هل نثرثر كما نحب في هذا الزمان؟
Arab
5 hours ago
share
هل نثرثر كما نحب في هذا الزمان؟ يمكن ذلك، بشرط الابتعاد عن كلّ محظور، وما أكثر المحظورات في زمن الخطورة هذا. أنا أثرثر، ولسان حالي قول الشاعر أحمد مطر: عِندي كَلامٌ رائِعٌ لا أستَطيعُ قولَهْ أخافُ أنْ يَزدادَ طيني بِلَّهْ! وأنا كذلك أخاف أن يزداد طيني بلّه، بل أخاف أن يذهب الطين كلّه! وبالمناسبة، أنا رجل ثرثار على الأوراق، وهذا ما عرّفتُ به نفسي على "فيسبوك". أحب أن أكتب عن أي شيء يخطر على ذهني، لا ادّعاءً بالإحاطة بكلّ شيء، بل ضمن دائرة اهتمامي. حسناً، ما هي دائرة، أو دوائر، اهتماماتي؟ أنا مهتمّ بالعلوم وما يدور في فلكها، وبخاصة الفيزياء والرياضيات، وهما من أكثر المواد كرهاً لدى ناشئتنا في هذا الزمان، وقد فصّلتُ أسباب ذلك في مقالة بعنوان "أنا وعلم الأحياء"، منشورة في مدوّنات "العربي الجديد". والشاهد أنّني مؤمن بالعلوم الطبيعية في زمن الكفر بها، مؤمن بأنّ العلم نور، بل أنوار تضيء لنا الطريق نحو المستقبل. أسمعكم تقولون: أيّ مستقبل في جغرافية اليمن المنسية؟ ومن حقّكم أن تستغربوا، بل أن تتشاءموا، فكلّ الشواهد تكاد تقول غير ذلك. لكن نسيت أن أذكر أنّ من اهتماماتي التاريخ، والقراءة في مجرياته وفلسفته. ولن أخوض هنا في جدلية الفرق بين التاريخ والتأريخ، ما يعنيني هو العِبرة من قراءة التاريخ الإنساني عامة، واليمني خاصة. دائماً ما أخرج من هذه القراءات بخلاصة مفادها أنّ التغيير سِمة الزمن. وقد كان الفيلسوف اليوناني هيرقليطس محقاً حين قال: "لا يمكنك أن تنزل النهر نفسه مرتين"، بمعنى أنّ التغيير هو الأصل، والجمود هو الاستثناء. وهو القائل أيضاً: "الحرب أمّ الأشياء"، والحرب هنا بمعنى الصراع، لا الحرب العسكرية فحسب. فهذا الصراع في المجتمعات هو الذي يدير عجلة التغيير. لذا؛ فالمستقبل قادم، رغم كلّ ما يجري، لأنّ ما يجري ليس سوى قطرة في عُباب الزمن المتدفّق. فهل يجوز أن نحكم على مجرى الزمن من خلال نظرتنا الضيّقة إلى قطرة واحدة منه؟ ومن اهتماماتي كذلك اللغة، والعربية تحديداً، لغتي القومية، بل الفطرية أيضاً. أقول دائماً إنّ اللغة أداة التفكير، فهل يمكن أن نفكّر من دون لغة؟ وقد تساءلتُ يوماً: ما اللغة التي يفكّر بها العقل؟ لا أظنّها الإشارات العصبية كما تقول الأبحاث العلمية، فهذه في رأيي مجرّد مظهرها الخارجي. لكن ما لغة الآلة في تلافيف المادة الرمادية في الدماغ؟ هل هي النظام الثنائي، الصفر والواحد، كما في الحاسوب؟ أم لغة ميكانيكا الكم كما في الحاسوب الكمي؟ أميل إلى أنّ الإنسان يفكّر بلغته القومية، بغضّ النظر عن اللغات التي يجيدها. وهذا رأي شخصي لا علمي. الإنسان يفكّر بلغته القومية، بغضّ النظر عن اللغات التي يجيدها. وهذا رأي شخصي لا علمي أنا مهتمّ باللغة العربية لأنّي أحبّها، بل أعشقها. لذلك أغوص في ما كتبه علماء العربية عن أسرارها، من أمثال الإمام الخليل بن أحمد الفراهيدي، عبقري اللغة الأعظم، ومن جاء بعده ممن سبروا أغوار "هذه اللغة التي لا يُحيط بها إلّا نبي، وأهلها هم جنّ الإنس"، كما قال الإمام الشافعي، وهو نفسه كان من كبار رجال اللغة، على الرغم من شهرته فقيهاً وصاحبَ مذهب. وللإمام محمود بن عمر الزمخشري إسهامات جليلة في الكشف عن عظمة العربية، تتجاوز تفسيره البلاغي "الكشّاف"، مثل "المفصّل في صنعة الإعراب" و"أساس البلاغة". وكذلك العلّامة أبو الفتح عثمان بن جني، صاحب المتنبي، في كتابه "الخصائص"، وما جاء به في باب الاشتقاق وأحواله. ولو عددت إسهامات علماء العربية، لما اتّسع المجال لسردها. ولعلّ ولعي باللغة هو ما دفعني إلى الالتفات إلى لهجتنا اليمنية، باحثاً عن صلاتها بالعربية الفصحى، وكيف يتكلّم الإنسان اليمني على سليقته، من دون معرفة بقواعد النحو أو الصرف، فيأتي كلامه منضبطاً مع قواعد ربما لم يسمع بها قط. ودليلي في هذا المبحث كتاب أستاذنا مطهّر بن علي الإرياني، الشاعر واللغوي والمؤرّخ المعروف، "المعجم اليمني في اللغة والتراث"، وهو كتاب يستحق مقالة، بل مقالات كاملة للحديث عنه. يعالج المعجم المفردات اليمنية مقارنة بالفصيح وبالنقوش اليمنية القديمة، مستشهداً بالشعر الحميني والشعبي ذي الطابع القبلي، وبالشعر الفلكلوري، إذ تحضر حكايات التاريخ جنباً إلى جنب مع اللغة. واللغة تقودك بالضرورة إلى الشعر. ونحن نعرف مكانة الشعر عند الإنسان العربي، أليس "الشعر ديوان العرب"؟ وقد نُسبت هذه المقولة لأكثر من قائل. واللافت أنّ أهل المعاجم اختلفوا حول أصل كلمة "ديوان"، فقيل أصلها "دوّان"، وعُوِّض عن إحدى الواوين ياء لأنها تُجمع على دواوين، وقيل "دياوين"، وقيل إنها لفظة فارسية معرّبة. غير أنّ الخليل يقول في "العين": "القَعَدُ القومُ الذين لا ديوان لهم"، فهي بذلك اسم مكان، ولا يزال هذا اللفظ مستخدماً في لهجتنا اليمنية، فالديوان هو مجلس البيت أو مكان اجتماع الناس، وفي بلدان الخليج يُسمّى "الديوانية". أمّا الشعر، فله حديث آخر ذو شجون. هل هذا كلّ شيء؟ بالطبع لا. لكن هذا ما تواردت به الخواطر في لحظة الكتابة.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows