هل تهدم إيران قانون البحار الدولي؟
عربي
منذ ساعة
مشاركة
يبدو أنّ تهديدات الرئيس الأميركي ترامب الغريبة لسلطنة عُمان، وحديثه عن "تفجيرها"، له علاقة بما تردّد عن دعمها لموقف إيران في مضيق هرمز، ومشاركتها في "سلطة مضيق الخليج" التي أنشأتها الأخيرة لتحصيل رسوم من السفن المارة في المضيق الدولي، رغم نفيها وفق مسئولين أميركيين. فقبل تهديد ترامب، أكّدت إيران أنها تجري محادثات مع عُمان بشأن إدارة ثنائية لمضيق هرمز، حسب وكالة بلومبيرغ. وذكرت صحيفة "نيويورك تايمز" أن "عُمان منفتحة على مسالة جباية رسوم من المضيق وتريد حصة من عائدات رسوم مضيق هرمز التي تجنيها إيران "، ما أغضب ترامب وأثار مخاوفه من أن تلعب السلطنة دوراً في منح شرعية أو غطاء قانوني لمشروع إيران المتعلق بإدارة الملاحة في هرمز وفرض رسوم على السفن العابرة للمضيق. إذ إنّ أي تفاهم إيراني عُماني بشأن إدارة المضيق أو تحصيل رسوم عبور سيعني عملياً اعترافاً بدور إيراني متزايد في أحد أهم الممرات البحرية في العالم، ما يهدّد مبدأ حرية الملاحة، وفق صحيفة "لوموند" الفرنسية، 29 مايو 2026.  كما أنّ فرض رسوم على السفن التجارية العابرة في مضيق هرمز قد يفتح الباب أمام إعادة النظر في قانون البحار الدولي، بوصفه انعكاساً لتحولات جذرية قد تطاول مجمل المنظومة القانونية والدولية التي كانت سائدة قبل هذه الحرب. وقد أثار المشروع الإيراني الخاص بإنشاء "سلطة مضيق هرمز" جدلاً واسعاً داخل الأوساط القانونية والسياسية الدولية، لأنه يُضفي طابعاً مؤسسياً على النفوذ الإيراني في أحد أهم الممرات البحرية في العالم، ويطرح أسئلة جوهرية حول مستقبل حرية الملاحة، وحدود سيادة الدول الساحلية، ومدى توافق الترتيبات الجديدة مع قواعد القانون الدولي للبحار.  والأهم أنه يطرح تساؤلات حول: هل تسعى إيران إلى استبدال قانون البحار الدولي ونسفه بترتيبات إقليمية في هرمز؟ وهل يقوض مشروعها حرية الملاحة الدولية؟ ومن يملك حق إدارة مضيق هرمز؟ فالمضيق يُعد شرياناً حيوياً للاقتصاد العالمي، ويمرّ عبره نحو خمس تجارة النفط المنقول بحراً في العالم، ما يجعل أي تغيير في آليات إدارته أو تنظيم الملاحة فيه قضية تتجاوز حدود الإقليم إلى الأمن الاقتصادي الدولي بأكمله. تستند إيران في طلبها فرض رسوم عبر "سلطة مضيق هرمز" إلى حقيقة أن جزءاً من المضيق يقع داخل مياهها الإقليمية، وأنها كدولة مشاطئة تمتلك حق المشاركة في تنظيم حركة الملاحة وضمان أمنها، ولتعويض خسائر الحرب. وبالمقابل يرى من يعارضون مشروعها أن طهران تتجاوز بذلك حدود الحقوق السيادية المعترف بها دولياً، وتسعى عملياً إلى منح نفسها سلطة إشراف أو تحكم في ممر مائي يخضع أصلاً لقواعد دولية راسخة. وتنص اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 على مبدأ "المرور العابر" في المضائق الدولية، وهو مبدأ يمنح السفن التجارية والعسكرية حق العبور المستمر والسريع دون تعطيل أو اشتراط الحصول على إذن مسبق، طالما أنها تلتزم باللوائح والإجراءات والممارسات المتعلقة بالسلامة ومكافحة التلوث. وإيران ليست طرفاً في الاتفاقية، وقد صرحت بأنها غير مُلزمة بها من الناحية الفنية، أما عُمان فهي دولة مُوقعة عليها، لكن القواعد والمبادئ الواردة في الاتفاقية تعكس القانون الدولي العرفي، وهي ملزمة لجميع الدول، سواءً كانت موقعة عليها أم لا وفق خبراء القانون. ومن هذا المنطلق، يرى خبراء قانونيون أنّ أي جهة إقليمية أو وطنية تسعى إلى فرض رسوم أو شروط سياسية أو قيود إضافية على حركة الملاحة قد تدخل في تعارض مباشر مع جوهر النظام القانوني الذي يحكم المضائق الدولية. ويبدو أن جوهر الخلاف يتعلق بالسؤال حول طبيعة هذه السلطة الإيرانية المقترحة نفسها، وهل دورها سياسي وأمني يفرض السيادة على هرمز، أم يقتصر دورها على التنسيق الفني والإنقاذ البحري وحماية البيئة البحرية، وهو ما يجد قبولاً لدى بعض الدول ودفع إيران للقبول بالفكرة وتسمية "الرسوم" بأنها "مقابل خدمات وبيئة"، ما يعني عدم مخالفتها لقانون البحار. وهذا عكس فكرة أن يكون دور "سلطة مضيق هرمز" الإيرانية، منح تراخيص أو فرض رسوم أو وضع شروط على المرور، والذي قد يفتح مواجهة قانونية وسياسية مع المجتمع الدولي ويقوض أحد أهم المبادئ التي قام عليها قانون البحار الحديث. وتقول إيران وعُمان أن النظام المقترح سيتضمن رسوماً للخدمات والبيئة، لا رسوم عبور، وهو فرقٌ ذو أهمية قانونية بالغة، فنظام رسوم العبور الذي يفرض على السفن رسوماً لمجرد مرورها عبر الممر المائي يُعد غير قانوني بموجب القانون الدولي، بينما يُسمح بفرض رسوم مقابل خدمات فعلية تُقدم للسفن، مثل التخلص من النفايات في الميناء، لكن تغيير مُسمى "الرسوم" ربما يكون محاولة إيرانية لتجاوز رفض سلطة مضيق هرمز بينما الحقيقة إنها رسوم مرور مُقنعة. والحقيقة أن الولايات المتحدة وعدد من القوى البحرية الكبرى يخشون أن تتحول "سلطة مضيق هرمز" إلى أداة تمنح إيران قدرة أكبر على التأثير في حركة التجارة العالمية، خاصة في أوقات الأزمات السياسية أو العسكرية، وتعتبره دول خليجية محاولة لتكريس واقع جديد يعزز النفوذ الإيراني في منطقة تمثل مصدراً رئيسياً للطاقة العالمية. ولا يُنظر للخلاف حول "سلطة مضيق هرمز" على أنه خلاف قانوني فحسب، بل باعتبار أنه يعكس صراعاً أوسع على النفوذ في الخليج وعلى مستقبل النظام الدولي نفسه، فبينما ترى إيران أن النظام القائم منحاز للقوى الغربية ويحتاج إلى ترتيبات إقليمية جديدة، تتمسك الولايات المتحدة وحلفاؤها بالقواعد الحالية باعتبارها الضامن الأساسي لحرية التجارة العالمية. لذا؛ فرضت الولايات المتحدة عقوبات على "سلطة هرمز"، أو "هيئة مضيق الخليج"، التي شكلتها إيران للتحكم في عبور السفن عبر مضيق هرمز، مع عُمان، حسب موقع وزارة الخزانة، يوم 28 مايو 2026، لعرقلة عملها. إذ جرى وضع الهيئة الإيرانية ضمن تصنيف "الإرهابيين العالميين المحدّدين بشكل خاص" (SDGT)، إلى جانب خضوعها للوائح العقوبات المالية على إيران (IFSR)، مشيرةً إلى ارتباطها بالحرس الثوري الإيراني. وقال تقرير لموقع "واشنطن ريبورت"، 22 مايو 2026 إن العقوبات الأميركية الجديدة ضد هيئة مضيق الخليج، سوف تحرمها من فرض رسوم مرور تصل إلى 2 مليون دولار لكل سفينة، نظير العبور عبر مضيق هرمز، وكان من المتوقع أن يولد نظام الرسوم الخاص بهذه الهيئة، إيرادات كبيرة لإيران وعُمان أيضاً.  وحذر وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، عُمان، ‌من التورط، على نحوٍ مباشر أو غير مباشر، في أي محاولة لفرض رسوم على العبور من مضيق هرمز، ⁠قائلاً إنها ستعاقب أي جهة فاعلة متورطة في مثل هذا النظام. ورد عليه عُمانيون مؤكّدين أنّ بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، يجوز للدول الساحلية تنظيم العبور في مياهها الإقليمية لأسباب تتعلق بالسلامة وحماية البيئة والنظام البحري. كما يجوز لها فرض "رسوم مقابل خدمات محدّدة" تقدمها للسفن العابرة، شريطة أن تُطبق هذه الرسوم بشفافية وبدون تمييز.  لذلك يبقى السؤال مفتوحاً: هل تمثل "سلطة مضيق هرمز" مجرد آلية إقليمية لتنظيم الملاحة والأمن البحري، أم أنها بداية محاولة لإعادة تعريف قواعد المرور في أحد أهم الممرات الاستراتيجية في العالم ونسق قانون البحار الحالي الذي صاغه الغرب؟ والإجابة عن هذا السؤال ستحدّد ليس مستقبل المضيق فحسب، بل أيضاً مستقبل التوازن بين السيادة الوطنية وحرية الملاحة في النظام الدولي المعاصر، وماذا سيحدث للعالم لو ترسخت "سلطة مضيق هرمز" الإيرانية، بفعل الأمر الواقع؟

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية