنه الاتفاقيات التجارية الجديدة. الاتحاد الأوروبي - الهند تُعقد اليوم الثلاثاء في نيودلهي القمّة السادسة عشرة بين الاتحاد الأوروبي والهند، بمشاركة رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون ديرلاين، فيما يستضيف القمة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي. تناقش القمة، بحسب بيان صادر عن المجلس الأوروبي، سبل تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين الجانبين، مع التركيز على ملفات التجارة، والأمن والدفاع، والانتقال إلى الاقتصاد النظيف، إضافة إلى التعاون بين الشعوب، في إطار العلاقات المتنامية بين الاتحاد الأوروبي والهند خلال السنوات الأخيرة. وقال رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا إن الهند تعد شريكاً محورياً للاتحاد الأوروبي، مشيراً إلى أن الجانبين يتقاسمان القدرة والمسؤولية عن حماية النظام الدولي القائم على القواعد. ومن المتوقع أن تعلن الهند والاتحاد الأوروبي، اليوم الثلاثاء، اختتام مسار المفاوضات الجارية منذ نحو 19 عاماً بشأن اتفاق تجارة حرة (والتي انطلقت للمرة الأولى عام 2007، قبل أن يُعاد إطلاقها في عام 2022)، بحسب وكالة رويترز. ومن شأن الاتفاق المرتقب أن يمهد لخفض الرسوم الجمركية على السيارات والنبيذ الأوروبيين، وأن يفتح سوقاً أوسع أمام صادرات هندية تشمل الإلكترونيات والمنسوجات والكيماويات. ونقلت الوكالة عن مسؤول أوروبي قوله إن التكتل يهدف إلى اختتام المفاوضات بشأن اتفاق التجارة الحرة خلال القمة، على أن ينتقل الطرفان بعد ذلك إلى الإجراءات الداخلية اللازمة تمهيداً للتوقيع. ومن المقرّر أيضاً أن يوقّع الجانبان اتفاقاً للأمن والدفاع (وهو الثالث من نوعه لأوروبا في آسيا بعد اتفاقين مع كوريا الجنوبية واليابان) إلى جانب اتفاق للتنقل يشمل العمالة الماهرة والطلاب، بحسب المسؤول. وفي حال إتمام الاتفاق والتصديق عليه من قبل البرلمان الأوروبي، وهي عملية قد تستغرق ما لا يقل عن عام، سيعزّز الاتفاق صادرات هندية مثل المنسوجات والمجوهرات، وفق مسؤول هندي تحدث للوكالة. وكانت المفاوضات قد أعيد إطلاقها في عام 2022 بعد توقف دام تسع سنوات، قبل أن تكتسب زخماً العام الماضي في ظل تصاعد التوترات التجارية العالمية. وفي أغسطس/ آب الماضي، ضاعف الرئيس الأميركي دونالد ترامب الرسوم الجمركية على الواردات الهندية لتصل إلى ما يصل إلى 50%، وهي من بين الأعلى عالمياً. وخلال المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، قالت فون ديرلاين إن الاتحاد الأوروبي بات قريباً من اختتام الاتفاق، لكنها أقرت بأنّ مزيداً من العمل لا يزال مطلوباً. ويأتي ذلك في أعقاب اتفاق أبرمه الاتحاد الأوروبي مؤخراً مع تكتل ميركسور في أميركا الجنوبية، إلى جانب اتفاقات تجارية أخرى. كما أبرمت الهند اتفاقات مع شركاء، من بينهم بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان. وتسلط هذه الاتفاقات الضوء على مساعي التحوّط من الاعتماد على الولايات المتحدة، في وقت تختبر فيه تحركات ترامب للسيطرة على غرينلاند وتهديداته بفرض رسوم جمركية على دول أوروبية متانةَ التحالفات الغربية القائمة منذ زمن طويل. اتفاق كندا - الصين والردّ الأميركي أعلنت الحكومة الكندية التوصل إلى اتفاق مبدئي مع الصين لمعالجة قضايا اقتصادية وتجارية بين الجانبين، يتضمن ترتيبات بشأن المركبات الكهربائية، وبذور الكانولا، وعدد من المنتجات الزراعية والبحرية، إضافة إلى الصلب والألمنيوم، وفق بيان صادر عن الشؤون العالمية الكندية في 17 يناير الجاري. وبحسب البيان، تعتزم كندا تخصيص حصة سنوية قدرها 49 ألف مركبة كهربائية صينية بتعرفة 6.1%، فيما تتوقع أن تخفض الصين الرسوم على بذور الكانولا الكندية إلى نحو 15% بحلول 1 مارس/ آذار 2026، مقارنة بمستويات حالية تبلغ 84%. كذلك أشار البيان إلى تمديد إعفاءات جمركية لبعض منتجات الصلب والألمنيوم الصينية حتى نهاية 2026، مع توسيع نطاقها ليشمل منتجات إضافية. وذكرت الحكومة الكندية أن الاتفاق المبدئي يتضمن مراجعة للتنفيذ بعد ثلاث سنوات، وحددت هدفاً بزيادة الصادرات إلى الصين بنسبة 50% بحلول عام 2030. من جانبه، هدد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بفرض رسومٍ جمركية بنسبة 100% على كندا إذا مضت قدماً في إبرام اتفاق تجاري مع الصين، محذّراً رئيس الوزراء الكندي مارك كارني من أن مثل هذا الاتفاق سيعرض بلاده للخطر. وكتب ترامب على منصته "تروث سوشيال"، السبت الماضي: "الصين ستلتهم كندا بالكامل، وستدمر شركاتها ونسيجها الاجتماعي وطريقة حياتها العامة". وتابع ترامب قائلاً: "إذا كان الحاكم كارني يعتقد أنه سيحول كندا إلى ميناء تفريغ للصين لإرسال السلع والمنتجات إلى الولايات المتحدة، فهو مخطئ تماماً"، مستخدماً لقب "حاكم" في إشارة إلى دعواته السابقة لجعل كندا الولاية الأميركية الحادية والخمسين. وفي مقطع فيديو نُشر السبت، دعا كارني الكنديين إلى شراء المنتجات المحلية، من دون أن يشير مباشرةً إلى تهديد ترامب بفرض الرسوم الجمركية. وقال: "مع تعرض اقتصادنا لتهديدات من الخارج، اختار الكنديون التركيز على ما يمكننا التحكم فيه. لا يمكننا التحكم في ما تفعله الدول الأخرى، لكن يمكننا أن نكون أفضل زبون لأنفسنا". وخلال المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، دعا كارني الدول إلى الإقرار بأن النظام العالمي القائم على القواعد قد انتهى، مشيراً إلى كندا بوصفها مثالاً على كيفية تعاون "القوى المتوسطة" لتفادي الوقوع ضحيةً للهيمنة الأميركية. ولم يذكر كارني ترامب أو الولايات المتحدة بالاسم في خطابه بدافوس، لكنه قال: "يجب على القوى المتوسطة أن تعمل معاً، لأنه إذا لم تكن على الطاولة، فستكون على قائمة الطعام". وقد قوبل هذا التصريح بتصفيق حار من قادة عالميين ورؤساء شركات حضروا المنتدى في سويسرا. اتفاق الاتحاد الأوروبي - ميركسور وفي 17 يناير الجاري، وقّع مسؤولون كبار من الاتحاد الأوروبي وتكتل ميركسور في أميركا الجنوبية، في الباراغواي، اتفاق تجارة حرة بعد مفاوضات استمرت 25 عاماً، ما يمهّد الطريق أمام أكبر اتفاق تجاري يبرمه الاتحاد الأوروبي في تاريخه. ويهدف الاتفاق إلى خفض الرسوم الجمركية وتعزيز التبادل التجاري بين المنطقتين، على أن يحصل الآن على موافقة البرلمان الأوروبي، وأن يصدق عليه من قبل برلمانات دول ميركسور الأعضاء، وهي الأرجنتين والبرازيل والباراغواي والأوروغواي. وحصل الاتفاق على الضوء الأخضر من معظم الدول الأوروبية، رغم اعتراضات مزارعين وجماعات بيئية تخشى تدفق واردات رخيصة من أميركا الجنوبية وارتفاع معدلات إزالة الغابات. وقالت فون دير لاين، إن الاتفاق سيؤدي إلى إنشاء أكبر منطقة تجارة حرة في العالم. وقالت الحكومة البرازيلية، في بيان عقب مراسم التوقيع، إن الاتفاق يعكس بشكل رمزي جهود لولا لتوسيع الأسواق وتنويعها، مضيفةً أن أكبر اقتصاد في أميركا الجنوبية يجري أيضاً مفاوضات تجارية مع الإمارات العربية المتحدة وكندا وفيتنام، إلى جانب العمل على توسيع اتفاق تفضيلات جمركية مع الهند. اتفاق الولايات المتحدة - تايوان في 15 يناير 2026، أعلنت الولايات المتحدة وتايوان التوصل إلى اتفاق تجاري يخفض الرسوم الجمركية على العديد من صادرات تايوان؛ القوة الكبرى في صناعة أشباه الموصلات، ويوجه استثمارات جديدة إلى قطاع التكنولوجيا في الولايات المتحدة، في خطوة قد تثير غضب الصين. ويعزز الاتفاق العلاقات بين إدارة ترامب وتايبيه في توقيت حساس، مع تصاعد ضغوط الصين على الجزيرة التي تعتبرها جزءاً من أراضيها، بينما تحاول واشنطن تجنب اندلاع حرب تجارية شاملة مع بكين. وبموجب الاتفاق الذي خضع لمفاوضات طويلة، ستُفرض رسوم جمركية أقل على شركات تصنيع الرقائق التايوانية، مثل شركة تي إس إم سي، التي توسع إنتاجها داخل الولايات المتحدة، على أشباه الموصلات أو معدات التصنيع والمنتجات ذات الصلة التي تستوردها إلى السوق الأميركية، مع السماح باستيراد بعض المنتجات دون رسوم. كذلك ستنخفض الرسوم الواسعة التي تطبق على معظم الصادرات التايوانية الأخرى إلى الولايات المتحدة من 20% إلى 15%. وقالت وزارة التجارة الأميركية إن الأدوية الجنسية، ومكونات الطائرات، والموارد الطبيعية غير المتوافرة، ستخضع لتعرفة صفرية. كما التزمت الولايات المتحدة، وفق ما ذكرته تايوان، بألا تعامل تايوان معاملة أسوأ من غيرها في حال رفع الرسوم على الرقائق لاحقاً. في المقابل، ستستثمر الشركات التايوانية 250 مليار دولار لزيادة إنتاج أشباه الموصلات والطاقة والذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة. ويشمل ذلك 100 مليار دولار كانت شركة تي إس إم سي قد التزمت بها بالفعل في عام 2025، مع توقع استثمارات إضافية، بحسب وزير التجارة الأميركي هوارد لوتنيك. وقال لوتنيك في مقابلة مع قناة CNBC، الخميس قبل الماضي، إن الهدف هو نقل 40% من كامل سلسلة توريد وإنتاج الرقائق التايوانية إلى الولايات المتحدة، مضيفاً أنه في حال عدم البناء داخل الولايات المتحدة، فإن الرسوم قد تصل إلى 100%. وأضاف لوتنيك خلال المقابلة، في إشارة إلى تايوان: "انظروا، هم بحاجة إلى إبقاء رئيسنا راضياً، أليس كذلك؟ لأن رئيسنا هو المفتاح لحماية بلدهم". اتفاقيات محتملة وفي سياق ذات صلة، أعلن لوتنيك عن التوصل إلى تفاهمات تجارية مع كل من تايلاند وكمبوديا، تتعلّق بإعادة ضبط مستويات الرسوم الجمركية التي كانت مطروحة سابقاً، مقابل التزامات بفتح الأسواق أمام السلع الأميركية وتقليص الفوائض التجارية مع الولايات المتحدة. وتشير المعطيات المعلنة إلى أن الرسوم التي كانت مرشحة للارتفاع إلى مستويات أعلى جرى خفضها إلى نطاق يتراوح بين 18% و20%، في إطار ترتيبات تجارية مرتبطة بإعادة موازنة العلاقات التجارية مع واشنطن، بما يشمل تدفقات السلع الصناعية والزراعية. وفي المسار الأوروبي - الآسيوي، واصل الاتحاد الأوروبي تفعيل شراكاته التجارية القائمة مع كوريا الجنوبية، بالتوازي مع مشاورات اقتصادية وصناعية جرت على هامش المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، بحسب بيانات وتصريحات رسمية صادرة خلال الاجتماعات. وتركّزت هذه المشاورات على ملفات أمن الطاقة، واستقرار سلاسل التوريد الصناعية، وتأمين المواد الأولية الحيوية، إضافة إلى الاستثمارات المرتبطة بالتحول الصناعي والطاقة النظيفة. وتندرج هذه التحركات ضمن حزمة أوسع من التفاهمات التجارية والاقتصادية التي شهدها شهر يناير الجاري، في سياق تحرك متزامن لعدة أقطاب اقتصادية لإعادة ترتيب قنوات التجارة والاستثمار العابرة للقارات.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows