عربي
ما زالت موانئ إيران تحت الحصار البحري الأميركي، رغم إعلان الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، رفعه يوم 30 الشهر الماضي (مايو/أيار) والذي قدّم مؤشّراً أولياً على قرب توصل واشنطن وطهران إلى اتفاق إطار قد يقضي بإعادة فتح مضيق هرمز الاستراتيجي تدريجيّاً، الأمر الذي انعكس في تراجع سريع لأسعار النفط، وسلط الضوء على الانعكاسات المحتملة لمثل هذا الاتفاق على اقتصادات دول مجلس التعاون، ولا سيما تداعياته طويلة الأمد على أسواق الطاقة والاستثمار في المنطقة.
ورغم أن تراجع أسعار النفط يقلّص العوائد الفورية لدول الخليج إلا أنه يسهم في تبديد مخاوف الركود التضخمي العالمي وتخفيف كلف الشحن، ما أطلق موجة صعود قوية في أسواق المال الإقليمية والعالمية مدفوعةً بآمال عودة الاستقرار إلى الممرات المائية الحيوية التي يمر عبرها خُمس النفط وثلث الغاز العالمي المنقول بحراً، حسب ما أورد تقرير نشرته صحيفة الغارديان في 29 مايو/ أيار الماضي.
تشغيل الأنظمة اللوجستية يستغرق شهوراً
مع ذلك، يرى خبراء الأسواق أن عودة تدفقات النفط الخليجي وسلاسل الإمداد إلى طبيعتها لن تحدث بين عشية وضحاها، بل تتطلب فترة زمنية تراوح بين ثلاثة إلى ستة أشهر لإعادة تشغيل الأنظمة اللوجستية بالكامل بعد أشهر من الشلل، كما أن إرجاع ناقلات النفط العملاقة التي جرى تحويل مساراتها عالميا وتمركزها في مناطق أخرى سيستغرق نحو شهرين إلى ثلاثة للعودة والتحميل مجدداً من موانئ الخليج، حسب ما أورد تقرير نشرته منصة "ماركت ووتش"، المتخصّصة في أسواق المال والسلع، في 29 مايو/ أيار الماضي.
وإزاء هذا، تبدو العودة إلى مرحلة النفط المرتفع المدفوع بعوامل الأزمة أقل ترجيحاً على المدى الطويل، حتى إذا بقيت بعض علاوات المخاطر الجيوسياسية قائمة، إذ قد يفرض أي مسار مستدام نحو التهدئة وعودة الإمدادات للأسواق العالمية واقعاً جديداً تتراجع فيه قدرة المنتجين الخليجيين على الاستفادة من الأسعار الاستثنائية التي ولّدتها التوترات الإقليمية، كما أن "علاوة المخاطر الجيوسياسية" ستظل مدمجةً كضريبة غير مباشرة ترفع كلف التأمين والشحن وتفرض متطلبات أمنية إضافية لحماية الناقلات في المضيق لفترة طويلة وتزيد من الأعباء التشغيلية للشركات، بحسب التقرير نفسه.
وفي حال تم رفع الحصار البحري والعقوبات عن إيران بصورة واسعة ومستدامة، فإن التحدي الأكبر لدول الخليج قد لا يتمثل في تراجع أسعار النفط الآني فحسب، بل في عودة منافس إقليمي كبير إلى أسواق الطاقة والاستثمار والتجارة بعد سنوات من العزلة، بما يفرض ضغوطاً هيكلية طويلة الأمد على المزايا التنافسية التي استفادت منها بعض الاقتصادات الخليجية خلال فترة العقوبات، حسب توصيف أورده تقدير نشره "المركز العربي واشنطن دي سي"، في 28 الشهر الماضي (مايو/ أيار). فقد دفعت الحرب بالسعودية إلى تسريع مراجعة مشاريع "رؤية 2030" العملاقة مثل مدينة "ذا لاين" وتركيز استثمارات صندوق الاستثمارات العامة على قطاعات مرنة كالذكاء الاصطناعي والتعدين والسياحة، مستفيدة جزئياً من خط أنابيب شرق- غرب لتصدير النفط عبر البحر الأحمر. وفي المقابل، تظهر تباينات بنيوية حادّة بين دول المنطقة، حيث تضررت قطر بشدة جراء توقف صادراتها عبر هرمز، وتواجه حالياً تحدي إعادة إعمار مجمع رأس لفان الحيوي للغاز الطبيعي المسال، وهو مشروع إصلاح معقد ومكلف قد يستغرق من ثلاث إلى خمس سنوات للتعافي الكامل، بحسب التقدير نفسه.
على الصعيد القطاعي، يعتمد نجاح الأسواق الخليجية في قطف ثمار التهدئة على معالجة الاختناقات القائمة وتجاوز تداعيات الإغلاق الطويل لمضيق هرمز، ورغم التفاؤل باتفاق أميركي إيراني لا تزال أسواق الطاقة تواجه تحديات حقيقية بسبب تراجع مخزونات النفط لمستويات مقلقة للغاية وفقاً لتحذيرات كبرى شركات الطاقة العالمية، فضلاً عن بقاء كلف شحن السلع ومعدلات التأمين المرتفعة على الناقلات المارّة عبر المضيق من دون تغيير، حسب تقرير نشرته منصة سيمافور (Semafor) في 29 مايو/ أيار.
ولذا، ترتبط استفادة دول الخليج من أي اتفاق أميركي إيراني بشكل وثيق بمدى قدرتها على استعادة ثقة المستثمرين وبناء سمعتها مجدّدا منطقة آمنة ومستقرة، ما يضمن تدفق الاستثمارات للقطاعات غير النفطية الحيوية كالخدمات اللوجستية والتجارة الإقليمية، غير أن هذا المسار قد يتزامن مع اشتداد المنافسة على جذب رؤوس الأموال الأجنبية، إذ قد يفتح أي انفتاح اقتصادي إيراني واسع أمام المستثمرين الدوليين سوقاً ضخمة تضم نحو 90 مليون نسمة، بما يقلص جزئياً الحصة النسبية التي استأثرت بها بعض الاقتصادات الخليجية خلال سنوات العزلة الإيرانية، حسب التقرير ذاته.
الخليج وسياق بمعطيات جديدة
في السياق، يوضح الخبير في الاقتصاد السياسي، بيار الخوري، لـ "العربي الجديد"، أن الوضع الراهن يختلف جذرياً عن أي نقاش سابق حول رفع العقوبات، إذ إن السياق الحالي يفرض معطيات جديدة لا يمكن تجاهلها، فقد أغلقت إيران مضيق هرمز في 28 فبراير/ شباط الماضي عقب الضربات الأميركية الإسرائيلية، وتتمحور المفاوضات الحالية حول صفقة تقايض بين إعادة فتح المضيق ووقف الحصار على الموانئ الإيرانية، مع فترة انتقالية للتفاوض النووي، ما يعني أن أي رفع للعقوبات لن يكون حدثاً اقتصادياً عادياً بل سيأتي في سياق إيران الخارجة من حرب وبنية تحتية متضرّرة ونظام سياسي منهك، وهو ما يقلب افتراضات تقليدية كثيرة.
وتظهر التناقضات الجوهرية بوضوح على صعيد أسواق النفط، فالخليج يعاني حالياً من ارتفاع حاد في الأسعار بسبب الإغلاق، وأي اتفاق محتمل يعيد فتح المضيق سيؤدّي، حسب الخوري، إلى خفض هذه الأسعار فوراً، خصوصاً أن ملايين البراميل يومياً من الطاقة الإنتاجية الاحتياطية محاصرة داخل الخليج نتيجةً لإغلاق مضيق هرمز والحصار البحري لمحيطه.
وفي حال رُفعت العقوبات عن إيران كاملة وعادت صادراتها تدريجياً إلى الأسواق العالمية بالتوازي مع استقرار العرض والطلب، فقد تتعرض أسعار النفط لضغوط هبوطية كبيرة، حسب الخوري، الذي يصف سيناريو كهذا بأنه يمثل "مستوى كارثياً على الموازنات الخليجية"، لكن السياق الراهن يُعقّد هذا التوقع لأن إيران خرجت من حرب وبنيتها التحتية النفطية متضررة، لذا فإن عودتها للأسواق ستكون تدريجية، ما يمنح الخليج هامش وقت للتكيف، حسب تقديره.
وتتسم معادلة الرابح والخاسر من رفع الحصار البحري ورفع العقوبات جزئياً بازدواجية واضحة حسب تقدير الخوري، إذ إن إعادة فتح هرمز تعني عودة تدفق الصادرات الخليجية أيضاً، فالإغلاق لا يطاول النفط وحده بل يحبس كذلك 20% من إمدادات الغاز الطبيعي المسال عالمياً، فضلا عن البتروكيماويات واليوريا والأمونيا والألومنيوم، لافتا إلى أن دولاً مثل الإمارات وقطر تضرّرت من الأزمة رغم ارتفاع الأسعار.
وفي المقابل، تعني التهدئة، حسب الخوري، خسارة علاوة سعر الأزمة وعودة إيران منافساً، وتراجع الورقة الجيوسياسية التي يمنحها الاضطراب الإقليمي ثقلاً أكبر في التفاوض مع واشنطن، معتبرا أن إعلان السعودية والإمارات وقطر والبحرين دعمها الاتفاق المحتمل بين واشنطن وطهران يكشف أن هذه الحكومات حسبت المعادلة وقرّرت أن الاستقرار يخدم مصالحها البعيدة أكثر من الريع المرتفع الناتج عن أزمة خطرة، لكن هذا الخيار الاستراتيجي لا يلغي أن الاقتصادات الخليجية قد تواجه على مدى السنوات المقبلة بيئة أكثر تنافسية وأقل دعماً للأسعار المرتفعة، بما يسرّع الحاجة إلى إنجاح برامج التنويع الاقتصادي وتقليص الاعتماد على الإيرادات النفطية.
نقاط التنافس الحقيقية
ولا تتسم المنافسة الاقتصادية والاستثمارية بالأفقية بين إيران والخليج في كل المجالات، بل تتركز نقاط التنافس الحقيقية، حسب تقدير الخوري، في ثلاثة مجالات رئيسية، أولها: سوق النفط، حيث كانت إيران تصدر 1.38 مليون برميل يومياً حتى في ظل زخم العقوبات وهامش الزيادة بعد رفعها كبير. وتمثل سوق الاستثمار الأجنبي ثاني مجالات التنافس حسب الخوري، حيث تمثل إيران ذات الـ 90 مليون مستهلك والبنية الصناعية الأكثر تنوعا وجهة جذابة لرأس المال الأوروبي والآسيوي.
ويتمثل ثالث مجالات التنافس الإيراني الخليجي في قطاع البتروكيماويات الذي يتقاطع مع التوسّعات الكبرى لشركات أرامكو وسابك وأدنوك، غير أن إيران ستحتاج سنوات لإعادة بناء ثقة المستثمرين وستبقى عقبات النظام المصرفي والحوكمة قائمة حتى مع رفع جزئي للعقوبات، بحسب تقدير الخوري.
ويرى الخبير أن قطاع الموانئ والتجارة هو الأكثر حساسية في الجيواقتصاد الإقليمي، إذ بنى ميناء جبل علي جزءا من ثقله التجاري على عزل إيران لعقود، ولكن عودة ميناء شهيد رجائي وتطوير ميناء شابهار يفتحان خطوط تجارة بديلة نحو آسيا الوسطى وأفغانستان وجنوب آسيا، وهي أسواق كانت تمر عبر الإمارات بحكم الضرورة، كما أن إيران تمتلك عمقا جغرافيا يجعلها ممرا تجاريا طبيعيا لا يمكن استبداله، ما يغير ديناميكيات التجارة الإقليمية بشكل جذري.
وتتمثل القطاعات الخليجية الأكثر ربحا من رفع الحصار البحري والعقوبات عن إيران في ثلاثة قطاعات، حسب الخوري، أولها: الخدمات المالية، موضحا أن المصارف الخليجية تملك موقعا مثاليا لتكون وسيطا في الانفتاح الإيراني كما جرى جزئيا بعد عام 2015. ويمثل البناء والبنية التحتية ثاني القطاعات المستفيدة، وفق الخوري، حيث ستحتاج إيران إلى إعادة تعمير ضخمة وتعتبر شركات الإنشاءات الإماراتية والسعودية لاعبا محتملاً فيها، إضافة إلى السياحة التجارية لدبي التي استوعبت الطلب الإيراني قبل التصعيد.
بينما يتمثل القطاع الأكثر تضرّراً، حسب تقدير الخوري، في الغاز القطري، إذ إن إيران وقطر تتشاركان حقل الشمال أو بارس الجنوبي، وهو أكبر حقل غاز في العالم، وإيران "المنفتحة" ستسرع تطوير حصتها وتضغط على قطر في الأسواق الأوروبية والآسيوية، إلى جانب البتروكيماويات السعودية والإماراتية ومنظومة "أوبك+" التي ستعاني توترات داخلية حادة من إعادة تخصيص الحصص.
ويخلص الخوري إلى أن المكاسب الخليجية المباشرة من أي اتفاق محتمل بين واشنطن وطهران قد تتمثل في استعادة تدفق الصادرات المحتجزة وتهدئة المخاطر الجيوسياسية، إلا أن التحدي الحقيقي يبدأ بعد ذلك، حين تعود إيران تدريجيا إلى أسواق الطاقة والاستثمار والتجارة، وبرأيه فإن الخسارة الكبرى لدول الخليج على مدى خمس إلى عشر سنوات لا تكمن في تراجع مؤقت للأسعار، بل في انتهاء بعض المزايا النسبية التي أوجدتها سنوات العقوبات والعزلة الإيرانية، وظهور منافس إقليمي كبير على رؤوس الأموال والأسواق والطاقة.
نطاق رفع العقوبات
وفي هذا الإطار، يؤكد الخبير في الاقتصاد السياسي، نهاد إسماعيل، لـ "العربي الجديد"، أن رفع العقوبات الأميركية عن إيران يعد بمثابة ضوء أخضر لعودة طهران والتحاقها بالمجتمع الدولي دبلوماسياً وتجارياً، غير أن الأمر يختلف جذريا إذا كان هذا الرفع مشروطاً أو مؤقتاً، إذ سيكون التأثير الإيجابي محدوداً في هذه الحالة، وستستمر التوترات الجيوسياسية قائمة.
وتتغير المعادلة تماما، حسب إسماعيل، في حال إزالة العقوبات كليا، وهو ما يعني إنهاء حالة الحرب تماماً وفتح صفحة جديدة وإعادة بناء العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية، ما يفتح آفاقاً واسعة جداً للاستثمار في قطاعات الطاقة والتجارة، بالإضافة إلى إعادة تأهيل القطاع اللوجستي والخدمات وإعادة بناء البنية التحتية التي واجهت تدميرا شبه كلي.
وتحتاج المنطقة إلى استثمارات ضخمة تزيد على تريليون دولار سنوياً لإعادة إعمار قطاعات الطاقة والسياحة وسلاسل الشحن والإمدادات، بحسب إسماعيل، الذي يرى أن إعادة بناء العلاقات بين إيران ودول الخليج واستعادة تبقى الثقة العنصر الأهم للاستفادة الاقتصادية الشاملة لجميع الدول، حيث يعتبر الاستقرار الجيوسياسي في المنطقة الحل الأمثل لإيجاد أجواء براغماتية للتعاون الاقتصادي.
ويؤكد إسماعيل أن بوابة "الربح للجميع" تتمثل في بدء مرحلة جديدة من العلاقات الإيرانية العربية، ما يمهّد الطريق للاستفادة من الفرص التريليونية المتوفرة، ويعزّز التكامل الإقليمي ويدعم النمو المستدام في ظل بيئة مستقرّة ومفتوحة على التعاون المشترك.

أخبار ذات صلة.
غضب في الشارع الأرجنتيني بعد تباطؤ الاقتصاد
العربي الجديد
منذ 22 دقيقة
تحفظات موسكو وحساباتها في الشرق الأوسط
العربي الجديد
منذ 52 دقيقة
سورية في صلب توسيع مهمات توم برّاك
العربي الجديد
منذ 52 دقيقة