عربي
شكلت تصريحات المستشار الألماني فريدريش ميرز بعد الانتخابات البرلمانية في ولايتي بادن فورتمبرغ وراينلاند بفالس، في مارس/آذار الماضي، وإعلانه نهاية الحزب الليبرالي الحر، عامل استفزاز ومحفزاً في آن، لنائب المستشار السابق فولفغانغ كوبيكي بالترشح لزعامة حزبه "الليبرالي" بعدما كان استبعد نفسه عن القيادة. وفاز كوبيكي برئاسة الحزب، بعد نيله خلال المؤتمر الحزبي، السبت الماضي، أكثرية أصوات المندوبين. فهل ينقذ كوبيكي "الليبرالي الحر"، ويثأر لحزبه بالانقضاض على ميرز والاتحاد الديمقراطي المسيحي الذي يعاني من تراجع في شعبيته، ويكرس تعاوناً واضحاً مع اليمين الشعبوي الذي يتصدر استطلاعات الرأي في البلاد؟
أجواء تنافسية مشحونة
وسط أجواء تنافسية حصد فولفغانغ كوبيكي نسبة 59% من الأصوات أمام منافسته خبيرة السياسة الدفاعية في الحزب ماري أغنس ستراك تسيمرمان التي نالت 39% من الأصوات، علماً أن ترشيحها فاجأ الجميع، ووجد كوبيكي نفسه في مواجهة منافسة له، ما شكل استياء لديه، بعد أن كان واثقاً من فوزه.
لم يستبعد فولفغانغ كوبيكي بشكل قاطع إمكانية تحقيق تقارب في القضايا الجوهرية مع "البديل"
وعن التطلعات المستقبلية، وضع فولفغانغ كوبيكي نصب عينيه خريطة طريق لاستقرار الحزب وتعزيز مكانته ورفع نسبة المؤيدين بأكثر من 5% هذا العام، وذلك بالاستفادة من السخط الكبير على أداء الائتلاف الحكومي، الذي يضم "الاتحاد الديمقراطي المسيحي" و"الاشتراكي الديمقراطي". وشدد، بعد الاقتراع، على أنه سيعمل مع اللجنة التنفيذية في الحزب لمعالجة أكثر القضايا السياسية إثارة للجدل، منتقداً أوجه القصور في سياسة الهجرة، ومؤكداً عدم التنازل عن مخاوفه من تراجع الرخاء والقيود المفروضة على حرية التعبير. ومن زاوية أخرى، لم يستبعد بشكل قاطع إمكانية تحقيق تقارب في القضايا الجوهرية مع "البديل من أجل ألمانيا" اليميني الشعبوي، على قاعدة أن التصويت المشترك معه لا يمثل أي مشكلة.
في المقابل، قالت تسيمرمان، في حديث مع شبكة "أيه آر دي" الإخبارية، الأحد الماضي، إن فولفغانغ كوبيكي سيحصل على دعمها الكامل إن "كان يسير على الطريق الصحيح"، موضحة أن الأمر يتعلق بالموقف، وأي شخص يبدي أي تعاطف مع "البديل" سأحاسبه بشدة، فيما أشارت في تصريح لصحيفة "بيلد" إلى أنها ستراقب عن كثب إلى أين يتجه الحزب. ليعود كوبيكي ويرد عليها عبر الصحيفة ذاتها، قائلاً: "لديك 40% فقط من الأصوات، والآن تعرفين أين تكمن القوة".
رد فولفغانغ كوبيكي الصاع لميرز
وجاء ترحيب "البديل من أجل ألمانيا" بانتخاب كوبيكي زعيماً للحزب الليبرالي الحر، مع رفض كوبيكي للحواجز ضد "البديل"، وتصوره بأن إنهاء ما يسمى "جدار الحماية"، في إشارة إلى الاتفاق غير المكتوب بين أحزاب حول عدم التعاون مع "البديل"، أمراً حتمياً، لأن ذلك غير منصوص عليه في الدستور. وكان الأمين العام للحزب الليبرالي الحر مارتن هاغن اعتبر، أخيراً، أن "الجدار" مع "البديل مجرد فزاعة"، وكل محاولات تحجيم الحزب اليميني الشعبوي من خلال الإقصاء فشلت، و"كل ما نحتاجه هو نقاش جاد وعميق مع حزب البديل". وطرح هذا الأمر تساؤلات حول إمكانية تعاون الحزبين في الانتخابات المقبلة، وبالتالي، توجيه اللكمات لميرز من قبل كوبيكي الذي رد على المستشار بعد خسارة "الليبرالي الحر" في انتخابات في ولاية بادن فورتمبرغ بعنف، قائلاً: "يا جبان، سأريك".
"الليبرالي" عند مفترق طرق
وفي هذا الإطار، قال الباحث السياسي توماس برغمان، لـ"العربي الجديد"، إن "الليبرالي الحر" يقف عند مفترق طرق، وعلى كوبيكي أن يثبت قدراته، والتأكيد أن ميرز كان على خطأ، والتضييق بالنقاط على الحزب الديمقراطي المسيحي. وأبرز أن "كوبيكي ليس ديماغوجياً يمينياً، بل متأثر بالليبرالية الاجتماعية من المستشار الأسبق فيلي برانت، والزعيم المخضرم للحزب الليبرالي الحر فالتر شيل، وهو يستطيع الضغط على الاتحاد المسيحي وميرز بالتصويب على قضايا رئيسية كالطاقة والهجرة والضرائب. وإذا لم يتمكن من منح الزخم لحزبه خلال عام، وترجمة هذا الأمر بنتائج في الانتخابات، فإنه سيتلاشى".
توماس برغمان: "الليبرالي الحر" يقف عند مفترق طرق، وعلى كوبيكي أن يثبت قدراته
وعن خطاب التحدي المسيطر على علاقة الزعيمين، أعرب برغمان عن اعتقاده بأن وجهة نظر ميرز تقوم على أنه مع اضمحلال "الليبرالي الحر" سيحصد حزبه "الديمقراطي المسيحي" أصوات الطبقة البرجوازية دون الحاجة إلى منافسة الليبراليين اقتصادياً. وأضاف: "لكن، مع عودة كوبيكي لتصدر المشهد، فإنه، وعلى الأرجح، سيكون هناك مشكلة، وسيكون مصدر ازعاج لميرز وحزبه بحكم أنه يمتلك حساً سياسياً فطرياً وفصاحة خطابية ويتمتع بخبرة على المستويين المحلي والفيدرالي، بالإضافة إلى صراحته المفرطة ومواقفه المثيرة للجدل، وذلك على عكس سلفيه كريستيان دور وكريستيان ليندنر اللذين يمتلكان شخصية نفعية".
ومع تعدد الاعتبارات، رأى برغمان أنه "قد تكون أولى مهام كوبيكي رفع نسبة مؤيدي حزبه للمنافسة في انتخابات عدد من الولايات، والتي ستجرى في سبتمبر/أيلول المقبل، أولاً، ومفتاحاً للعودة إلى البرلمان الألماني (البوندستاغ) ثانياً. وإذا استطاع تحقيق ذلك، يكون قد قضى على الثقة المفرطة لدى الاتحاد الديمقراطي المسيحي واستعاد جزءا من هيبة الليبرالي الحر التي أمست هامشية إلى حد ما".
واستناداً إلى ما سبق، بينت آراء لخبراء في الانتخابات أنه لكي يحقق "الليبرالي الحر" نتائج مرضية في انتخابات ولاية ساكسونيا أنهالت، حيث يشارك حالياً في الحكومة، والمقررة في سبتمبر المقبل، ينبغي على كوبيكي تشكيل فريق عمل عصري متنوع من حوله، لا سيما من جيل الشباب. علاوة على ذلك، يتعين على زعيم "الليبرالي الحر" ألا يفوت أي فعالية، والتواصل مباشرة مع فروع الحزب هناك، مع السعي لاستعادة ناخبي الحزب المحبطين، بطروحاته الجذابة. وكان كوبيكي قال، أخيراً في بودكاست "أصعب قراراتي" مع مجموعة "فونكه" الاعلامية، إن حزبه "لم يمت، بل يحتاج فقط الى إعادة تنشيطه بالثقة في النفس، وليس الانعزال المستمر عن الآخرين".
لكن القراءات السياسية كشفت أن الأمور لا تؤشر لبداية مريحة لكوبيكي، مع التباينات والصراعات والتضارب في التوجهات داخل الحزب، خصوصاً أن كوبيكي أقدم سريعاً على مهاجمة منافسته الخاسرة تسيمرمان، بدلاً من الانصراف أولاً لتوحيد صفوف حزبه وثبيت قوة حضوره مجدداً. لكن، يبدو أيضاً أن تسيمرمان لن تتنحى جانباً، حيث أكدت، في تصريحات مع قناة " فيلت"، الاثنين الماضي، أن "زمن سيطرة شخص واحد على كل شيء، وإتباع الجميع له داخل الحزب، قد ولى". وكانت قبل فترة وجيزة اندلعت خلافات داخل "الليبرالي الحر" حول "جدار الحماية"، مع اعتبار كوبيكي أن هذا المصطلح غير موجود ولم يسمع به قط، وهو ما أدى إلى مخاوف داخل "الليبرالي" من أن يدفع بالحزب نحو اليمين.
أما هاغن، الذي تولى سابقاً رئاسة الكتلة البرلمانية للحزب في برلمان ولاية بافاريا، فكان أقل حدة، وقال، في مقابلة مع قناة "فيلت" الاثنين الماضي، إن "التصويت واضح نسبياً بشأن ثقة الحزب بكوبيكي، وألمانيا بأمس الحاجة إلى حزب ليبرالي". وزعم أن حزبه "غير منقسم على الإطلاق في القضايا الرئيسية، وسيتم العمل على إصلاحات موجهة نحو السوق لبلادنا، كما وتعزيز الحريات المدنية، ولا يشعر المواطنون والمسؤولون بأن الدولة تتدخل بشكل متزايد في حياتهم الخاصة"، مع العلم، أن الكتلة البرلمانية للحزب الليبرالي الحر في ولاية هيسن، طالبت بمنح الجنسية الألمانية فقط، لمن يؤكدون صراحة دعم حق إسرائيل في الوجود.

أخبار ذات صلة.
الكُتّاب عمّال المناجم
العربي الجديد
منذ 54 دقيقة