"أفيال شبحية" لفيرنر هرتزوغ: أنثروبولوجيا وثائقية جامحة
Arab
1 week ago
share
في أفلام وثائقية علمية عدّة له، يعتمد فيرنر هرتزوغ على أبحاث علماء حالمين ورومانسيين، ومستكشفي مجهول وطبيعة، ومحقّقين في أسرارها: زوجان من علماء البراكين، المستعدَّين للمخاطرة بحياتهما للاقتراب من حمم متوهجة (النار الكامنة: مرثية لكاتيا وموريس كرافت، 2022)؛ عالم بيئي فدائي، كتيموثي تريدويل، يحبّ دببته الرمادية (Grizzly Man، 2005). هؤلاء آخر سلالة أبطال هرتزوغ: فيتزكارالدو، وفرانسيسكو مانويل دا سيلفا ـ كوبرا فيردي، وروتشيا إينركوفلر، وذئاب الحرب. شخصيات منعزلة، أو رمادية، في بيئات قاسية، يحاولون الاندماج، أو تحدّي الطبيعة. في "أفيال شبحية" (2025)، المعروض أولاً خارج مسابقة الدورة الـ82 (27 أغسطس/آب ـ 6 سبتمبر/أيلول 2025) لمهرجان فينيسيا، العالِم الحالم هو عالِم الحيوان ستيف بويز، وهوَسُه الأفيال الضخمة، المتميّزة بحجم أكبر من أكبر حيوان برّي حيّ: الفيل الأفريقي. أثبت وجودها بفضل عيّنة واحدة التُقطت عام 1955 في أنغولا، في رحلة صيد لرجل الأعمال المجري جوزيف جي فينيكوفي، الذي تبرّع بها إلى متحف سميثسونيان الوطني للتاريخ الطبيعي بواشنطن، حيث تنتصب اليوم، بعد تحنيطها بعملية معقّدة. الفيل، المعروف باسم هنري، يرحّب بالزوار بحضوره المهيب، شهادةً على عجائب الطبيعة، لكن أيضاً على التأثير البشري على الحياة البرية. وفقاً للعالِم، لا تزال مجموعات من هذه الأفيال الأكبر تعيش في المرتفعات الضبابية في أنغولا، بمنطقة ليسيما، الوعرة والمجهولة إلى حدٍّ كبير. عالم ضائع، وأرضٌ نسيها الزمن، على حافة العالم. أكثر تواضعاً من الشخصيات المماثلة، التي صوّرها المخرج الألماني، يبدو ستيف بويز غير منقاد وراء هوس مجنون، بل أشبه ببيروقراطي في علم التصنيف، يحلم بإضافة أنواع فرعية جديدة من سلالات الفيل الأفريقي، ووضع أسماء علمية لهذه الكائنات الضخمة باللغة اللاتينية، صاغها بوصفها جزءاً من سجل كبير للحيوانات والنباتات. كأفلامه الوثائقية كلها، يعهد هرتزوغ بأفكاره إلى تيار الوعي، بصوته المميّز، من دون أن يترك شيئاً ضمنياً. وبمقارنة هذا البحث بالمطاردة الشهيرة لموبي ديك، يُلقي بظلال شَكّ على الادعاء العلمي بفهرسة وتصنيف كل شيء وجنس، ويتساءل عمّا إذا كان مناسباً ترك تلك الأفيال طيّ النسيان الأسطوري، محاطة بهالة شبحية. يتتبّع "أفيال شبحية"، باتجاه معاكس، أحداث وثائقيّه الساخر (mockumentary)، "حادثة بحيرة لوخ نيس" (2004)، الذي أنتجه ومثّل فيه الدور الأول أيضاً، والذي تساءل فيه عمّا يدفع أناساً كثيرين اليوم، في عصر تسوده العقلانية العلمية، إلى الإيمان بوجود مخلوق من عصور ما قبل التاريخ في بحيرة اسكتلندية، إن لم تكن روحاً رومانسية أساسية للطبيعة البشرية، ورغبة في اللاعقلانية، وميلاً إلى استكشاف المجهول، أو خلق مجهول إذا لم يكن موجوداً. في نهايته، فوجئ هرتزوغ المتشكّك بوصول المخلوق الحقيقي المزيّف، لكن الفيلم الوثائقي هذا ساخر، وغير مستغرب أنه لم يوقّعه.     في جديده، يودّ إبقاءَ المخلوق، المحتمل وجوده فعلياً، مجرّد شبح. أثناء ذلك، يحضر جون هيوستن، جالِبَ موبي ديك إلى السينما، المهووس بصيد الأفيال الكبيرة، الذي شغله في استراحات تصوير "الملكة الأفريقية" (1951)، مدفوعاً بغريزة تشبه همنغواي، ورغبة قاسية وتجديفية في انتهاك حياة تلك المخلوقات المهيبة. "أفيال شبحية" مغامرة لافتة بين العلم والأنثروبولوجيا، تعكس العلاقة المتغيّرة بين الإنسان والطبيعة، وكيف يرغب الأول بالاندماج في الثانية، وعن الرغبة البشرية في المعرفة، والأشكال المختلفة التي يسعى إليها. العلم أصناف، والمتاحف زاخرة بحيوانات محنّطة. يمكن لتحليل الحمض النووي الآن توفير بديل غير دموي لهذه المعرفة، في العلاقة المتغيّرة بين البشر والحيوانات الأخرى. يسعى هرتزوغ أيضاً إلى التأمّل في شكل من أشكال المعرفة غير العلمية، يختلف عن معرفة الثقافة الغربية: معرفة الرجل الأبيض، الروحية والروحانية. فالاسم المُطلَق على الحيوان المعروض في المتحف، هنري، يُحاكي المعتقدات الوثنية القديمة للسكان المحليين. والمَلك -ذو الطابع الكاريكاتوري، بعرشه المغطّى بجلد النمر، وحديثه بلغة غير معروفة- شخصية هرتزوغية خالصة أخرى، يصبح بذلك نظيراً للعالِم، وطريقة مختلفة لفهم طبيعة العالَم، يجب أن يُمنح كرامة مساوية. ينتهي الفيلم بمشهد درامي خارج الشاشة، يشبه خاتمة Grizzly Man. لن تُرى الأفيال العظيمة أبداً. ستبقى في المخيّلة. سيتمكّن بطلنا من استخراج بعض حمضها النووي عبر مصيدة، لمقارنته بالمستخرج من جمجمة هنري، لكن النتائج لم تُكشف في الفيلم، بل أُلمِح إليها فقط بجملة غامضة، في شارة النهاية، تنصّ على أن المادة الوراثية تنتمي إلى حيوانات تعايشت في تلك المنطقة منذ العصور القديمة. يقلب هرتزوغ مفهوم الوثائقي السياحي التعليمي من "ناشيونال جيوغرافيك" (منتجه الفيلم) رأساً على عقب، مقدّماً تأمّلاً شاملاً في تاريخ الفكر العلمي، ودور البشرية في الطبيعة، ومشكّكاً في مركزية الإنسان، باعتبارها تفوّقاً مزعوماً، وحتى كشكل من أشكال معرفة الرجل الأبيض. كما يُدرج الحرب في هذا الخطاب، كما حدث في الحرب الأهلية في أنغولا، التي أدّت إلى مذبحة للبشر والحيوانات، كأحد انحرافات الإنسان العاقل. هناك أيضاً مجالٌ لمناقشة تاريخ صناعة الأفلام الوثائقية نفسها، مع مقتطفات من "وداعاً أفريقيا" (1966)، الوثائقي الشهير لجاكوبيتي وبروسبيري، المبالغ في تصوير قتل الحيوانات والبشر، رغم جدل عن صحّة المَشاهد. مع ذلك، وقفَ الفيلم إلى جانب الحيوانات، حتى في نقدٍ مُبهمٍ لإنهاء الاستعمار، الذي ترك موارد هائلة، بما فيها الحياة البرية، بأيدي سكان محليين، لم يتمكّنوا من إدارتها من دون توجيه الرجل الأبيض. بعد ستين عاماً، نضجَ وعينا، لكن، كما يخبرنا هرتزوغ، ليس بالقدر الكافي بعد.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows