"فن إغراء الجماهير".. السياسية المعاصرة في لقطات أسطورية
Arab
1 week ago
share
العائلة المالكة على شرفة باكنغهام تتحوّل في عين المؤلف إلى آلهة على قمّة الأولمب، والطاولة الطويلة بين بوتين وماكرون تشبه متاهة كريت. صورة خافيير ميلي مع المنشار تتجسد معركةً أسطوريةً، ورحلة بيدرو سانشيز في سيارته تتحول إلى عودة البطل، وصراع أورسولا فون دير لاين على كرسي بروتوكولي يُقرأ نسخةً جديدةً من مقاومة النساء عبر التاريخ. هذه المشاهد كلّها نراها يومياً في الأخبار، لكن توني آيرا، الصحافي والأكاديمي المتخصص في الاتصال السياسي، يراها جزءاً من سرد أعمق. إنّها امتداد للأساطير القديمة التي ما زالت تتحرّك في وجداننا الجماعي، حتى ونحن لا ننتبه إلى ذلك. في كتابه الصادر حديثاً "أسطوريون: فن إغواء الجماهير" (ديباتي، 2025)، يعيد آيرا ترتيب المشهد السياسي في عالم يهيمن فيه البصري على الكلمة. يؤكد الكتاب منذ البداية أن الصور السياسية الأيقونية لا تولد بالمصادفة؛ فكل مشهد، وكل إيماءة، وكل رمز يُصاغ بوعي وحساب دقيق، كما تُصاغ الأساطير لتدوم وتؤثّر. فالصور توقظ الذاكرة وتستدعي الانحياز وتثير الانتباه بطريقة تتجاوز أي خطاب مكتوب. ومن هنا، يقرأ آيرا المشاهد السياسية المعاصرة لقطاتٍ ميثيولوجيةً حديثةً: ميلي يحمل منشاراً كأنّه بيرسيوس يواجه ميدوسا، ترامب بقبعته الحمراء يرمز إلى هرمس السريع والماهر، مادورو ببدلته الرياضية يبدو كهرقل، وسانشيز في رحلته البسيطة يشبه أوديسيوس العائد من منفاه. هذه الرموز ليست مجرد استعارات. إنها دلائل على استمرار الأسطورة في تشكيل الزعامة والإحساس الجمعي. الصور السياسية الأيقونية تصاغ بدقّة، ولا تولد بالمصادفة يتضح للقارئ أن الواقع السياسي نفسه يستدعي الأسطورة، وأن السياسيين، عن قصد أو بدونه، يتحركون داخل معجمها. وفي هذا السياق، يرى آيرا أنّ الديمقراطية الحديثة صارت أكثر من مجرد برامج وسياسات. فهي مسرح للرموز، حيث يتفاعل الجمهور مع الصورة قبل الفكرة، ويختار القائد كما يختار البطل، ويتأثر بالزي كما يتأثر بالأسطورة. لا يغفل الكتاب دور المستشارين السياسيين الذين يسميهم المؤلف "الميثولوجيون المعاصرون"، صنّاع المشهد الذين يحوّلون التفاصيل العابرة - اختيار السيارة، زاوية الصورة، لون الملابس، المكان - إلى رموز قادرة على صناعة زعامة وتأثير جماهيري. وفي زمن الخوارزميات، يذكّرنا الكتاب بأن الخيال البشري لا يزال القوة المحركة للمسرح السياسي، وأن القدرة على الإقناع بالرمز البصري لها حدّ أخلاقي، فقد تُلهم أو تخدع، توحّد أو تُستغل. يقدم الكتاب أيضاً فكرة ثقافية جذابة، فهو يظهر كيف أن الأساطير الإغريقية تخلّت عن كونها محتوى أكاديمياً وصارت جزءاً من الثقافة الشعبية، في الميمات والشعارات والإطلالات التلفزيونية. رؤساء يشبهون أبطالاً قدامى، وملوك يعتلون شرفاتهم كآلهة أولمبية، وسياسيون يبنون مسارهم على قصة أوديسية أو هرقلية. الأسطورة لم تمت؛ لقد ارتدت قبعة، أو جاكيتاً رياضياً، أو التقطت سيلفي. في زمن تتجاوز فيه الصورة معنى الحدث، وتصبح هي الحدث نفسه، يقدّم آيرا كتاباً يكشف الجانب الخفي من السياسة: طقوسها، رموزها، ومخزونها الأسطوري الذي لم يختف. ضمن هذا السياق، يمكن قراءة الكتاب بوصفها محاولة لتفكيك البنية اللاواعية للخطاب المعاصر، وللمسافات القصيرة التي تفصل بين السلطة والأسطورة، وبين القائد والصورة التي تسبقه دائماً.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows