Arab
منذ اندلاع حرب الإبادة، لم يعد الاقتصاد في قطاع غزة مجرد أرقام تتداول في تقارير رسمية، بل تحوّل إلى عبء يومي ثقيل يطارد الغزيين في تفاصيل حياتهم الصغيرة، من رغيف الخبز إلى الحصول على الماء والكهرباء والدواء. فالحرب لم تدمّر المباني والبنية التحتية فحسب، بل أصابت جوهر الحياة الاقتصادية ودفعت بالمجتمع بأكمله إلى حافة العوز والانكشاف الكامل. وسط هذا الواقع، تتقاطع أزمات قلة المساعدات وارتفاع البطالة وانخفاض الدخل وغلاء الأسعار مع تكاليف يومية جديدة فرضتها الحرب، لتشكل حلقة خانقة من الفقر والعجز. ومع غياب أي أفق اقتصادي أو سياسي واضح بات المواطن الغزي محاصراً بين فقدان العمل وتآكل الدخل وارتفاع الاحتياجات الأساسية.
المساعدات... شريان مقطوع
ويشكو الفلسطيني حسن سلطان من شمال قطاع غزة من قلة المساعدات الإنسانية، في وقت بات فيه يعتمد عليها بشكل كامل لإعالة أسرته. ويقول سلطان لـ"العربي الجديد" إن المساعدات التي كانت تصل سابقاً بشكل شبه منتظم أصبحت اليوم نادرة وغير كافية، وغالباً لا تشمل سوى مواد غذائية محدودة لا تسدّ احتياجات الأسرة لأيام قليلة. ويضيف: "انتظار المساعدات أصبح رحلة معاناة بحد ذاتها، تتخللها مخاطر القصف والازدحام والحرمان"، مؤكداً أن انعدام الدخل بشكل كامل جعله عاجزاً عن شراء أي احتياجات من السوق، خاصة في ظل ارتفاع الأسعار، ما جعله يشعر بأن المساعدات لم تعد دعماً إضافياً بل مسألة حياة أو موت. ويشير إلى أن كثيراً من العائلات في منطقته تعيش الوضع ذاته، مع اختلاف بسيط في حجم المعاناة، لكن النتيجة واحدة وهي اعتماد شبه كلي على ما يصل من مساعدات.
وتجدر الإشارة إلى أنه لم يكن اعتماد الغزيين على المساعدات بهذا الحجم قبل الحرب، إلا أن السياسات الإسرائيلية خلال الحرب جردت الغالبية الساحقة من السكان من أعمالهم ومصادر دخلهم، ودفعت بهم قسراً إلى البطالة والفقر. ونتيجة لذلك، ارتفعت نسبة الاعتماد على المساعدات من 60% قبل الحرب إلى نحو 95% في الوقت الحالي، في سابقة خطيرة تعكس انهياراً شبه كامل للاقتصاد المحلي. هذا الاعتماد الواسع لا يشكل حلاً مستداماً، بل يكرس حالة من الهشاشة الاقتصادية والاجتماعية، فالمساعدات مهما بلغت، لا يمكنها تعويض غياب العمل والإنتاج ولا بناء اقتصاد قادر على الصمود. كما أن تقليص تدفقها أو تسييسها يعرض المجتمع لمخاطر إنسانية جسيمة ويحول الغذاء إلى أداة ضغط إضافية في سياق الحرب.
سوق عمل مشلول
وانضم العامل في مهنة الخياطة منذ أكثر من 16 عاماً عبد الله المقوسي إلى صفوف العاطلين عن العمل بعد قصف المصنع الذي كان يعمل به شرق مدينة غزة. وقال المقوسي لـ"العربي الجديد" إن المصنع كان مصدر رزقه الوحيد، ومع تدميره فَقَد، ليس عمله فقط، بل مهارته التي بناها على مدار سنوات، مشيراً إلى أن البحث عن عمل جديد بات شبه مستحيل في ظل إغلاق المصانع ودمار الورش. وبحسب التقرير المشترك للجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني وسلطة النقد، فقد تجاوز معدل البطالة في قطاع غزة 77% خلال عام 2025، في مؤشر يعكس الشلل شبه الكامل في سوق العمل. كذلك لم تتجاوز نسبة المشاركة في القوى العاملة 38%، ما يدل على انسداد واسع في فرص التوظيف وتراجع القدرة على البحث عن عمل أصلاً.
وتختلف نسبة البطالة عن نسبة المشاركة في القوى العاملة، إذ تعكس البطالة نسبة الباحثين عن عمل من دون أن يجدوه من إجمالي القوى العاملة، بينما تشير نسبة المشاركة إلى حصة السكان في سن العمل المنخرطين أصلاً في سوق العمل. ويعكس انخفاض المشاركة حالة إحباط واسعة وانسحاب أعداد كبيرة من المواطنين من محاولة البحث عن عمل نتيجة تدهور الواقع الاقتصادي. وتشير هذه الأرقام إلى أن غزة لا تعاني من بطالة مرتفعة فقط، بل من انهيار بنيوي في سوق العمل، فحين تنخفض المشاركة في القوى العاملة، فهذا يعني أن جزءاً كبيراً من السكان فقد الأمل أصلاً في إمكانية العثور على وظيفة، ما يترك آثاراً نفسية واجتماعية عميقة. والنتيجة المباشرة هي اتساع رقعة الفقر وتراجع القدرة على الصمود وتآكل رأس المال البشري، إذ يفقد العمال مهاراتهم مع طول فترة التعطل. ومع غياب برامج إنعاش اقتصادي حقيقية، تتحول البطالة من أزمة مؤقتة إلى واقع طويل الأمد يهدد مستقبل أجيال كاملة في غزة.
انخفاض الدخل ورواتب مبتورة
ويشكو الموظف الحكومي عبد الكريم سعد من انخفاض دخله بعد تلقيه نسبة من راتبه لا تتجاوز في الغالب 60%، نتيجة أزمات الرواتب التي تعاني منها الحكومة. ويقول سعد لـ"العربي الجديد" إن دخله الشهري انخفض خلال العامين الماضيين من نحو 3800 شيكل (الدولار = 3.14 شواكل) إلى قرابة ألفي شيكل، في وقت تتصاعد فيه الأسعار بشكل غير مسبوق.
ويضيف: "هذا الانخفاض انعكس بشكل مباشر على مستوى معيشة أسرتي، حيث بتّ عاجزاً عن تغطية الاحتياجات الأساسية، واضطررت إلى تقليص الإنفاق على الغذاء والملبس وحتى العلاج"، مؤكداً أن الراتب لم يعد يوفر أي شعور بالأمان الوظيفي أو الاقتصادي.
ويمثل انخفاض الدخل أحد أخطر أوجه الأزمة الاقتصادية في غزة، فالدخل المحدود حين يتزامن مع تضخم مرتفع، يفقد قيمته الفعلية بسرعة ويحول الوظيفة من مصدر استقرار إلى عبء نفسي ومعيشي. كما أن استمرار صرف الرواتب الجزئية يضعف الطلب المحلي ويعمق الركود الاقتصادي ويزيد من اعتماد الأسر على المساعدات والديون. وفي ظل غياب حلول مالية شاملة تبقى هذه الفئة عالقة بين العمل بلا أجر كافٍ والعجز عن تلبية متطلبات الحياة الأساسية.
أسعار ملتهبة
أما الفلسطينية فداء السيد، من مخيم النصيرات وسط قطاع غزة، فأعربت عن تذمرها من ارتفاع الأسعار بشكل جنوني، مؤكدة أنها لم تعد قادرة على إعالة أطفالها السبعة، خاصة بعد استشهاد زوجها أثناء ذهابه لتلقي المساعدات في مركز "نتساريم" السابق. وتقول السيد لـ"العربي الجديد" إن أسعار المواد الغذائية الأساسية تضاعفت مرات عديدة، بينما دخلها شبه معدوم، في وقت تحولت فيه رحلة التسوق التي كانت تقتصر سابقاً على تلبية الاحتياجات الأساسية إلى معادلة مستحيلة. وتشير إلى أنها باتت تضطر للاختيار بين شراء الخبز أو الخضراوات، وبين توفير الحليب أو بعض المستلزمات الضرورية لأطفالها، لافتةً إلى أن أي مبلغ بسيط تحصل عليه من مساعدات أو ديون سرعان ما يتبخر أمام الأسعار المرتفعة، ما يجعلها تعيش في قلق يومي من نفاد الطعام وعدم قدرتها على تلبية الحد الأدنى من متطلبات الحياة.
وتتابع: "غياب الرقابة على الأسواق، إلى جانب شح السلع وانقطاع الإمدادات، فاقم من معاناتنا، فارتفاع الأسعار لا يضغط على قدرتنا الشرائية فقط، بل يترك أثراً نفسياً قاسياً عليّ وعلى أطفالي، الذين باتوا يدركون حجم العجز الذي نعيشه". وبحسب غرفة تجارة وصناعة غزة، تجاوزت الخسائر الاقتصادية خلال عام 2025 فقط 13 مليار دولار، ما يرفع إجمالي الخسائر منذ بداية الحرب إلى نحو 70 مليار دولار. وأشارت الغرفة إلى تشوهات عميقة يعاني منها اقتصاد غزة، أبرزها الارتفاع الحاد في الأسعار، حيث شهد صيف 2025 قفزات سعرية تجاوزت 3000% خلال ذروة المجاعة، قبل أن تنخفض لاحقاً إلى نحو 150%، وهي مستويات لا تزال مرتفعة وغير منسجمة مع القدرة الشرائية المنعدمة للسكان.
ويعكس هذا التضخم حالة اختلال حاد بين العرض والطلب، ناتجة عن تدمير سلاسل التوريد وإغلاق المعابر وانعدام الرقابة الفعلية. ومع غياب الدخل، يتحول أي ارتفاع في الأسعار إلى أزمة وجودية للأسر لا مجرد ضغط معيشي. كما أن استمرار التضخم بهذا الشكل ينسف أي إمكانية لتعافي اقتصادي سريع ويعمق الفجوة بين الاحتياجات الأساسية وقدرة السكان على تلبيتها، ما يهدد بانفجار اجتماعي في حال استمرار الأوضاع على حالها.
تكاليف قاهرة
ويتحدث الفلسطيني فريد العرعير، من مدينة غزة، عن تكاليف يومية جديدة فرضتها الحرب، مثل شراء المياه الحلوة والحطب وبطاقات الإنترنت وشحن الهواتف، وهي خدمات كانت هامشية قبل الحرب بسبب انخفاض أسعارها وتوفرها.
ويقول العرعير لـ"العربي الجديد" إن الأسرة الواحدة تحتاج إلى ما لا يقل عن عشرة شواكل يومياً فقط لتأمين هذه الحاجيات، مضيفاً: "هذه التكاليف، رغم بساطتها باتت تشكل عبئاً ثقيلاً علينا في ظل انعدام الدخل أو تآكله، وتتحول المصروفات اليومية إلى مصدر قلق دائم لنا، خاصة مع تراكمها على مدار الأسبوع والشهر". ويشير إلى أن هذه الأعباء اليومية لم تكن محسوبة في السابق، لكنها اليوم أصبحت جزءاً ثابتاً من ميزانيتي، في وقت تغيب فيه أي مصادر دعم منتظمة، لتتحول تفاصيل الحياة البسيطة في غزة إلى معركة يومية للبقاء.
وتظهر هذه التكاليف كيف غيرت الحرب بنية الإنفاق اليومي، حيث تحولت الخدمات الأساسية إلى سلع نادرة وباهظة، ومع تراكم هذه المصاريف حتى بمبالغ تبدو صغيرة، تتآكل القدرة المعيشية للأسر بشكل سريع، وتضاف طبقة جديدة من الضغط الاقتصادي على واقع مأزوم أصلاً. وتجدر الإشارة إلى أن هذه القضايا مجتمعة تكشف عن اقتصاد غزة كمنظومة منهكة لا تعاني من آثار الحرب فقط، بل من غياب أي أدوات حقيقية للصمود أو التعافي. وبين بطالة خانقة ودخل متآكل وأسعار ملتهبة، يبقى المواطن الغزي الحلقة الأضعف في معادلة اقتصادية قاسية، عنوانها الأبرز حياة تحت الحد الأدنى.
