الجزائر... البحث عن "برلمان" مثالي
عربي
منذ ساعة
مشاركة
أمران يبرزان بوصفهما مؤشراً لافتاً في الساحة الجزائرية في الظرف الانتخابي الراهن. الأول أن هذه الانتخابات بكل مجرياتها التي بدت غير مسبوقة، وبياناتها الرقمية ذات الدلالة على انكماش الفعل السياسي، والمستجدات التي حملتها على صعيد الصرامة الحادة مع المرشحين، ستمثل منعطفاً وتحولاً مفصلياً، يقع ضمن ما وصفه قائد الجيش الفريق أول السعيد شنقريحة بـ"إعادة الهندسة السياسية للدولة".   أما الثاني، فان منطق "المظلومية السياسية" بالنسبة لبعض التيارات السياسية هذه المرة، تراجع بشكل كبير، مقارنة مع المحطات السياسية والاستحقاقات الانتخابية السابقة، والتي كانت تجد فيها قوى الموالاة الحظوة والرعاية من قبل السلطة في مقابل التعسف على المعارضة. الأرقام والبيانات تقول عكس ذلك هذه المرة. ما يعرف مجازاً بأحزاب السلطة والموالاة هي الأكثر تضرراً من مقص الرقيب السياسي وسلطة الانتخابات، وهذا يعني أن السلطة السياسية لم تعد مهتمة كثيرا بالتمايز السياسي القائم بين الموالاة والمعارضة، كلاهما سيان.   ليكن واضحاً أن الشارع الجزائري ما زال غير مركّز على المناخ والحالة الانتخابية القائمة، بمناسبة التمهيد لاجراء الانتخابات النيابية المقررة في الثاني من يوليو/تموز المقبل، وكل هذا الضغط الانتخابي وكثافة النقاشات الجارية، بشأن الترشيحات والإقصاءات غير المسبوقة وغيرها من المسائل ذات الصلة، مطروح داخل الأحزاب والدوائر المعنية بها فحسب، أما الشارع الجزائري فلم ينتبه بعد إلى المسألة، إلى حين أن تبدأ الحملة الانتخابية في التاسع من يونيو/حزيران الحالي، ومن عاثر حظ الأحزاب والمرشحين أن فترة الحملة تزامنت مع كأس العالم لكرة القدم. ثمة ما يعطي لاستحقاق الثاني من يوليو المقبل خصوصيته السياسية. إنها انتخابات داخل انتخابات، إذ سبقتها انتخابات من نوع آخر: تحييد ثلث المرشحين للانتخابات النيابية في الجزائر (ما يقارب الأربعة آلاف شخص بحساب القوائم المرفوضة)، ما يمثل 40% من مجموع المرشحين. أمر غير مسبوق في مجمل الاستحقاقات النظيرة التى جرت في البلاد منذ عام 1991، إنها بمثابة "انتخاب" مسبق للمرشحين. يطرح هذا الأمر لا محالة سؤالاً حول ما إذا كان ذلك نتيجة أزمة ممارسة من حيث تهاون الأحزاب السياسية في اختيار لوائح المرشحين والتساهل في ضمّ من لا تتوفر فيهم الشروط والاستحقاقات الضرورية، أم أن المعضلة مرتبطة بتطبيق القانون الانتخابي على نحو مبالغ فيه من حيث الصرامة وتدقيق السير الذاتية للمرشحين. هناك مثل شعبي سار في الجزائر، "الله في السماء والدولة في الأرض". أحدهم نسي دفع غرامة مالية لمخالفة مرورية بقيمة ألف دينار (أقل من ثمانية دولارات) في عام 1997، استحضرتها السلطات اليوم لتحييده عن الترشح، وهذا نموذج صارخ يحيل إلى أن السلطة تبحث عن "نواب مثاليين"، وخالصين من كل الشوائب. ومع ذلك يبقى احتمال ثالث وارد من أن المسألة سياسية في شقّ منها، أفرزتها حالة انتقاء سياسي بالدرجة الأولى، خصوصاً بالنسبة للنواب المرشحين والشخصيات والرموز المحلية التي تم "إقصاؤها". يأخذ الإقصاء هنا معنى وجود خلفية سلطوية ومظلومية سياسية، لا يمكن تنزيه السلطة عنها بالكامل. كل هذه التفاصيل المتداخلة، سواء تلك التي تعني الأحزاب أو تلك التي تعني السلطة، تبقى ذات صلة بمسعى واحد، وهو تعزيز معدل التصويت. هناك بعض القلق من أن تؤدي عملية الخلخلة التي مسّت اللوائح الانتخابية إلى استمرار نفس معدلات العزوف عن التصويت، تريد الأحزاب إقناع نفسها بذلك. الحقيقة أنه ليست هناك أي علاقة بين تغيير القوائم والتصويت، المسألة تحكمها عوامل أخرى، والسلطة بذاتها تجاوزت عقدة العزوف منذ سنوات.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية