Arab
في شارع العزيز عثمان بالقاهرة، يستقر متحف فاروق حسني الذي افتتح في العاشر من الشهر الجاري. حديقة هادئة أمام المدخل، تتناثر فيها تماثيل، بينها تمثال بالحجم الطبيعي لصاحب المتحف، فيما تتوزع في الداخل لوحات يغلب عليها حضوره، إلى جانب أعمال لفنانين مصريين معروفين. ولا يقتصر هذا الحضور على الأعمال المعروضة، بل يمتد إلى الاسم والتوقيع وصورته المرسومة التي تحولت إلى علامة للمتحف، بما يضع الزائر منذ اللحظة الأولى أمام تجربة لا تُقرأ بمعزل عن صاحبها.
لا يمكن التعامل مع الإعلان عن متحف جديد يحمل اسم وزير الثقافة المصري الأسبق بوصفه حدثاً فنياً خالصاً، فالاسم نفسه يستدعي سيرة شخصية شغلت موقعاً مركزياً في الحياة الثقافية والسياسية المصرية لأكثر من عشرين عاماً، ويعيد إلى الواجهة إشكالية قديمة تتعلق بصعوبة الفصل بين الفنان بوصفه صاحب تجربة تشكيلية فردية، والوزير بوصفه فاعلاً رسمياً داخل بنية الدولة، امتلك طويلاً أدوات القرار والتأثير في المجال الثقافي.
خلال وجوده على رأس وزارة الثقافة بين عامي 1987 و2011، ارتبط اسم فاروق حسني بعدد من المشاريع الثقافية الكبرى، بصرف النظر عن الجدل الذي أحاط بسياساتها أو آليات تنفيذها. من بين هذه المشاريع، وضع اللبنات الأولى لمشروع المتحف المصري الكبير، والمشاركة في إطلاق متحف الحضارة المصرية، إضافة إلى مشروع ترميم آثار القاهرة التاريخية، وإطلاق عدد من المبادرات الفنية، في مقدمتها المسابقة والمعرض الذي لا يزال يُنظم سنوياً تحت اسم "صالون الشباب" منذ عام 1989.
وقد شكّل الصالون منذ بدايته نافذة لجيل جديد من الفنانين، وفتح المجال أمام تجارب أكثر جرأة في الوسائط والأساليب، متجاوزاً النظرة التقليدية للعمل الفني، بوصفه لوحة أو تمثالاً. ومن خلاله برزت أسماء عديدة لا تزال فاعلة على الساحتين المحلية والدولية، ما جعله أحد أكثر المشاريع تأثيراً في العقود الأخيرة.
شهد الافتتاح حضورا لافتا لعدد من رموز نظام حسني مبارك
في موازاة ذلك، تعرّض لهجوم واسع إثر تحميله مسؤولية حريق مسرح بني سويف عام 2005، وحريق المسرح القومي في القاهرة سنة 2008، وسرقة لوحة "زهرة الخشخاش" لفان غوخ من متحف محمد محمود خليل بالعاصمة المصرية عام 2010، وطالب كتّاب وفنانون بإقالته ومحاسبته، لكن ذلك لم يحصل بسبب قربه من رأس النظام، كما كان يُشاع في الأوساط الثقافية.
ومن جهة أخرى يُعد من الشخصيات القليلة في ذلك النظام التي لم تُوجَّه إليها اتهامات فساد مباشرة، واستطاعت الحفاظ على حضور مهني نسبي بعد الخروج من السلطة. ومن هذا الالتباس تحديداً، تنبع الإشكالية الأساسية في قراءة افتتاح المتحف. فالمسألة لا تتعلق هنا بوجود المتحف ذاته، ولا بإتاحة أعماله للجمهور، إذ يظل أي فضاء جديد للفن في مدينة مثل القاهرة مكسباً نسبياً، لكنها تتصل بالسردية التي يُراد ترسيخها، فهل نحن أمام متحف يفتح ملف تجربة فنية وسياسية معقدة بكل تناقضاتها؟ أم أمام إعادة تقديم للفنان الوزير بوصفه رمزاً ثقافياً منزوع السياق؟
يضم المتحف نحو 86 عملاً فنياً لفاروق حسني، تمثل مراحل مختلفة من تجربته التي تميل في مجملها إلى التجريد اللوني، وتنشغل بالحركة والفضاء والكتلة البصرية. كما تُعرض قرابة ثلاثين لوحة من مقتنياته الخاصة، إضافة إلى أعمال نحتية من الخزف والبرونز والخشب والغرانيت.
يشمل المتحف أيضا مكتبة فنية وأدبية، ومكتبة موسيقية، وغرفة ميديا مخصصة للأفلام التسجيلية، ما يمنحه طابعاً أقرب إلى مركز ثقافي متكامل، ويضع المتلقي أمام تصور شامل للتجربة الفنية لصاحب المتحف وذائقته.
من حيث الشكل، يقدّم المتحف نفسه بوصفه مشروعاً تابعاً لمؤسسة أهلية تأسست عام 2019، تعمل في إطار المجتمع المدني، وتهدف إلى دعم الإبداع الفني ورعاية المواهب الشابة وتنظيم الفعاليات والمعارض. وهو خطاب يعكس تصوراً لدور المؤسسات غير الحكومية في إثراء المشهد الثقافي، لكنه يظل، في السياق المصري، محاطاً بتساؤلات حول حدود الاستقلال الفعلي عن المجال الرسمي للدولة. وقد بدا هذا الخطاب موضع اختبار في لحظة الافتتاح نفسها التي شهدت حضوراً لافتاً لرموز النظام السابق بمختلف أطيافهم، من سياسيين ورجال أعمال وإعلاميين ومثقفين وشخصيات عامة، في مقدمتهم جمال مبارك، نجل الرئيس الراحل حسني مبارك.
بدا المشهد، بالنسبة لكثيرين، أشبه بإعادة تجميع رمزي لطبقة سياسية اجتماعية لم تختفِ تماماً، بل أعادت ترتيب حضورها في المجال العام، وهذه المرة عبر بوابة الفن.

Related News
تسوية أوضاع طلاب فرع جامعة دمشق في السويداء
alaraby ALjadeed
3 minutes ago