في استحالة العنوان المناسب
Arab
5 hours ago
share
كنا نعتقد، حتّى وقت قريب، أن العنوانَ واجهةٌ للنص، واختصار له، أو وعدٌ بما سيأتي. لكنه انفلت من كل محاولات تقييده بدالٍّ مناسب؛ لأنه بلا صورة ذهنية مجردة مستقرة يمكن الإمساك بها. العنوان، في جوهره، لحظة ارتباك أولى، اختبار صامت بين الكاتب واللغة، ومحاولة لتسمية شيء يُدرك مسبقاً أنه عصيٌّ على التقييد، وسينفلت حتماً من التسمية. منذ البداية، تقف اللغة في موقع العجز النبيل: تريد أن تشير، لكنها تفشل في الاحتواء. كل عنوان يفرض ترتيباً قسرياً للتجربة؛ يضعها في إطار، ويقنّنها، ويؤطّرها في حيّز قبليّ يسبق تشكّلها الوجداني، ويقترح على القارئ مساراً للفهم قبل أن يبدأ التيه الضروري. لهذا؛ يصبح البحث عن العنوان المناسب فعلاً إشكالياً، لأنّ "المناسبة" هنا تعني التواطؤ مع الوضوح، ومع الطمأنينة السهلة التي تطمس توتر الفكرة. أولاً: اغتيال التعدّد... العنوان بوصفه مركزَ ثقل اصطناعياً إنّ السعي وراء العنوان المناسب هو، في جوهره، سعيٌ إلى إيقاف سيلان المعنى. فالمطابقة في الفن إعلان وفاة التعدّد، وحين نمنح النص اسماً، نمارس نوعاً من الاختزال القسري؛ ننتزع الشتات الجمالي من سيولته لنضعه تحت سطوة التعريف. يشتغل العنوان بوصفه مركزَ ثقل اصطناعياً، يحاول جذب جزيئات النص المبعثرة نحو نقطة واحدة، بدل تركها تسبح في فضاءات التأويل الحر. إنه الخيانة الضرورية التي يرتكبها المؤلف كي يجعل نصه قابلاً للتداول؛ فالنص بلا عنوان كائن هلامي يفتقر إلى الهوية السياسية والاجتماعية في فضاء الأدب. العنوان، في جوهره، لحظة ارتباك أولى، اختبار صامت بين الكاتب واللغة، ومحاولة لتسمية شيء يُدرك مسبقاً أنه عصيٌّ على التقييد، وسينفلت حتماً من التسمية من هنا، تبدو القصيدة الجاهلية تجسيداً لهذا الهلام الجمالي المتمنّع على القولبة؛ إذ كان غياب العنوان فيها انحيازاً أصيلاً لسيولة الوجود الشعري قبل اعتقاله في أطر التدوين البصري. فالتعريف بالمطلع أو القافية تعريف بالصيرورة لا بالنتيجة، وبالحركة الإنشادية لا بالسكون المعجمي. إنها مقاومة لسلطة العنوان بوصفه وصاية دلالية، وتفضيل لأن يبقى النص ترحالياً، يُستدل عليه بأثره الصوتي. وبهذا؛ انبثق النص من أفعال مثل: "قِفا"، "أمِن"، "عَفَت"، لا من اسمٍ يُغلق الدلالة. ثانياً: مفارقة الاسم والمسمّى تتجلى إشكالية العنوان في محاولته أن يكون كلياً، بينما النص جزئي بامتياز، وأن يكون ثابتاً، بينما التجربة الإبداعية تحوّل دائم. ويمكن رصد هذا التوتر عبر مستويات أبرزها: سلطة الحصر: يمنح العنوان القارئ وهم السيطرة، كأنّ امتلاك الاسم يعني امتلاك الجوهر، فيتحول فعل القراءة إلى مطاردة بائسة لفك شفرة العنوان داخل المتن. اللغة بوصفها حجاباً: بدل أن يكشف العنوان النص، يقوم بحجبه. إنه القناع الأول على وجه المعنى؛ فالمعنى القابل للاختصار في كلمة معنى فاقد لشرعيته الوجودية بوصفه قلقاً أو انزياحاً. جمالية الانفلات: أكثر العناوين صدقاً هي تلك التي تفشل في أن تكون مناسبة؛ تلك العالقة في منطقة "بين-بين"، تمارس المكر اللغوي لتوحي بالشيء ونقيضه. وهنا يُستحضر عبد الفتاح كيليطو، الذي تنجح عناوينه دائماً في مراوغة القارئ، لأنه، كما قال، يعتبر القارئ عدواً. ثالثاً: مختبرات التيه... في بلاغة الصخب والعمى والانتظار عند تأمل التجارب الكبرى، نجد العنوان مساحة للارتباك الصادم: وليم فوكنر... الصخب والعنف: استقى فوكنر عنوانه من "ماكبث" لشكسبير، إذ تُوصف الحياة بأنها "حكاية يرويها معتوه، ملؤها الصخب والعنف، ولا تعني شيئاً". هنا يتجاوز العنوان موضوع الرواية المباشر ليشير إلى اللاشيء، ويضع القارئ أمام مفارقة وجودية. التسمية ليست شرحاً، بل إحالة مستمرة ترفض الاستقرار. جوزيه ساراماغو... العمى عنوان يوهم بالمطابقة الجسدية، ليخفي تعرية أخلاقية وفلسفية للبصيرة الإنسانية. العمى هنا بياضٌ ناصع لا سواد، ما يقلب التوقعات المرتبطة بالاسم، ويكشف فشل العنوان في الاحتواء. صامويل بيكيت... في انتظار غودو قمة تسمية الغياب؛ العنوان يسمّي الانتظار العبثي، فيما يظل "غودو" سراباً لا يأتي. الاسم يفرض مساراً للفهم، لكنه يترك الهدف مجهولاً، ويتقاطع لغوياً مع لفظ "God"، ليغدو رمزاً للمطلق المؤجَّل. خاتمة: نحو عنونة مضادّة الخروج من مأزق "استحالة العنوان المناسب" لا يكون بالعثور على العنوان الكامل، بل باختيار العنوان القلق؛ ذاك الذي يفتح ثقباً في جدار النص بدل أن يسدّه. يصبح العنوان جرحاً في جسد الورقة، إشارة تدل على الاتجاه وتخفي المآل. الكاتب الحقيقي يضع عنواناً ليحث القارئ على التشكيك في جدوى التسمية ذاتها. فالعنوان المناسب هو الغياب الذي يخلّفه النص في ذهن القارئ بعد اكتمال القراءة، هو السؤال الذي يواصل نموّه في العتمة.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows