شبكات غسل الأموال... تمرير حسابات كندية عبر قنوات خلفية عربية
Arab
1 hour ago
share
يوثق التحقيق عمل شبكات غسل أموال كندية عبر قنوات خلفية عربية، للتمويه على مصادر المبالغ التي يجري تبييضها والتهرب من متطلبات قانون عائدات الجريمة وتمويل الإرهاب باستخدام سلسلة من المكاتب الوهمية والحسابات الوسيطة. - تتدفق التحويلات المالية للمهاجرين، في مدينة كالغاري بمقاطعة ألبرتا الكندية، عبر شركات صرافة نشطة، من بينها Canex Forex Ltd التي تبدو كغيرها من المؤسسات الشبيهة. واجهة زجاجية معتادة وعليها لافتة بسيطة كتب عليها "تحويل سريع إلى الشرق الأوسط"، لكن خلف الإيصالات المختصرة وملفات الحسابات، دارت حركة مالية معقدة، مررت أكثر من 40 مليون دولار كندي، عبر نظام تحويل متداخل للتمويه على مصدر الأموال، والتهرب من الخضوع لمتطلبات قانون عائدات الجريمة وتمويل الإرهاب، وفق ما كشفته الشرطة الفيدرالية الكندية لـ"العربي الجديد". تميط هذه القضية اللثام عن جانب معتم في قطاع خدمات تحويل الأموال الكندي، إذ تستغل بعض المكاتب الشبيهة، ثغرات في نظام الرقابة المحلي والدولي لغسل أموال مرتبطة بتجارة المخدرات وشبكات الجريمة المنظمة تحت غطاء مدفوعات تبدو عائلية وصغيرة الحجم، ما يجعل من مؤسسات يفترض أنها جزء من الاقتصاد الرسمي، بوابات للتلاعب المالي، بالرغم من كونها تحظى بثقة النظام، كما يقول المدير السابق لقسم عائدات الجريمة في الشرطة الفيدرالية جاري كليمنت.   احتيال منظم عابر للحدود سنوياً تفتح الشرطة الفيدرالية ما بين 1800 و2300 ملف تحقيق بناء على بلاغات استخبارية يزوّدها بها مركز تحليل المعاملات والتقارير المالية في كندا FINTRAC (هيئة الرقابة المالية الحكومية)، بحسب رصد أجراه معد التحقيق لتقارير المركز السنوية للأعوام من 2019 وحتى 2024. والمشترك بين هذه الملفات أن غالبيتها تتعلق بشركات تحويل النقود تعمل واجهاتٍ إلى جانب شركات وهمية لتمرير ملايين الدولارات وإخفاء أثرها ضمن منظومة غسل أموال عالية التنظيم، بحسب وصف الشرطة الوارد في بيان على موقعها الإلكتروني بتاريخ 30 يونيو/حزيران 2025. يستغل المتورطون دولاً تمثل نقاط ضعف في حركة رأس المال العابرة للحدود يتضح مما سبق عبر تفاصيل التحقيق في أعمال شركة Canex Forex Ltd التي تتبع "العربي الجديد" آليات عملها، إذ تؤكد أوراق القضية أنها كانت بمثابة "الحلقة التشغيلية المركزية" لمخطط، يُظهر هيكله العام أن الشبكة عملت على أكثر من مستوى، باستخدام شكل هجين من عمليات تحويل دولية ومحلية، وفق خطوات ممنهجة: إدخال الأموال، ثم تمويهها عبر شركات وهمية عابرة للحدود، ومن ثم تمريرها عبر كيان محلي يعمل كقناة تشغيلية، ثم توزيعها داخلياً إلى وجهات نهائية لتشعيب المسارات المالية (layering)، وإخفاء المصدر الحقيقي للأموال قبل دمجها في النظام المالي الشرعي أو صرفها نقدا. وهذه البنية، بحسب رد الشرطة، ليست عمل أفراد معزولين، بل آلية منظمة لتسهيل تدفق رؤوس الأموال مجهولة المصدر عبر مقاطعات متعددة. ويفسر كليمنت، كيف تنجح هذه الشبكات في إتمام مخططاتها بقوله إن الاحتيال يتم باستخدام آلية بسيطة قوامها أن يتلقى طرف في بلد المرسل، مثلا شركة أو وسيط في بلد ما، مبالغ نقدية أو معاملات إلكترونية من عملاء، وعلى التوازي تُنسق هذه الحوالات مع شركة تحويل في كندا مثل Canex Forex Ltd، بحيث لا تنتقل الأموال فعلياً عبر الحدود، وإنما تجري تسوية داخلية بين عدة فروع، وتُستخدم فواتير أو معاملات تجارية وهمية غطاءً قانونياً لتبرير دخول مبالغ إلى النظام المصرفي. وبالطبع تقسم المبالغ إلى تحويلات صغيرة وتمرر عبر حسابات وسيطة متعددة لتفادي كشف أمرها، ومن ثم تُسحب نقدا أو تُستثمر محلياً في عقارات أو شركات "ليبدو في النهاية المال نظيفاً"، على حد وصفه.   الحوالة داخل الحوالة حتى نهاية عام 2024 كان هناك 2700 مكتب تحويل أموال مرخص في كندا، بينما اكتشف 188 كياناً غير مسجل. وهذه المكاتب غير القانونية تُستغل كقنوات خفية لتحويل الأموال بعيداً عن أعين الرقابة، وتشكل إحدى الثغرات الأساسية التي تُستخدم في غسل عائدات الجريمة وتمويه مصدرها، وهو ما تحذّر منه FINTRAC ولجان التحقيق المالي في كندا باعتباره أحد أهم المخاطر المحددة في مجال غسل الأموال. ويتجلى ذلك في قضية هاري سيو، من مقاطعة بريتش كولومبيا غرب كندا، والذي أدار واحدة من أكبر شبكات غسل الأموال في البلاد، بالاعتماد على إنشاء شركات للخدمات المالية غير المرخصة، هذه الشركات حولت عائدات الجريمة الناتجة عن مبيعات القنب غير المشروع عبر مجموعة من الصيدليات الإلكترونية، إذ مررت الشبكة الأموال عبر كيانات وهمية كحوالات مجزأة قبل أن تضخها في النظام المالي في صورة معاملات نظيفة، ويوضح بيان الشرطة الفيدرالية المنشور في 30 يناير/كانون الثاني 2025، أن سيو يواجه عدداً من التهم، من بينها غسل العائدات الإجرامية وتشغيل مكتب خدمات مالية بدون ترخيص. نقص المعلومات في 70% من تقارير المعاملات المالية يعرقل تتبع المخالفات وتستغل هذه الشبكات مراكز التحويل غير الرسمية في دول شرق المتوسط (مصر ولبنان وسورية وليبيا وفلسطين وتركيا واليونان وقبرص) وكذلك دول الخليج، والمناطق التي تمثل نقاط ضعف في حركة رأس المال العابرة للحدود، بحسب تقرير غسل الأموال من خلال مزودي خدمات التحويل المالي وتبديل العملات، الصادر عن مجموعة العمل المالي الدولية FATF (هيئة دولية لمكافحة غسل الأموال). مشيراً إلى استغلال تداخل الأنظمة القانونية وثغرات الرقابة لتدوير الأموال عبر ولايات قضائية متعددة، باستخدام ما يعرف بـ"الحوالة داخل الحوالة"، حيث تُرسل تحويلات صغيرة عبر مكاتب متسلسلة في دبي، وبيروت، وإسطنبول قبل أن تُسلم الأموال في كندا دون أن تمر عبر أي بنك تجاري. ويشير تقرير بعنوان دبي: مركز عالمي للتجارة، صادر في مايو/أيار 2023 عن مركز الإرهاب والفساد والجريمة العابرة Traccc (مؤسسة بحثية أميركية) إلى أن هذه المدن ليست وجهات عشوائية، بل محطات محورية في نظام مالي عالمي موازي، فدبي مركز مالي حر يسهل فيه تأسيس شركات تحويل الأموال وملكيتها غير شفافة، ويُسمح بتعاملات نقدية متعددة العملات، مما يعقد تعقب المصدر. أما بيروت، فشكلت عبر تاريخها معبراً مالياً بين الشرق الأوسط وأوروبا، وزادت أهميتها بعد انهيار القطاع المصرفي اللبناني، وأصبحت شركات الصرافة فيها بدائل أساسية للنظام البنكي، بينما تعد إسطنبول حلقة وصل بين الأنظمة المالية الغربية والشرقية، وتضم مكاتب تعمل بنظام الحوالة التقليدي ضمن بيئة تنظيمية مرنة، هذه الخصائص تجعل المدن الثلاث عقداً رئيسية ضمن شبكات "الحوالة داخل الحوالة". ويضرب مدقق سابق في مجال مكافحة غسل الأموال، طلب عدم الكشف عن هويته لكونه عمل متخفياً بتفويض من جهات حكومية، مثالاً على نموذج وظف تلك الآلية قائلاً: "تلقّى مستفيد في بيروت 65 تحويلاً من خمسة مكاتب كندية خلال أسبوعين، جميعها دون سقف الإبلاغ القانوني، ما جعلها تمر دون رصد، وعندما تمر عبر خمسة وسطاء يصبح تعقب مصدرها شبه مستحيل. "إنه التفاف واضح على الرقابة الحكومية".   الامتثال الورقي في الظاهر، تبدي مكاتب التحويل المالي في كندا التزاما بمعايير الامتثال التي تفرضها FINTRAC، من نماذج "اعرف عميلك" (KYC) إلى تقارير الإفصاح عن المعاملات المشبوهة، لكن هذا الالتزام يتحول غالباً إلى إجراء شكلي يخفي ثغرات تسهل مرور تحويلات مالية كبيرة عبر قنوات غير خاضعة لرقابة فعلية. ويقع هذا عندما تقدم مكاتب تحويل بلاغات شكلية فقط لتجنب المسؤولية، بينما تخفي التحويلات الحقيقية في ملفات سرية، وكون "النظام الرقابي يعتمد على الثقة أكثر من التحقيق، فهذه الحيل تمر، والثقة أصبحت ثغرة"، بحسب المدقق سابق الذكر. ومن واقع خبرته ينبه كليمنت إلى أن بعض المكاتب تتواطأ عن قصد، وأخرى تُقصّر عن جهل، لكن النتيجة واحدة: ملايين الدولارات تمر من دون رصد، موضحاً أن مؤشرات التواطؤ تشمل وجود سجلات مزدوجة أو تعاملات مع جهات محظورة دون إبلاغ، بينما مؤشرات ضعف الرقابة تتمثل في تنفيذ التحويلات من دون التحقق من المستفيدين الحقيقيين، إذ تكتفي بعض الشركات بنسخ من وثائق الهوية دون التحقق من مصادر الأموال أو السؤال عن المستفيدين الفعليين، وتسمح بتحويلات مجزأة مقابل عمولة. هذه الثغرات البنيوية تفسر، بحسب تقرير FINTRAC السنوي 2024، لماذا تبقى نسبة المتابعة القضائية للحالات المشبوهة دون 4%، في ظل استمرار بطء تبادل المعلومات وصعوبة إثبات النية الجنائية في القضايا المالية، مؤكداً أن 70% من تقارير المعاملات المشبوهة تحتوي على نقص في المعلومات، مما يعيق التتبع، وتبرر الهيئة ذلك في تقريرها السنوي: "مهمتنا الأساسية تقديم معلومات استخبارية مالية وإحالتها إلى جهات إنفاذ القانون، ولسنا جهة تحقيق أو ادعاء، لذا فإن حجم الإدانات لا يعكس مباشرة عدد الإحالات". وما يزيد الطين بلة، فجوة التنسيق بين الشرطة الفيدرالية وFINTRAC والجهات الإقليمية، ما يسمح بمرور أموال ضخمة دون تتبع فعلي وفق الضابط الفيدرالي سابقا كالفن كريستي. مؤكداً "أن كندا تملك إطاراً قانونياً قوياً، لكن التطبيق الميداني متأخر بنحو عشرين عاماً عن أساليب المجرمين"، ويدلل على ذلك بالقول إن "الشبكات الإجرامية الإيرانية والمكسيكية والصينية تستخدم مكاتب تحويل مرخصة في البلاد واجهاتٍ قانونيةً لغسل أرباح تجارة المخدرات والجرائم العابرة للحدود". وقانونياً، لا يصنّف تلاعب مكاتب التحويل بالمسارات المالية مجرد ضعف امتثال، بل يتحول جريمةً، فالتستر والتمويه المتعمدان يندرجان تحت جرم غسل العائدات، وتواطؤ الجهات أو تصميمها لنظام يتهرب من الإبلاغ قد يؤدي إلى تهم جنائية خطرة، يقول كليمنت.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows