غضب في الشارع الأرجنتيني بعد تباطؤ الاقتصاد
عربي
منذ ساعة
مشاركة
منذ وصوله إلى السلطة نهاية عام 2023، قدم الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي نفسه باعتباره الرجل الذي سيُنهي عقوداً من التضخم والفساد والانهيار الاقتصادي. وبمنشاره الكهربائي الشهير الذي رفعه رمزاً لحملته الانتخابية، تعهد بقطع جذور الدولة البيروقراطية وإعادة بناء الاقتصاد على أسس ليبرالية متطرفة. لكن بعد أكثر من عامين ونصف العام في الحكم، بدأت تساؤلات جدية تطرح في بوينس آيرس، مترافقة مع غضب في الشارع، حول ما إذا كان المشروع الذي منح ميلي شعبية واسعة قد بدأ يفقد بريقه، في ظل تباطؤ الاقتصاد، وتراجع القدرة الشرائية، وتصاعد الاحتجاجات الاجتماعية، وظهور ملفات فساد تضرب الصورة التي بنى عليها الرئيس شرعيته السياسية. وتراجع التضخم السنوي الأرجنتيني بعدما فرضت حكومته برنامجاً قاسياً من خفض الإنفاق العام، وإلغاء الدعم، وتقليص دور الدولة، كما يُسجل موقع "استديو ديلامو"، المتخصّص، لكن ذلك لم يتحول تلقائياً إلى تحسن في حياة المواطنين. وترافق ذلك مع تراجع شعبية ميلي إلى أدنى مستوياتها، بحسب تقرير "إيكونوميست". فالأجور الحقيقية تراجعت، والبطالة ارتفعت في قطاعات عدّة، واستهلاك اللحوم، الذي يعد مؤشراً غير رسمي على الوضع الاقتصادي في الأرجنتين، هبط إلى أدنى مستوياته منذ نحو عقدين، بحسب تقرير لـ" إيه بي نيوز" في 16 مايو/أيار الماضي. وبالنسبة لكثير من الأرجنتينيين، لم يعد السؤال يتعلق بالتضخم فحسب، بل بقدرتهم على شراء الطعام ودفع الإيجارات وتحمل تكاليف المعيشة اليومية. مع تراجع القدرة الشرائية، على ما ذهبت صحيفة بوينس آيريس هيرالد الأرجنتينية في إبريل/نيسان الماضي. اعتمد ميلي سياسة "العلاج بالصدمة" الاقتصادية، معتبراً أن البلاد لا تملك ترف الإصلاح التدريجي، وفقاً لتقارير صحافية تتابع تراجع الاقتصاد الأرجنتيني. لكن هذه السياسة خلفت خسائر اجتماعية كبيرة. فقد جرى تسريح آلاف الموظفين العموميين، وخفض موازنات الجامعات، وتقليص برامج الرعاية الاجتماعية، وتجميد العديد من المشاريع الحكومية. وأصبحت الجامعات الحكومية، التي تعد أحد رموز الطبقة الوسطى الأرجنتينية، مركزاً رئيسياً للاحتجاجات ضدّ الحكومة. كما شهدت البلاد خلال الفترة الأخيرة تظاهرات واسعة شارك فيها طلاب وأساتذة جامعات ونقابات عمالية ومتقاعدون، احتجاجاً على تراجع الخدمات العامة وتدهور القدرة الشرائية. ويرى منتقدو الرئيس أنّ حكومته نجحت في ضبط الأرقام الاقتصادية لكنّها فشلت في حماية الفئات الأكثر هشاشة من كلفة الإصلاحات. وبحسب التقارير، بما فيها تقرير لـ"إل باييس" الإسبانية منتصف إبريل/نيسان الماضي، لم يُسهم ذلك إلّا في تأجيج الوضع. شهدت الأرجنتين في الأسابيع الأخيرة مظاهراتٍ عارمة على مستوى البلاد احتجاجاً على خفض المنح الدراسية للجامعات، والتي انخفضت بنسبة 45.6% في عهد ميلي، وفقاً للمجلس الوطني المشترك بين الجامعات (CIN) في الشهر الماضي، وهو ما يُؤثر أيضاً على المستشفيات الجامعية. ربما يكون الملف الأكثر حساسية بالنسبة لميلي هو الفساد. فالرئيس صعد إلى السلطة، حاملاً منشاراً كهربائياً ومتوعداً بقطع رؤوس الفساد، عبر خطاب شعبوي ركز على مهاجمة ما سماه "الطبقة السياسية الفاسدة"، مقدماً نفسه باعتباره البديل النظيف الذي سيقضي على شبكات المحسوبية والامتيازات. لكن هذه الصورة تعرضت لاهتزاز قوي بعد فضيحة العملة الرقمية "ليبرا". ففي فبراير/شباط الماضي روج ميلي بنفسه عبر وسائل التواصل الاجتماعي للعملة الرقمية الجديدة، قبل أن تنهار قيمتها خلال فترة قصيرة (بعد 45 دقيقة من إطلاقها)، مخلفة خسائر كبيرة لآلاف المستثمرين، بقيمة نحو 100 مليون دولار، وفقاً لصحيفة إل باييس. ورغم نفي الرئيس أي معرفة مسبقة بما جرى، فإنّ التحقيقات القضائية ما زالت مستمرة، وسط اتهامات بأن مقربين من السلطة استفادوا من العملية، بحسب تقرير لنيويورك تايمز في 6 إبريل/نيسان الماضي. كما تواجه شخصيات نافذة داخل الدائرة الضيقة للرئيس، بينهم شقيقته كارينا ميلي ومسؤولون كبار في الإدارة، اتهامات تتعلق بإدارة الأموال العامة وتضارب المصالح. وهذه القضايا تضرب مباشرة السردية الأخلاقية التي اعتمد عليها الرئيس في صعوده السياسي. بدلاً من احتواء الانتقادات المتزايدة، اختار ميلي المواجهة. فالرئيس الأرجنتيني بات يخوض حرباً مفتوحة مع وسائل الإعلام المحلية، ويتهم معظم الصحافيين بالفساد والتضليل والعمل ضد مشروعه السياسي. ووصف ميلي "95% من الصحافيين" بأنهم "مجرمون" و"فاسدون". خلال أربعة أيام في إبريل/نيسان، نشر ميلي 86 منشوراً على وسائل التواصل الاجتماعي، هاجم فيها الصحافة، وشارك 874 منشوراً آخر، وفقاً لمجلة الإيكونوميست. وتحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحة معارك يومية بين الرئيس وخصومه، في مشهد يرى مراقبون أنه يزيد الاستقطاب السياسي ويعمق الانقسام داخل المجتمع. ويحذر منتقدو الحكومة من أنّ خطاب التخوين المستمر ضد الصحافة والمؤسسات قد يضعف التوازنات الديمقراطية التي تقوم عليها الدولة الأرجنتينية. الخطر الأكبر على ميلي لا يأتي اليوم من المعارضة التقليدية فحسب، بل من جزء من قاعدته الانتخابية. بالإضافة إلى ذلك، هناك عدد من المؤشرات الاقتصادية الأخرى على وجود ممارسات غير نزيهة داخل حكومة ميلي، من بينها ما يتعلق بشخصيات رئيسية مثل سانتياغو كابوتو، الاستراتيجي السياسي النافذ ومن دائرة ميلي الضيقة. وقد جرى استدعاؤه مؤخراً إلى واشنطن لتقديم توضيحات أمام إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، التي قامت قبيل انتخابات التجديد النصفي بإقراض الأرجنتين 20 مليار دولار لإنقاذ موقف ميلي السياسي، بحسب ما ذهبت إليه هيئة الإذاعة السويسرية في 19 مايو/أيار الماضي. بدأ كثير من الناخبين الذين راهنوا على سياسة التقشف القاسية، أملاً في انتعاش اقتصادي سريع، بإظهار قدر متزايد من التململ والتساؤل: متى ستظهر النتائج التي وُعدوا بها؟ ورغم أن مؤسّسات مالية دولية وخبراء اقتصاد لا يستبعدون تحسناً تدريجياً في بعض المؤشرات خلال السنوات المقبلة، فإن الفجوة بين إيقاع الاقتصاد البطيء وتآكل الصبر الشعبي تتسع يوماً بعد يوم. ومع اقتراب استحقاقات سياسية جديدة، يدخل الرئيس خافيير ميلي مرحلة اختبار حاسمة: إمّا أن ينجح في إقناع الأرجنتينيين بأن الألم الحالي هو ثمن ضروري لمستقبل أفضل، أو أن يتحول مشروعه الاقتصادي إلى تجربة قاسية فقدت رصيدها الشعبي قبل أن تجني ثمارها. ورغم ذلك، لا يزال من المبكّر الحديث عن تراجع نهائي أو انهيار. فميلي لا يزال يحتفظ بقاعدة دعم معتبرة، ويستند إلى إنجاز واضح يتمثل في خفض معدلات التضخم التي كانت مزمنة وعجزت حكومات سابقة عن السيطرة عليها. لكن المشهد الحالي في الأرجنتين يكشف معادلة أكثر تعقيداً: فالنجاح الاقتصادي الجزئي لا يكفي وحده لضمان الاستقرار، خاصّة حين يتزامن مع تراجع القدرة الشرائية، واتساع رقعة الاحتجاجات الاجتماعية، وتصاعد الجدل حول شبهات تطاول الدائرة القريبة من السلطة. وبين هذه التناقضات، لم يعد السؤال في بوينس آيرس يقتصر على ما إذا كان ميلي قد نجح في كبح التضخم، بل أصبح يتمحور حول قدرته على الحفاظ على ثقة الشارع قبل أن تتحول كلفة الإصلاحات إلى عبء سياسي يهدّد استمرارية مشروعه بالكامل.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية