Arab
فتح إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الثلاثاء، عن فرض تعرفة جمركية بنسبة 25% على أي دولة تقوم بأعمال تجارية مع إيران "جبهة اقتصادية" مفاجئة في قلب الخليج؛ إذ يستهدف القرار من حيث مضمونه "المثلث التجاري" الذي يربط إيران بدول الخليج، وهذه الدول بالاقتصاد الأميركي.
وجاءت صياغة القرار بلهجة متشددة باعتباره "ساريا فورا"، لكن من دون نشر تفاصيل تنفيذية، ما جعل أثره الفوري محصوراً حتى الآن في صدمة سياسية وارتفاع منسوب عدم اليقين لدى الحكومات والأسواق، حسبما أورد تقرير نشرته مجلة تايم الأميركية.
وتظهر خريطة تجارة إيران الخارجية اقتصادا محاصرا يعتمد على عدد محدود من "الرئات التجارية"، وفي قلب هذه الخريطة تقف الإمارات عقدةً تجارية مركزية، إذ تشير بيانات منصة "تريدنغ إيكونوميكس"، إلى أن صادرات الإمارات إلى إيران بلغت نحو 6.07 مليارات دولار في 2024، مع استمرار تدفق السلع الوسيطة والتجهيزات والاستهلاكيات إلى السوق الإيرانية عبر الموانئ الإماراتية.
وتكشف أرقام مصلحة الجمارك الإيرانية عن تجارة غير نفطية إجمالية تقارب 27 مليار دولار بين البلدين في السنة الإيرانية المنتهية في مارس/ آذار 2025، بنحو 7.2 مليارات دولار صادرات إيرانية للإمارات وأكثر من 21 مليار دولار واردات منها، ما يجعل الإمارات المصدر الأول لواردات إيران غير النفطية وأحد أهم أسواق صادراتها، ويكرس دور دبي خصوصا بوصفها منصة إعادة تصدير ولوجستيات تخترق حواجز العقوبات.
وفي المقابل، يقدر مجلس الأعمال الأميركي-الإماراتي التجارة الثنائية في السلع والخدمات بين واشنطن وأبوظبي بنحو 34.4 مليار دولار في 2024، منها 26.9 مليار دولار صادرات أميركية، مع فائض تجاري أميركي يقارب 19.5 مليار دولار.
وهنا تبرز أهمية صياغة ترامب لتعرفة الـ25%؛ إذ أعلن أن "أي دولة تقوم بأعمال مع إيران ستدفع 25% على كل أشكال التجارة مع الولايات المتحدة"، ما يضع الإمارات، بوصفها شريكاً رئيساً لإيران وواشنطن معا، في عين العاصفة.
وتشير دراسة صادرة عن معهد دول الخليج العربية في واشنطن إلى أن "تعرفة إيران" الجديدة تضيف طبقة جديدة فوق الرسوم الأساسية التي تبنتها إدارة ترامب في ولايته الثانية، والتي رفعت بالفعل تكاليف الصلب والألومنيوم والآلات في الخليج. كما تورد الدراسة ذاتها أن هذه الرسوم زادت تكلفة مشاريع البناء في السعودية بنسبة تراوحت بين 3.4% و7% خلال عامين، في اقتصاد يعتمد بدرجة عالية على الواردات الرأسمالية والسلع الاستهلاكية.
وفي الإمارات، تظهر بيانات "رويترز" أن التجارة غير النفطية في السلع بلغت مستوى قياسيا عند نحو 3 تريليونات درهم في 2024، مع ارتفاع واضح في دور دبي بما هو مركز إعادة تصدير، لكن مسوح "مؤشر مديري المشتريات" التي تعدها وكالة "ستاندرد آند بورز" للتصنيف الائتماني أظهرت في أواخر 2025 أن الشركات تواجه أسرع وتيرة لارتفاع تكاليف المدخلات منذ أكثر من عام، وتضطر لتمرير جزء من الكلفة إلى الأسعار النهائية للمستهلك.
وقال ثاني بن أحمد الزيودي وزير الدولة الإماراتي للتجارة الخارجية، إن السلطات لا تزال تقيّم التداعيات المحتملة لقرار الولايات المتحدة بفرض رسوم جمركية بنسبة 25% على الدول التي تتعامل تجارياً مع إيران، مؤكدا أن القرار سيكون له تأثير كبير على الإمارات. وأضاف الزيودي خلال مؤتمر في أبوظبي، أن الإمارات ثاني أكبر شريك تجاري لإيران، بينما تعد هذه الأخيرة مورداً مهماً لعديد من السلع الأساسية، خصوصاً المنتجات الغذائية، وأن الحكومة لا تزال تحلل الوضع لمثل هذا القرار في حال تطبيقه.
وأوضح الوزير أن الميزان التجاري مع إيران يصب في صالح الإمارات، فيما يميل ميزان التجارة مع الولايات المتحدة لصالح الأخيرة، مشيرا إلى أن أبرز المنتجات التي تصدرها الدولة للولايات المتحدة هي الذهب والألمنيوم الذي يخضع بالفعل لرسوم جمركية بنسبة 50%.
من جهة أخرى، سجلت الصادرات الإيرانية إلى السعودية نمواً غير مسبوق هذا العام، حيث قفزت بنسبة تقارب عشرة آلاف بالمائة. ووفقاً لما نقلته وكالة مهر للأنباء، ارتفعت قيمة الصادرات الإيرانية من نحو 235 ألف دولار العام الماضي إلى أكثر من 23 مليون دولار خلال الأشهر التسعة الأولى من العام الإيراني الجاري.
ومع تهديد ربط أي تعامل مع إيران بمخاطر جمركية في السوق الأميركية، سيزداد تشدد البنوك وشركات الشحن والتأمين تجاه الصفقات المرتبطة بإيران، ما يضغط خصوصا على الشركات الصغيرة والمتوسطة العاملة من خلال منصات إعادة التصدير الإماراتية، بحسب تقدير تحليلي نشره معهد دول الخليج العربية.
ومع ذلك، تذكر الدراسة ذاتها أن انكشاف الخليج المباشر على السوق الأميركية من حيث الصادرات يظل محدودا، لذا فإن الأثر الأعمق للقرار سيكون عبر "تكلفة الامتثال" وإعادة تشكيل شبكات الوساطة والتمويل التي تمر عبر مراكز خليجية، وفي مقدمتها دبي بما هي محور مالي ولوجستي. ويصف تقدير نشرته منصة "بروسايلينس" السويسرية الإمارات بأنها "عقدة قوية يمكن أن تتحول إلى نقطة فشل محتملة" في منظومة التجارة العالمية عندما تشدد واشنطن تركيزها على ممرات إعادة التصدير المرتبطة بدول خاضعة للعقوبات، وفي مقدمتها إيران.
وفي هذا الإطار، قال الخبير الاقتصادي نهاد إسماعيل، لـ "العربي الجديد"، إن التعرفة العقابية الجديدة لن تطاول الإمارات فحسب عربياً، بل ستمتد أيضا إلى دول عربية أخرى، خصوصا سلطنة عمان والعراق، حيث تحافظ كل منهما على مستويات متفاوتة من التبادل التجاري مع طهران.
واستشهد إسماعيل بأرقام منظمة التجارة العالمية، التي تفيد بأن التجارة بين الإمارات وإيران تبلغ نحو 23% من إجمالي التجارة الخارجية الإيرانية، بينما تمثل التجارة مع العراق حوالي 10%، بما يعادل 13 مليار دولار سنويا، أما حجم التبادل التجاري مع سلطنة عمان، فيقدر بنحو 2.5 مليار دولار أو 2% من إجمالي التجارة الخارجية الإيرانية، رغم وجود خطط طموحة لرفعه إلى 30 مليار دولار سنويا في السنوات المقبلة ضمن إطار التعاون الثنائي.
ويلفت إسماعيل إلى أن إيران لا تعتمد على شركائها العرب فقط، بل لديها شبكة تجارية أوسع تشمل تركيا والهند وروسيا، إضافة إلى الصين التي تبقى الشريك التجاري الأكبر، مؤكداً أن الهدف من فرض الرسوم الجمركية ليس اقتصادياً بالأساس، عبر جمع إيرادات جمركية، بل هو ذو طابع جيوسياسي واضح، إذ يسعى القرار الأميركي إلى إرسال رسالة تحذيرية، مفادها أن أي تعاون تجاري مع طهران سيفسر على أنه دعم اقتصادي لنظام يتهم بقمع الاحتجاجات الداخلية.
وإزاء السؤال بشأن إمكانية توقف الدول المتأثرة فعلاً عن تعاملاتها التجارية مع إيران تحت وطأة هذه الضغوط، يجيب إسماعيل بأن الأمر سيتضح في الأيام والأسابيع المقبلة، حين تبدأ هذه الدول بتقييم تكاليف الامتثال مقابل مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية.
ويخلص إسماعيل إلى التأكيد على أن السياسة الأميركية الحالية باتت تعكس رهاناً على استخدام الأدوات الاقتصادية وسيلة للتأثير السياسي، لكن نجاحها يظل رهناً بمدى استعداد الشركاء العالميين للتخلي عن مصالحهم من أجل تجنب العقوبات الثانوية.
ووفق الخبير الاقتصادي مصطفى يوسف، فإن التطورات الجيوسياسية الراهنة تشير إلى أن بعض دول الخليج، ولا سيما الإمارات، قد تلجأ كما حدث في حالة النفط الروسي إلى آليات غير مباشرة للالتفاف على العقوبات الأميركية المفروضة على إيران، والتي قد تشمل استخدام "أساطيل ظل" أو شركات وهمية مسجلة في جزر صغيرة لا تمتلك أي بنية اقتصادية حقيقية، بهدف إخفاء مصدر البضائع أو إعادة توجيه الشحنات عبر طرف ثالث، ما يسمح باستمرار التبادل التجاري دون ظهور مباشر يدين الدولة المعنية.
ويوضح يوسف لـ "العربي الجديد" أن إدارة ترامب على دراية تامة بهذه الحيل، لكنها قد تغض الطرف عنها جزئيا إذا كانت الدول المعنية تحافظ على علاقات اقتصادية وثيقة مع واشنطن، مثل المشاركة في مشاريع مرتبطة بالعملات الرقمية أو الاستثمارات المشتركة، مشيرا إلى أن هذا الواقع يعكس تعقيد المشهد السياسي-الاقتصادي، حيث تتقاطع المصالح وتتداخل الأولويات، ما يجعل من الصعب فصل التعاون عن التنافس.
وفي السياق، يشير الخبير الاقتصادي، رائد المصري، لـ"العربي الجديد"، إلى أن القرارات الأخيرة المرتبطة بالسياسة الخارجية للرئيس ترامب، تسعى إلى هدف استراتيجي مزدوج، هو تطويق إيران اقتصادياً، وعزلها تماماً عن شبكات الإمداد والتجارة العالمية، وفي الوقت نفسه عرقلة التمدد الاقتصادي الصيني، خاصة عبر القنوات التي قد تُستخدم للتحايل على العقوبات المفروضة على طهران.
ويوضح المصري أن تحركات كاعتقال رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو لا تقتصر على البُعد السياسي، بل تشكل جزءاً من محاولة أوسع لإعادة تركيب أنظمة حكم موالية للولايات المتحدة، بهدف قطع "كل الشرايين" التي تعتمد عليها إيران للتنفس اقتصادياً، سواء عبر الصادرات النفطية، أو التحويلات المالية، أو العلاقات التجارية الثنائية، لافتاً إلى أن دول الخليج، ولا سيما الإمارات، كانت تلعب دوراً لوجستياً وتجارياً في بعض هذه الحركات، ما يجعلها ضمن دائرة الاستهداف غير المباشر. فواشنطن تدرك أن أي تبادل تجاري بين دول المنطقة وإيران قد يفتح نافذة للتعاون مع الصين، التي تعتبر أكبر مستهلك عالمي للطاقة، وبالتالي فإن الهدف الأبعد يتمثل في كبح النفوذ الصيني في سلاسل الإمداد العالمية، ومنع بكين من بناء بدائل تجارية أو طاقيّة تتجاوز الهيمنة الأميركية، حسبما يرى المصري. وإزاء ذلك، فإن استراتيجية ترامب لا تقتصر على خنق إيران فحسب، بل تمتد إلى حرمان الدول الأخرى، بما فيها حلفاء واشنطن، من إقامة علاقات تجارية قد تُفسر على أنها تسهيل للالتفاف على العقوبات، مبيناً أن هذه السياسة تستند إلى دروس استخلصتها الإدارة الأميركية من الحرب الروسية-الأوكرانية.
ويوضح المصري أن الولايات المتحدة لاحظت كيف نجحت دول عدة في تجاوز سقف سعر النفط المفروض عند 60 دولاراً، ما دفعها إلى السعي لفرض آليات أكثر صرامة، تقطع حتى أصغر القنوات التي قد تُستخدم لنقل السلع أو الطاقة الإيرانية. ويحذر المصري من أن هذه الخطوة تنطوي على مخاطر جيوسياسية واقتصادية كبيرة، إذ إنها لا تهدد فقط الاقتصاد الإيراني، بل تطاول دول الخليج المنتجة للطاقة أيضاً، إضافة إلى العراق الذي يعتمد بشكل متزايد على الغاز والنفط الإيراني لتوسيع قدراته الكهربائية.
ويخلص المصري إلى التأكيد على أن المشهد الإقليمي بات في حالة تأزم، وأن سياسات ترامب تسعى إلى "العبث" بهذا التوازن الهش، عبر استغلال الاعتماد الاقتصادي للدول على مصادر الطاقة والتجارة، في محاولة لفرض هيمنة أميركية شاملة، ليس على إيران فقط، بل على أي مسار تنموي قد يهدد المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة في آسيا والشرق الأوسط.

Related News
واشنطن تلوح بجزرة «العفو» لإقناع حماس بنزع سلاحها
al-ain
57 minutes ago