هل نجحت إيران في بناء معادلة ردع جديدة؟
عربي
منذ ساعة
مشاركة
منذ أن صار برنامجها النووي أحد أهم أسباب التوتر في العلاقة مع الولايات المتحدة (وإسرائيل)، قبل نحو 20 عاماً، تمكنت إيران من إنشاء معادلة ردع حالت بموجبها بين خصومها والهجوم عليها عسكريّاً. تمثلت هذه المعادلة في نشر عدد هائل من الصواريخ في محيط إسرائيل (في لبنان خصوصاً، لكن أيضا في العراق، واليمن، وسورية قبل سقوط نظام الأسد، فضلًا عن قطاع غزّة، حيث تلاقت مصالح إيران وحركة حماس في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي). ونظراً إلى قصر المسافة، التي لا تمنح إسرائيل وقتاً كافياً لمواجهة الصواريخ المنتشرة على التخوم، مقارنة بالمقذوفات التي يمكن أن تطلقها إيران من داخل أراضيها، حققت هذه الاستراتيجية لإيران الغرض إلى أن ارتكبت خطأها القاتل بترك إسرائيل تنفرد بحلفائها الواحد تلو الآخر في حروب "طوفان الأقصى"، على أمل أنها ستنجو بذلك بنفسها. وبمجرّد أن صارت الطريق مفتوحة إلى قلب طهران، أعطت إدارة ترامب الإذن لإسرائيل بالهجوم، فحصلت موجة القصف الأولى في يونيو/ حزيران 2025، شاركت الولايات المتحدة في نهايتها بضرب المنشآت النووية الايرانية. ومرّة أخرى، أخطأت إيران حساباتها، فجاء ردة فعلها ضعيفة على الهجوم الأميركي، اعتقاداً منها أنها تمتصّ بذلك "فورة" ترامب، وأنه سيكتفي بنصر معنوي كبير فاخر به كونه الرئيس الأميركي الذي "تجرّأ" على ضرب البرنامج النووي الإيراني، في حين أن استراتيجية ترامب كانت تروم، في الواقع، إخضاع النظام الإيراني أو إسقاطه، ليس بالضرورة عبر ضربة قاضية، بل في جولات تضعفه وتستنزف طاقاته. لذلك، لجأ إلى تكتيكات تشمل ضربها، من بعد، ثم العودة بها إلى طاولة المفاوضات، ليضربها من جديد، وهكذا حتى ترضخ لشروطه، من دون الحاجة إلى التورّط بعمل عسكري طويل ومكلف. فضلاً عن ضعف الرد الإيراني، تشجّع ترامب بنجاحه السهل في فنزويلا، و"وشوشات" نتنياهو له بأن هزيمة إيران، بسرعة، ممكنة إذا حرى "قطع رأسها". بدأت جولة القتال الثانية، وكانت أعنف من الأولى، واستغرقت 40 يوماً، لكن إيران فاجأت ترامب هذه المرّة بتغيير استراتيجيتها، إذ كان نظامها يتصرّف وكأن هذه معركته الأخيرة. بخلاف الجولة الأولى، لم تركز إيران على إسرائيل، بل على جيرانها في الخليج، والمصالح الأميركية في المنطقة، وتوزّعت استراتيجيتها على مسارين: الأول، إلحاق أكبر ضرر ممكن بدول الخليج العربية، اعتقادا منها أنها تمثل أهدافا سهلة، وللضغط عبرها على إدارة ترامب لوقف الحرب، ولرفع الكلفة الاقتصادية على العالم، عبر استهداف منشآت الطاقة، خصوصاً. ولكن إيران فوجئت، بدورها، بكفاءة الدفاعات الجوية الخليجية التي صدت ما لا يقل عن 90% من هجماتها. مع هذا، ورغم أن إيران كانت تعلم أنها تخاطر بتدمير علاقاتها بدول الخليج، حيث ردّ عديدون منها إما عسكريّاً، بضرب أهداف داخل إيران، أو بالانضمام إلى الحصار الاقتصادي ضدها، إلا أن إيران قدّرت أن العوائد تستحقّ المخاطرة، إذ تمكنت إيران من دفع ترامب إلى كبح جماح الهجمات الإسرائيلية على منشآتها الطاقية، بعد أن استهدفت منشآت الطاقة في دول الخليج، كما تمكنت من دفع ترامب نفسه إلى إلغاء هجمات ضد منشآت الطاقة الإيرانية، والقبول بوقف إطلاق النار بعد تهديدها بفعل الشيء نفسه ضد دول الخليج، مستغلة الاستنزاف الشديد الذي تعانيه منظومات الدفاع الجوي الأميركية، مقابل اقتصادها في استخدام صواريخها. وقد لوحظ في المناوشات الأخيرة أن إيران ترد على الهجمات الأميركية ضدها بمهاجمة دول الخليج العربية (الكويت والامارات خصوصا). تمثل المسار الثاني في إغلاق مضيق هرمز، ومنع تدفق نفط دول الخليج العربية إلى الأسواق العالمية. ورغم أن فرض ترامب حصاراً على الموانئ الإيرانية أضعف قدرتها على الاستفادة كليا من هذه الورقة، إلا أن إيران اكتشفت، في هذه الأزمة، أن مضيق هرمز أداة ردعها الفعلية في مواجهة واشنطن، لكن ليس إسرائيل، التي تستفيد من استهداف إيران دول الخليج، ومن إغلاقها مضيق هرمز. يساعد استمرار إيران بهذه السياسة في ترويج أكذوبتها إن الاحتلال الإسرائيلي ليس السبب الرئيس في عدم الاستقرار في المنطقة، وأن إيران، وليست هي، تمثل التهديد الأكبر للدول العربية. سيدفع هذا دول الخليج العربية (بعضها على الأقل) أكثر نحو إسرائيل، وسيعمّق الحضور الإسرائيلي أكثر على حدود إيران. كما أن إغلاق هرمز يمنحها (إسرائيل) فرصة لتقديم نفسها بديلاً لمعابر الطاقة، وإنْ ليس الأمر بالسهولة التي تُروّج. ... بالنتيجة، قد تحقق سياسات إيران الراهنة لها شيئا من الردع، على المدى القصير، لكنها، على المدى البعيد، تأتي بنتائج معاكسة تماماً ما تبتغيه.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية