عربي
كيف يمكن إقناع مراهق في القرن الحادي والعشرين بأن سقراط ما زال قادراً على أن يغيّر حياته؟ هذا هو التحدي الذي يخوضه الفيلسوف والكاتب الفرنسي روجيه-بول دروا في كتابه "أليس في بلاد الأفكار" (منشورات ألبان ميشال، باريس، 2025). في عام 1865، أرسل لويس كارول بطلته الشهيرة أليس إلى "بلاد العجائب"، حيث الأرانب الناطقة والملكات غريبات الأطوار والمفارقات التي تتحدى المنطق. وبعد أكثر من قرن ونصف القرن، يعيد دروا إحياء الشخصية نفسها، لكنه يغيّر وجهتها جذرياً. فبدلاً من بلاد العجائب، تدخل أليس هذه المرة "بلاد الأفكار"، وبدلاً من مطاردة الأرنب الأبيض تنطلق في رحلة بين كبار الفلاسفة والحكماء بحثاً عن جواب لسؤال واحد يبدو بسيطاً بقدر ما هو عصيّ: كيف نعيش؟
من هذه الفكرة الذكية ينطلق الكتاب، وهو عمل يصعب تصنيفه ضمن خانة واحدة. فهو ليس رواية بالمعنى التقليدي، ولا كتاباً مدرسياً في الفلسفة، ولا عرضاً مبسطاً لتاريخ الأفكار. إنه أقرب إلى مغامرة فكرية تتخذ شكل الحكاية، وتستعين بالسرد والخيال لتقريب الأسئلة الفلسفية الكبرى إلى ذهن قارئ ربما لم يقرأ أفلاطون أو إبيقور أو سبينوزا في حياته.
والواقع أن روجيه-بول دروا ليس وافداً جديداً إلى هذا الميدان. فمنذ عقود يعمل على ابتكار صيغ جديدة لتقديم الفكر الفلسفي إلى جمهور واسع، بعيداً عن اللغة الجامعية المغلقة. وقد عُرف بكتبه ومقالاته وبرامجه الثقافية التي سعت إلى وصل الفلسفة بالحياة اليومية، وإلى إعادة طرح الأسئلة الكبرى بلغة واضحة من دون التفريط في عمقها. ويبدو "أليس في بلاد الأفكار" تتويجاً طبيعياً لهذا المسار، إذ يجمع بين شغفه بالفلسفة وموهبته السردية في عمل واحد.
أسئلة جيل قلق
تبدأ الحكاية من عالم مألوف جداً. أليس ليست تلميذة متفوقة في الفلسفة، ولا باحثة ناشئة في تاريخ الأفكار. إنها فتاة معاصرة تشبه ملايين المراهقين حول العالم. تقلقها الحروب، ويؤرقها مستقبل الكوكب، وتخشى الكوارث البيئية التي تتحدث عنها الأخبار كل يوم. وإلى جانب هذه الهواجس العامة، ثمة قلق شخصي لا يقل إلحاحاً: ماذا ستفعل بحياتها؟ أي مستقبل ينتظرها؟ وأي معنى يمكن أن تمنحه لوجودها؟
منذ الصفحات الأولى ترافق أليس فكرة تبدو بسيطة في ظاهرها وعميقة في دلالتها. إنها تبحث عن عبارة تستحق أن ترافقها طوال حياتها، عبارة يمكن أن تكون بوصلة في أوقات الحيرة، ورفيقة في لحظات الشك، ومصدراً للمعنى حين يضيق الأفق. وتبدو هذه الفكرة تفصيلاً روائياً صغيراً، لكنها في الواقع تختصر مشروع الكتاب كله. فالفلسفة، كما يقدمها دروا، ليست سعياً إلى امتلاك الحقيقة النهائية، بل بحثاً دائماً عن الكلمات والأفكار التي تساعدنا على العيش بصورة أفضل. إنها محاولة لفهم العالم من دون ادعاء السيطرة عليه، ولمواجهة القلق من دون الوقوع في الاستسلام.
بحثٌ عن الكلمات والأفكار التي تساعدنا على العيش بصورة أفضل
غير أن المؤلف يتجنب الطريق المباشر. فهو لا يضع بطلة روايته في قاعة درس، ولا يسلّمها كتاباً في الفلسفة، بل يفتح أمامها باباً سحرياً يقود إلى "بلاد الأفكار"، وهناك تبدأ المغامرة الحقيقية.
تظهر فأرتان عجيبتان، إحداهما حكيمة والأخرى مشاكسة، ويظهر كنغر يحتفظ بالمراجع والنصوص والاقتباسات، ثم تظهر شخصية لافتة هي "الجنية اعتراض" التي سترافق الرحلة كلها تقريباً. ومن خلال هذه الشخصيات لا يقدّم دروا الفلسفة بوصفها مجموعة نظريات جامدة، بل بوصفها حواراً دائماً بين الأفكار والاعتراضات، بين اليقين والشك، بين الرأي ونقيضه.
وهنا تكمن أحد أكثر ابتكارات الكتاب طرافة وذكاءً. فالفلسفة في المخيال المدرسي ترتبط غالباً بالتجريد والصعوبة والمصطلحات المعقدة. أما هنا فإن آليات التفكير نفسها تتحول إلى شخصيات روائية. فالجنية اعتراض ليست مجرد شخصية طريفة، إنما تجسيد لفكرة فلسفية أساسية: لا توجد فكرة حية من دون اعتراض عليها. وكل رأي يحتاج إلى امتحان واختبار قبل أن يتحول إلى قناعة راسخة. وهكذا يصبح القارئ مشاركاً في اللعبة الفكرية من دون أن يشعر أنه يتلقى درساً.
منذ العصور القديمة إلى اليوم
ولعل أجمل ما في الكتاب أنه لا يبدأ بالأجوبة بل بالأسئلة. لذلك ليس من قبيل المصادفة أن تكون أولى المحطات الكبرى في الرحلة هي سقراط. فالفيلسوف الأثيني الذي جاب شوارع مدينته قبل خمسة وعشرين قرناً لا يظهر هنا بوصفه صاحب مذهب جاهز، بل بوصفه معلّم التساؤل. إنه الشخص الذي جعل الاعتراف بالجهل نقطة البداية في البحث عن الحقيقة. وما إن تلتقيه أليس حتى تكتشف أن المشكلة ليست في قلة المعلومات، بل في الأوهام التي تجعل الإنسان يعتقد أنه يعرف بينما هو لا يعرف. فالمعرفة الحقيقية لا تبدأ بتكديس الأجوبة، بل بالقدرة على مساءلة ما نظنه بديهياً.
من هذه اللحظة تبدأ أليس، ومعها القارئ، في اكتشاف معنى جديد للفلسفة. فهي ليست تراكماً للمعارف بقدر ما هي تمرين على فحص الأفكار التي توجه حياتنا. لماذا نعتقد أن شيئاً ما عادل أو ظالم؟ لماذا نتصور السعادة على نحو معين؟ ما معنى الحرية؟ وكيف نميز بين الرأي والحقيقة؟
إن الأسئلة التي تبدو مجردة في الكتب تتحول هنا إلى قضايا تمس الحياة اليومية مباشرة. فحين يلتقي القارئ بسقراط يواجه سؤالاً ما زال حاضراً في عصر الشبكات الاجتماعية والذكاء الاصطناعي: كيف نميّز بين ما نعرفه حقاً وما نظن أننا نعرفه؟
وهكذا ينجح دروا في تحقيق معادلة نادرة. إذ أنه لا يبسّط الفلسفة عبر اختزالها أو تسطيحها، بل عبر إعادتها إلى وظيفتها الأولى: أن تساعد الإنسان على فهم الحياة واكتشاف ذاته.
يستعرض الكاتب مروحة واسعة من أفكار الفلاسفة الذين صنعوا تاريخ الفكر الإنساني وساهموا في تطوره منذ العصور القديمة إلى اليوم، وفي أماكن مختلفة من الكرة الأرضية. ويعتمد التسلسل الزمني الذي انتهجه مسار الفكر الفلسفي في الغرب بدءاً من اليونان والرومان، مروراً بمفكري عصر النهضة، وعصر الأنوار، وصولاً إلى الفلاسفة الألمان في القرن التاسع عشر، وبعد ذلك فلاسفة الحداثة المعاصرة، لا يفوته الالتفات إلى الجانب الآخر من بلاد الأفكار، إلى الحضارات الشرقية، متوقفاً عند منجزات الحضارة الإسلامية، ومرتكزات العقيدة الطاوية، والبوذية، وكل ذلك بأسلوب شيّق يجمع بين الرصانة والجدية، من جهة، والمرح والفكاهة، من جهة أخرى. وغاية الكاتب من كل ذلك تتبع المسارات المتعددة التي سلكها البشر في بحثهم عن العدالة والسعادة والحرية والحقيقة.
ومن هنا تأتي فرادة الكتاب. فالمؤلف لا يروي تاريخ الفلسفة بقدر ما يروي تاريخ الأسئلة الإنسانية الكبرى. والسؤال الفلسفي، كما يقدمه، لا يشيخ مع الزمن. قد تتغير الظروف والأزمنة واللغات، لكن الإنسان يبقى مشدوداً إلى التساؤلات نفسها: كيف نحيا حياة جيدة؟ ما الذي يجعل وجودنا ذا معنى؟ كيف نتصرف في عالم يختلط فيه الخير بالشر، واليقين بالشك؟ ولهذا تبدو الرحلة الفلسفية في الكتاب أشبه بحوار ممتد عبر القرون، تشارك فيه أجيال متعاقبة من الباحثين عن الحكمة.
من تعليم الفلسفة إلى تعلم التفكير
لكن الإنجاز الحقيقي الذي يحققه روجيه-بول دروا لا يكمن في استعراض الأفكار الفلسفية، بل في تغيير الطريقة التي ننظر بها إلى الفلسفة نفسها. ففي كثير من المناهج التعليمية تتحول الفلسفة إلى مادة قائمة على حفظ النظريات والأسماء والتواريخ. يعرف الطالب ما قاله أفلاطون أو ديكارت أو نيتشه، لكنه قد يغادر الدرس من دون أن يشعر بأن تلك الأفكار تمسه شخصياً. أما في الكتاب فإن المسار يسير في الاتجاه المعاكس. فالقارئ لا يبدأ بالفلاسفة، بل يبدأ بنفسه. يبدأ بقلقه وأسئلته وحيرته، ثم يكتشف أن الفلاسفة ليسوا سوى رفاق سبقوه إلى هذه الحيرة وحاولوا أن يفكروا فيها.
لهذا السبب تحتل الجنية اعتراض مكانة مركزية في الرواية. فهي تذكّر القارئ باستمرار بأن الأفكار لا تُقبل لمجرد أنها جميلة أو قديمة أو مشهورة، وكل فكرة تحتاج إلى اختبار، وكل يقين يحتاج إلى مساءلة. وكل جواب يفتح الباب أمام أسئلة جديدة.
ليس تراكماً للمعرفة بل تمرين على فحص أفكار توجه حياتنا
إنها رسالة تربوية بالغة الأهمية في زمن تتدفق فيه المعلومات بلا حدود. فالمشكلة الأساسية لا تتمثل في نقص المعرفة، إنما في القدرة على فرزها وفهمها ومناقشتها. ومن هذه الزاوية يبدو الكتاب أقرب إلى تمرين واسع على التفكير النقدي منه إلى درس في تاريخ الفلسفة. ولعل هذا ما يفسر نجاحه لدى جمهور واسع من القراء. فالقارئ لا يشعر بأنه يتلقى محاضرة، بل يشارك في مغامرة، وهو يتزود بأدوات تساعده على طرح الأسئلة بطريقة أفضل.
من هذه الناحية يمكن النظر إلى "أليس في بلاد الأفكار" بوصفه دفاعاً عن قيمة السؤال. فالمؤلف لا يدعو القارئ إلى اعتناق مذهب فلسفي بعينه، بل يدعوه إلى اكتشاف متعة التفكير الحر، وإلى التعامل مع الأفكار بوصفها موضوعاً للفحص والحوار لا مسلمات نهائية لا تقبل النقاش.
في هذا السياق يأتي كتاب روجيه-بول دروا، فهو لا يعد قارئه بحلول سحرية، ولا يقدّم وصفات جاهزة للسعادة أو النجاح. على العكس من ذلك، يذكّره بأن الحياة الإنسانية ظلت، منذ آلاف السنين، سلسلة من الأسئلة المفتوحة، وما يفعله الفلاسفة ليس إلغاء هذه الأسئلة، بل مساعدتنا على التفكير فيها بصورة أوضح وأعمق.
وربما لهذا السبب اختار المؤلف أن تكون بطلته فتاة في مقتبل العمر. فالشباب هم أول من يواجه اليوم عالماً متغيراً على نحو متسارع، وأول من يشعر بالحاجة إلى بوصلة فكرية وأخلاقية تساعده على عبور هذا التعقيد. غير أن الكتاب لا يخاطب الشباب وحدهم. فالقارئ البالغ يجد نفسه هو أيضاً في مرآة أليس، ويكتشف أن الأسئلة التي ظن أنه تجاوزها ما تزال ترافقه بأشكال مختلفة.
نجح دروا في جعل تاريخ الأفكار مغامرة روائية، وأن يعيد الفلسفة إلى وظيفتها الأولى بوصفها فناً للعيش. دخلت أليس بلاد الأفكار بحثاً عن عبارة تهتدي بها في حياتها. أما القارئ فيخرج من الكتاب وقد أدرك أن قيمة الفلسفة لا تكمن في العثور على العبارة الأخيرة، بل في مواصلة البحث عنها. وربما كان هذا هو الدرس الأجمل بأن الحياة لا تصبح أكثر معنى لأننا امتلكنا الأجوبة النهائية، بل لأننا لم نتوقف عن طرح الأسئلة الصحيحة.
* كاتبة وناقدة وأكاديمية لبنانية
