عربي
قبل أيّام قليلة، غادرنا الجدّ إدغار موران. أقول "الجدّ"، لأنّ ثمّة رابطاً عاطفياً يجمعنا بهذا الرجل العظيم، الذي هو ربّما أحد آخر العقلاء الذين عرفهم عالمنا، الذاهب بخطى حثيثة نحو الجنون. مفكّر وعالم اجتماع ومقاوم، برحيله يفقد العالم واحداً من أبرز الأصوات الفكرية، فيما يبقى إرثه دعوةً مفتوحةً إلى التفكير بطريقة مغايرة، وإلى الفهم بدلاً من إطلاق الأحكام.
يضمّ عمله الرئيس، وعنوانه "المنهج"، ستّة مجلّدات كتبها على امتداد نحو ثلاثة عقود، أبرز من خلالها أهمية التفكير المُعقّد وضرورته، واقترح نموذجاً استثنائياً لفهم تداول المعلومات في كونٍ بالغ التعقيد، على المستويات البيولوجية والاجتماعية، وكذلك في عالم الأفكار. لقد رفض موران التبسيط رفضاً قاطعاً، وكان حين يتحدّث عن التعقيد يُحيله إلى المعنى اللاتيني لكلمة complexus، أي "ما هو منسوج معاً"، كما إلى ضرورة رؤية الصورة كاملة، مهما اختلفت مكوّناتها، كما في زخارف سجّادة، فالمشكلة الحقيقية بالنسبة إليه هي أننا نتعلّم الفصل بين العناصر بإتقان، في حين أنّ المطلوب هو تعلّم كيفية الربط في ما بينها بصورة حيّة ومنتجة.
ويرتكز التفكير المركّب في نظره إلى ثلاثة مبادئ أساسية؛ المبدأ الحواري الذي يتيح الجمع بين عناصر متعارضة لفهم واقع واحد؛ ومبدأ التعاود التنظيمي، إذ تصبح النتائج نفسها مولِّدةً لما أنتجها، كالإنسان الذي يُنتج المجتمع وينتجه المجتمع في آنٍ معاً؛ ثمّ المبدأ الهولوغرامي الذي يرى أنّ الكلّ حاضر في الأجزاء، كما أنّ الأجزاء تنطوي بدورها على الكلّ. هذا النمط من التفكير الذي يربط وينسج كلّ شيء معاً، كان في صلب فكره، وقد أمضى حياته الطويلة ساعياً إلى حياكة هذا النسيج المشترك، المؤلّف من معارف منفصلة لا يتحاور بعضها مع بعض.
أيضاً، لقد رفض موران أشكال الاختزال كافّة، سواء تعلّق الأمر باختزال الإنسان في هُويّة واحدة، أو التاريخ في رواية واحدة، أو الواقع في تفسير أحادي يُقصي ما عداه. وقد رأى أنّ أحد أخطر أمراض عصرنا يكمن في هذا الميل المستمرّ إلى التبسيط: فصل ما هو مترابط، عزل ما لا يُفهم إلا في علاقته بغيره، وإخضاع العالم بتناقضاته وتشعّباته كلّها إلى يقين واحد ونهائي، لذا استمرّ يدعو إلى فكر يعترف بالتعقيد، يتّسع للتناقض، ويبحث عن الفهم بدلاً من الاستسلام لأحكام جاهزة.
ولا ننسى أنّ موران، طوال حياته وحتى سنواته الأخيرة، تابع ما يجري في العالم. وفي تصريح له في مراكش (فبراير/ شباط 2024) قال: "أنا مندهش وساخط من المجزرة المرتكبة في غزّة"، معبّراً بذلك عن صدمته من حجم العنف الموجّه ضدّ المدنيين، ومؤكّداً رفضه ما اعتبره انهياراً أخلاقياً في تعامل العالم مع ما يجري. وقد أشار في السياق نفسه إلى مفارقة تاريخية قاسية مفادها أنّ أحفاد شعبٍ تعرّض طويلاً للاضطهاد، يجدون اليوم أنفسهم في موقع من يمارس أشكالاً من القمع والقهر، في ظلّ صمت دولي واسع انتقده بحزم، معتبراً أنّ العجز عن الفعل لا يُعفي الإنسان من واجب الشهادة. وقد صاغ في مقالاته الأخيرة قراءة تاريخية أوسع، رأى فيها أنّ ما يجري في فلسطين يكشف استعصاء الحلّ السياسي، وهشاشة النظام الدولي، والخطر المتزايد جرّاء اتّساع رقعة الصراع، طالما لا يُمارَس أي ضغط حقيقي من أجل سلام عادل. وكان يرى في ما ترتكبه إسرائيل أحد أكثر دروس التاريخ قسوةً، إذ تنتج ذاكرة الاضطهاد، معزولة عن العدالة، مأساة جديدة تُضاف إلى مآسي العالم.
أجل، كان إدغار موران صاحب ضمير حرّ وصوت نادر، مفكّراً نسيجُه الفكرُ، وأداته الأسئلة، ووصيّتُه فهم العالم من دون اختزال، وفي تعقيده الإنساني الكامل. ولعلّ هذا كلّه ما يجعل منه رجلاً لا يموت.

أخبار ذات صلة.
غضب في الشارع الأرجنتيني بعد تباطؤ الاقتصاد
العربي الجديد
منذ 20 دقيقة
تحفظات موسكو وحساباتها في الشرق الأوسط
العربي الجديد
منذ 50 دقيقة
سورية في صلب توسيع مهمات توم برّاك
العربي الجديد
منذ 50 دقيقة